العدد 63 - السنة السادسة، محرم 1413هـ، تموز 1992م

أجوبة أسئلة

1- ما يسمى بعملية السلام في الشرق الأوسط:

لا يتوقع لمفاوضات ما يسمى بعملية السلام أن تبدأ مسارها الجدي قبل انتهاء الانتخابات الأميركية، فإدارة بوش الواثقة من عودتها للبيت الأبيض بعد الانتصار الذي حققته في الخليج، وبعد تحقيقها للتفرد الأميركي في الموقف الدولي وفي السياسة الدولية شرعت في التمهيد لعملية السلام قبل سنة من الفترة الرئاسية الثانية لبوش التي تتوقعها، وما مؤتمرات مدريد وواشنطن والاجتماعات التي تحتمل أن تعقد في روما قبل الانتخابات الأميركية ما هي إلا لإرساء الأسس التي ستسير المفاوضات الجدية عليها، وما استمرار الاجتماعات بعد مدريد إلا لإبقاء العملية حية حتى تحصل الانتخابات الأميركية، وبعدها ستأخذ المفاوضات الدور الجدي إذا عاد بوش إلى البيت الأبيض وهو الراجح.

وبسقوط حزب الليكود وذاهب شامير، وفوز حزب العمل وعلى رأسه رجل أميركا اسحق رابين أصحبت الطريق شبه ممهدة أمام واشنطن للدخول فيما يسمى بالقضايا الجوهرية للمفاوضات، وعدم المراوحة عند المسائل الشكلية والإجرائية كما كان الحال في عهد شامير، لذلك صارت الفرصة أكبر أمام أميركا للسير بخطى حثيثة أكبر من ذي قبل لمحاولة إنجاح مساعيها الهادفة في النهاية لحل ما يسمى بقضية الشرق الأوسط خاصة وأن رابين قوي مركزه في حزب العمل، بل وفي إسرائيل كلها أكثر من السابق فإلى حد كبير كان لشخصيته الأثر الأكبر في وصول حزب العمل إلى ما وصل إليه، وفي نجاح حزب العمل في الانتخابات بالرغم مما كان لأميركا من أثر في ذلك.

ومن المفارقات أن عملاء الانجليز والأميركان من حكام البلاد العربية مغتبطون بفوز حزب العمل وسقوط شامير. وكل له تفكيراته الخاصة في ذلك. غير أن المؤلم أن كثيراً من الناس العاديين من أبناء أمتنا فرحوا بالنتيجة كذلك، وكأن رابين سيحقق لهم ما يريدون، بعد أن كان شامير سداً منيعاً في وجه عملية السلام التي يريدونها بأي ثمن، دون معرفة حقيقة مضامينها ومدى خطورتها عليهم وعلى الأجيال المقبلة.

وبإعلان رابين بأنه سيوقف بناء المستوطنات السياسية لا الأمنية سيتمكن من الحصول على الضمانات المالية التي طلبتها إسرائيل من أميركا لكن لا لينفقها على المستوطنات وإنما على أمور تعود بالفائدة على مجمل الشعب الإسرائيلي من مثل شق الطريق وتعزيز الاقتصاد وإيجاد فرص عمل جديدة وزيادة التنمية بوجه عام. وأميركا بدورها أعطت مؤشرات بأنها يمكن أن تبحث الآن موضوع ضمانات القروض.

ورابين أعلن بعد فوزه أنه: “سيعطي المناطق ذات الكثافة السكانية في الضفة والقطاع حكماً ذاتياً فعلياً وليس انتخاب بلديات على أن تبقي الناحية السياسية والأمنية والسيادة بيد إسرائيل، وأنه سيواصل مفاوضات السلام بعد ذلك لتقرير الوضع النهائي لهذه المناطق دون التفريط بأمن إسرائيل” وأمن إسرائيل، بماذا يتحقق سيكون هو موضوع المفاوضات الشاقة. وكل ما يمكن أن تؤدي إليه هذه المفاوضات من المرحلة الحالية هو اتفاقيات سلام مذلة تمنح الفلسطينيين حكماً ذاتياً مؤقتاً على السكان دون الأرض وما فيها من مياه ودون الحصول على السيادة وإبقاء الناحية السياسية والأمنية وحكم المستوطنات تابعاً لإسرائيل ومن ثم عقد اتفاقات صلح مع بقية البلدان العربية التي ليست طرفاً في القضية لتطبيع علاقاتها مع إسرائيل وفتح بلدانها وثرواتها للاقتصاد اليهودي، وبذلك يسوقون إسرائيل لتركيزها في المنطقة لتبقى أقوى قوة فيها بحيث تهضم في المنطقة نتيجة هذا التطبيق وبحيث يروضون أهل فلسطين لأن يتعايشوا مع الكيان اليهودي والشعب اليهودي أما الحل النهائي وعلى أي شكل سيكون الكيان الفلسطيني وحدود الكيان اليهودي فأمامه سنون طوال ومفاوضات طويلة شاقة لا أول لها ولا آخر. وهذا ما لا يجوز أن يقبل به مسلم من المسلمين، وأن يكون التفكير كله منصباً على رفض كل مفاوضات وكل اتفاقات صلح وعلى وجوب محاربة الكيان اليهودي وقلعه من جذوره.

2- العلاقات الأميركية الروسية:

كشفت زيارة يلتسن الأخيرة لواشنطن أن أميركا جادة في مد يد العون لروسيا لدرجة لا تعيد لها قوة الاتحاد السابق، وفي نفس الوقت ستعمل على إبقائها بعبعاً لأوروبا الغربية، ترتعد من شبحه حتى تبقى دائمة الإحساس بالحاجة إلى أميركا، وما إعطاء بوش هذه الأهمية والأولوية للحد من الأسلحة الإستراتيجية بعد أن لم يكن هناك داع من الخوف بعد انتهاء الحرب البادرة، وتفتت الاتحاد السوفياتي، وتنازل وريثته روسيا عن مطامحه الدولية، لا يقصد به إلا تذكير أوروبا بأنها لا تزال بحاجة ماسة للمظلة النووية الأميركية، وبالتالي لإرضاء أميركا والسير معها، ومسايرتها في سياستها الدولية، حتى تبقى متفردة من العالم، وهذا من شأنه أن يضعف تطلع أوروبا لبناء قوة عسكرية أوروبية موحدة نظراً لأنها لن تصل إلى معادلة للقوة النووية الإستراتيجية الروسية، مما سيجعل أوروبا معتمدة على المظلة النووية الأميركية.

لذلك ينبغي أن ينظر للعلاقات الأميركية الروسية من منظار الخط العريض للسياسة الأميركية تجاه أوروبا، عن عدم نشوء قوة طاغية فيها وإبقاء هذه القارة في حالة توازن مع نفسها، باعتبار أن أميركا ترى في هذه القارة مصدر الخطر المحتمل على مستقبل هيمنتها الدولية.

3- أوروبا:

وحدة أوروبا تخفيف أميركا، ولكنها كذلك تخيف بعض المتظاهرين بالسعي لتحقيقها. فالانجليز يخشون أن تهيمن ألمانيا الموحدة، وهناك دول أوروبية أخرى تخشى أن تفقد هويتها القومية أو الوطنية كما هو حال الدنمرك التي صوت شعبها ضد معاهدة ماستريخت، فوحدة السوق الأوروبية المشتركة لا خلاف عليها وإن كان هناك تنافس حول شروطها حيث تسعى كل دولة لجعل هذه الشروط أفضل لمصالحها، ولكن الدول الأوروبية لا تنظر للوحدة السياسية بنفس المنظار، والذي يهم أميركا هو أن تظل الدول الأوروبية بعيدة عن الاتحاد أو الوحدة، ولهذا فهي تزرع بذور الفرقة من خلال إثارة مخاوف التاريخية، والنعرات القومية، فهي بتوحيد ألمانيا أثارت مخاوف كل من بريطانيا وفرنسا التاريخية من الشعب الألماني، وهي بتفجيرها الحرب العرقية في البلقان (يوغسلافيا) تريد إثارة النعرات القومية في القارة الأوروبية كلها.

ذلك أن القارة الأوروبية نظراً لتقدم شعوبها فإنها تشكل في حال توحدها خطراً كبيراً على النفوذ الأميركي في العالم كله وأميركا منذ مبدأ مونرو ظلت تعتبر أمنها متوقفاً على التوازن في هذه القارة الأوروبية، بحيث لم تسمح لأي قوة أن تسيطر عليها بكليتها ولهذا السبب تدخل ضد هتلر، ولهذا السبب رفضت القضاء الاتحاد السوفياتي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وهي الآن تسعى لإيجاد صيغة جديدة من التوازن بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وتبرز ملامحها بإرادتها بإبقاء روسيا كقوة عسكرية واقتصادية في المستقبل موازية لأية قوة يمكن أن تتمخض في النهاية عن التحركات الأوروبية الغربية نحو الوحدة أو الاتحاد، وسمحت حتى الآن بتوسيع النفوذ الألماني وسط أوروبا في خطوة يمكن أن تفسر بأن المقصود منها تعزيز المخاوف الأوروبية وخاصة الفرنسية والبريطانية من ألمانيا، كما يمكن أن تصب هذه الخطوة في صالح أوروبا بالتهميش للدور البريطاني فيها بحيث يمكن أن يرد إلى الذهن أن أميركا تريد أن تفهم بريطانيا أن دورها في أوروبا سيكون هامشياً، لتندفع بريطانيا للعمل على تخريب المسيرة الأوروبية نحو الوحدة. والدور البريطاني في أوروبا مؤثر نظراً لصلاتها الخاصة بعدد من الدول الأوروبية.

وبريطانيا لها مصالح مشتركة مع أميركا في أوروبا، فهي على الصعيد الاقتصادي تريد للتعاون الأوروبي أن يبلغ مداه، ولكنها لا تريد لهذا التعاون الاقتصادي أن يكون السبيل لذوبان الهوية البريطانية ضمن أوروبا الموحدة، التي لا بد وأن يسيطر عليها الألمان بما لديهم من إمكانات هائلة. فكأن بريطانيا تريد التعاون مع أوروبا لإنهاء التفوق الاقتصادي الأميركي، وتريد التعاون مع أميركا للحيلولة دون الهيمنة الاقتصادية السياسية الألمانية على أوروبا.

4 محرم 1413هـ

04/07/1992

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *