العدد 62 - السنة السادسة، ذو الحجة 1412هـ، حزيران 1992م

المصالح الحيوية للأمة الإسلامية

بقلم: هيثم بكر – أميركا

قال تعالى واصفاً الأمة الإسلامية (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ). يصف الله تعالى أمة الإسلام بأنها تأمر الناس بالمعروف وتنهى عن المنكر، وجعل فوق ذلك الإيمان بالله تعالى. فكان الإيمان بالله تعالى صفة مميزة لهذه الأمة وعلامة فارقة لها، كون الصفتين الأخريين لا تتأتيان بغير صفة الإيمان بالله تعالى.

الإيمان بالله تعالى هو الذي يميز أمة الإسلام عن غيرها من الأمم، وهو الذي يجب أن يكون محور تفكيرها ومركز تنبهها.

وحينما تعرض الأمة لقضية من القضايا، فإنها ولا شك تقيس تلك القضية بناء على درجة خدمة تلك القضية للأهداف التي تسعى لتحقيقها. فإذا علمنا أن هدف الأمة في الحياة إعلاء كلمة الله بين البشر، فإن مصالح الأمة ولا بد تكون محصورة بتلك القضايا التي تؤدي ذلك الهدف أو تقرّب منه.

نعم، الإيمان بالله تعالى هو الأساس الذي تقوم عليه الأمة الإسلامية، وعليه تعيش مصالحها الحيوية، وعليه يكون تقويم حال الأمة حسناً أو سوءاً.

وعندما نقول إن الإسلام حضارة متميزة وطريقة في العيش، فإن الإيمان بالله تعالى هو الذي يميز تلك الطريقة في العيش. هذا الإيمان يتجلى في كل قضية تعرض لها الأمة. عبادة الله تعالى وطاعته والنزول عند حكمه وتقديسه وتمجيده هو سلوك الأمة، وهو الأساس في بحث القضايا العامة، وهو الشغل الشاغل للناس.

إن مفاهيم الحلال والحرام، وما يجب عمله وما لا يجب، والحسن والقبيح كلها تنبثق من الإيمان بالله تعالى وتقديسه، وإعلاء كلمته وأمره، وإتباع وحيه، وأن يكون ذلك الإتباع محصوراً بالوحي أو بما جاء الوحي يأمر بإتباعه. هذه المفاهيم مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالإيمان بالله الذي يحدد الحلال والحرام وحده، والذي يحدد القبيح والحسن وحده، والذي وحده يحدد ما يجب عمله وما يجب تركه. وما لم يكن الحرام حراماً لكونه يغضب الله تعالى وليس لأي سبب آخر، وما لم يكن الحلال مستساغاً لكونه يرضي الله تعالى، فإن تلك المفاهيم تفقد الصلة بالله تعالى، وتنتهي بالمسلمين خارج هويتهم وتفقدهم سر حياتهم وسبب تمايزهم عن الأمم.

نرى اليوم أناساً ممن يدّعون الفقه في الدين يسعون لتحويل مفاهيم الحرام والحلال إلى ما يستسيغه العقل بدل ما يرضاه الخالق سبحانه. يسعون لأن يكون مقياس الحسن والقبح عند المسلمين نابعاً من مصالحهم المادية حسبما يرتئيه العقل. ثم ينبري فريق منهم على منابر الإعلام مجادلين أن العقل مصدر من مصادر التشريع أمر به الإسلام، وأن مصلحة الدين من مصلحة الأمة، بدل أن تكون مصلحة الأمة في مصلحة الدين والعقيدة.

إذا قرأنا كتب الفقه المكتوبة أيام وضوح العقيدة عند المسلمين فإننا نجد الأبحاث منصبة على فهم الآية فهم تقديس، وفهم الحديث أو الأثر فهم تقديس، وقوفاً عند ما يحتمله النص من معنى وما يساعد على فهم ذلك المعنى من مناسبة نزول أو نصوص أخرى، وعلى ذلك فإن الصلة بالله تعالى ذكره واضحة جلية في كل بحث وعند كل مسألة. وما كان المسلمون ليقبلوا من عالِم أية فتوى إلا لأنهم يظنون أنه أقدر على فهم ما يرضي الله تعالى وما يسخطه، والظن هنا غلبة الظن. وبذلك كان الشرع والفقه وثيق الصلة بالله، وكان ذلك ميزة للأمة.

واليوم نقرأ فتاوى ممن يفترض أنهم علماء الأمة لا يكاد المرء يقع فيها على ذكر الله تعالى أو لرسوله صلى الله عليه وسلم وما جاء به. نقرأ أبحاثاً عن مقاصد الشرع ومصالح الناس: حفظ النفس المال الخ… نقرأ أبحاثاً مفادها الاستدلال بقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) لإقرار مواثيق الأمم المتحدة وما يسمى بشرعة حقوق الإنسان والقانون الدولي وغير ذلك مما تعاهد عليه الكفارُ أعداء الدين، واعتبار هذه المعاهدات “مصالح” للمسلمين.

نقرأ في فقه هذا العصر الهابط أن الإسلام “يوجب” على المسلمين احترام استقلال دولهم وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، لقوله تعالى: (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً) وأن على المسلمين أن “يقاتلوا” دفاعاً عن استقلال إخوانهم.

نقرأ في فقه العصر الهابط أنه لا بأس بالاستعانة بجيوش الكفار لتدمير بلاد المسلمين إذا كان يخشى من أولئك المسلمين بعض الأذى، لقوله صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع: «ألا إن دمائكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا».

وحتى عندما يتعلق الأمر بالأحكام الخلافية تجد فقهاء العصر الهابط يسعون في الفتاوي دون استدلال بآية أو حديث أو حتى أثر، وربما اكتفي بالاستدلال بقول عالم أو بعض علماء على أبعد حد.

وليست المسألة هنا قضية تحريم الحلال وإباحة المحرمات فحسب، بل تعدى الأمر ذلك ووصل إلى تغيير صلب مفاهيم المسلمين. المسألة هنا أن يجعل العقل والمصالح المادية مركز تنبه المسلمين بدل مرضاة الله تعالى وسخطه، أن تنكسر قدسية أوامر الله تعالى ونواهيه فيصبح الدين مجموعة اجتهادات في جلب المصالح العقلية ودرء المفاسد العقلية.

إن التوجه واضح لدى الحكومات ومن لف لَفّهُم من “العلماء” تبعية أو جهلاً لكسر القدسية التي ما زالت عند المسلمين لأوامر الله ونواهيه، بحيث يُصبح مقياس الأعمال المصلحة بدل أن يكون المقياس تقوى الله وذكره. فتهون المقدسات ويصبح كل شيء قابلاً للتفاوض وقابلاً للتنازل والأخذ والرد، وهذا بالضبط ما يريده الكفار أعداء الله.

روى أحد صحافيي مجلة تايم (Time) الأميركية أنه كان فيما يسمى بالمملكة العربية السعودية في الآونة الأخيرة، فبينما كان في سيارة برفقة أحد المسلمين من أبناء البلد إذ مرّا على يافطة تقول (إلى مكة: المسلمون فقط). فكان أن سأل الصحافي الأجنبي زميله المسلم: أوتظن أنه سيأتي يوم يزول فيه التمييز الديني وتصبح مكة مفتوحة لغير المسلمين؟ فرد عليه المسلم: أبداً، قال: لم، فقال: (لأن الله تعالى أمر بذلك). وكان تعليق الأميركي أنه ما دامت مثل تلك العقليات – عقليات (أن الله أمر بذلك) – موجودة في تلك البلاد فلن يمكن التفاهم مع أولئك الناس. وذلك أن الحدود التي يعتقد المسلمون أن الله وضعها لهم تشكل جداراً سميكاً في وجه الغربيين تمنعهم من دخول مجتمع المسلمين وتغيير البقية الباقية من مفاهيم المسلمين.

أقول إن عقلية تقديس أوامر الله ونواهيه لمجرد كونها من عند الله هي الشيء الذي يميز المسلمين عن غيرهم من الأمم، وهي الشيء الذي يميز حضارة المسلمين وطريقة عيشهم عن غيرها من الحضارات، وهي لب الدين ومخ الحضارة. باختصار هي طريقة المسلمين في الحياة التي ينبغي المحافظة عليها بأي ثمن، والوعي عليها والحرص على إبقائها حية في أذهان الأمة أبداً على الدوام.

نعم، ما يميز المسلمين عن غيرهم أنه يكفي اقتناع المرء أن الله تعالى أمر بكذا لكي يؤخذ ذلك الأمر دون مناقشة وتنتهي المسالة عند ذلك الحد، وهذا ما لا يمكن أن يفهمه الغربيون العلمانيون الذين لا يعرفون للتقديس معنى ولا يعرفون مبدأ سوى حرية تغيير المبادئ. هذا هو الفرق بين حضارة الإسلام وحضارة الكفار العلمانيين.

وفي حضارة الإسلام الوحي معروف، واللغة التي جاء بها الوحي معروفة، وسبل استنباط أوامر الله ونواهيه مقياس كل عمل وطريق الحكم على كل مسألة.

هذا بالضبط ما دأب الكفار على محاربته لدى المسلمين، ونحذر من ضياع بقيته. قال تعالى عن الكفار: (يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ). فالعقلية الغربية العلمانية الكافرة لا يمكن أن تتسلل إلى بلاد المسلمين لو كان الارتباط بالله تعالى وثيقاً، ولو كانت الأحكام محكمة الربط بالعقيدة الإسلامية، ولو كان سلوك الأمة الطاعة طاعة الله ورسوله إتباعاً وطاعة أولياء الأمر الشرعيين انقياداً. والطاعة لا تدع مجالاً للأخذ أو للرد في الأوامر المقدّسة الواضحة أحكامُها في الدين.

ربما كان مستساغاً قول بعض العلماء (حيثما تكون المصلحة فَثَمَّ شرعُ الله) إذا كان يُعنى بالمصلحة المصالح الحقيقية للدين والعقيدة، وليس المصالح المادية. أن يعلو ذكر الله لا أن ينتفع المسلمون مادياً، أن يعي المسلمون على أحكام الدين، أن تكون الطاعة سلوك الأمة. هذه هي مصالح الدين، وهي المصالح الحقيقية للأمة، وهي المصالح التي يتصور أن العلماء قصدوها حينما تحدثوا عن المصالح، وحاشا لله أن يكون انفصال بلد من بلاد المسلمين عن بقية البلاد المسلمة مصلحة بل هو مفسدة، حاشا لله أن يكون السير في ركاب الأمم المتحدة وباقي المنظمات الدولية الكافرة مصلحة بل هو أعظم مفسدة، وحشا لله أن يكون الازدهار الاقتصادي القائم على الربا – السحت – مصلحة بل هو مفسدة عظيمة وحرب على الله ورسوله.

وما دام “علماء” اليوم قد أمسكوا بتلك القاعدة – قاعدة المصالح وصارت محور تفكيرهم والأساس الوحيد لفتواهم، متخذين من أقوال العلماء السابقين حجة لهم أمام المسلمين، ما دامت هذه القاعدة قد أصبحت همّ العلماء الشاغل. كان لا بد من توضيح المصالح المعتبرة في نظر الشرع والدين، والتفريق بين مصلحة حقيقية للدين والعقيدة ومصلحة نفعية مادية لبعض المسلمين لا يزال للدين فيها حكم ونظر، فتكون حراماً أو حلالاً بحسب النصوص والأدلة.

قد تسلل الكفار – أو يحاولون – إلى صلب الدين، وإلى مؤسسات الإفتاء في معظم دول العالم الإسلامي، وإلى مناهج بعض المؤسسات العلمية التي تدرس العلم الشرعي. والهدف تخريج مدارس وأجيال تفهم الإسلام على أنه دين جلب المصالح لأهله، وأن ذلك هو الأصل، وأن مقصود الدين والشرع كله إشباع الإنسان بما يريد الإنسان، لا بما يريد خالق الإنسان، وربط الأحكام بالعقل والهوى بدل ربطها بالعقيدة لتكون الأبحاث منصبة على المصالح والأهواء يُسيّر الدين بحسبها، بدل أن يكون الأساس في البحث تقديس الوحي ومحاولة فهمه.

إن محصّلة الشرع الإسلامي أن يحقق السعادة للبشرية جمعاء، ولكن تلك السعادة مشروطة بتقوى الله عزَّ وجلّ وإتباع شرعه. قال تعالى: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) أي واحدة في الدنيا وأخرى في الآخرة. أما الذين لا يتبعون شرع الله تعالى فهم ابعد ما يكونون عن السعادة، قال تعالى: (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى @ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً). فكانت تقوى الله شرطاً لسعادة الناس، ومفهوم ذلك أن شرع الله تعالى قرة أعين لمن يتقون الله ولكنه ليس بالضرورة كذلك لمن لا يتقون الله لأنهم لا يتقبلونه ولا ينزلون عند حكمه، ولذلك فإن المؤمن يسعد بالإسلام بينما لا يسعد به غير المتقين.

إذن الإيمان بالله تعالى وتقديسه وتمجيده وإتباع وحيه هو صلب حضارة المسلمين، وهو الأساس الذي يقوم عليه سلوكهن. وهدف الأمة منبثق عن ذلك، وهو إعلاء كلمة الله وذكر الله ودين الله وشرع الله تعالى في الأرض. ومصالح الأمة الحقيقية في فقط التي تؤدي هذا الهدف. وكل مصلحة أخرى لا تؤديه فإنها لا تكون مصلحة للأمة.

من مصالح الأمة الحقيقية مثلاً كثرة المساجد وإقامة الصلوات والعبادات لله سبحانه وأن تكون العبادة مأخوذة بشكلها الصحيح، وأن يكون ذلك تربية للانقياد لله تعالى في باقي السلوك.

ومن مصالح الأمة الحقيقية أن يكثر العلم الشرعي بين المسلمين، وأن يكون فقه الدين أرفع وأفضل العلوم في الأمة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «من يُرد الله به خيراً يفقهه في الدين».

ومن مصالح الأمة الحقيقية أن تدرّس اللغة العربية لغير العرب، وأن يكون اللسان العربي منتشراً واسع الانتشار، بشرط أن يكون القرآن هو أساس التدريس. وأن تكون المصطلحات الشرعية والإسلامية هي التطبيق. ومعلوم أن تعلم اللغة لا يتأتى بغير تعلم الحضارة، ولكن القائمين على وضع مناهج تدريس اللغة العربية اليوم أبعدوا كل ما له علاقة بالإسلام من تلك المناهج، وجعلوا يدرِّسون عن أسماء وشخصيات حديثة لا  علاقة لها بتاريخ المسلمين، ويدسّون بين السطور والأمثلة مفاهيم البعد عن المسلمين والاستهزاء بتاريخ المسلمين وغير ذلك.

المطلوب إذا أن يكون تدريس العربية نابعاً من القرآن وقائماً على أساس الحضارة الإسلامية والثقافة الإسلامية ليس غير، بحيث يكون تدريس العربية تدريساً للحضارة الإسلامية كذلك وتربية على أساسها ونشراً للثقافة الإسلامية، وهذا مصلحة كبرى للدين.

ومن المصالح الحقيقية للأمة كثرة الاجتهاد وفتح بابه على مصراعيه، وأن يكون في الأمة جيش من المجتهدين الواعين على الدين وعلى أمور الحياة وشؤونها، بحيث يكون الفكر الإسلامي حياً  متقداً حاضراً عند كل مسألة منطبقاً على كل مشكلة، وأن يكون هؤلاء المجتهدون ذوي مكانة عالية لدى الأمة احتراماً للعمل الذي يمثلون وليس احتراماً لأشخاصهم. إذن المطلوب أن يرتفع شأن العلم الشرعي وأهله إلى مستوى الاحترام الفائق تقديساً للدين ورفعاً من قدرهن بحيث يكون أرفع العلوم.

ومن المصالح الحقيقية للأمة أن يزول احترام الكفار من نفوس المسلمين وقادة المسلمين، وأن يفخر المسلمون بتاريخهم وحضارتهم، وأن يكونوا معتزين بها متجلين بكافة مظاهرها، حتى في الملبس والمأكل إذا كان ذلك الملبس والمأكل متصلاً بحضارة المسلمين ودينهم.

ومن المصالح الحقيقية للأمة وجود الأحزاب الإسلامية القائمة على الإسلام في أفكارها وبرامجها، وأن يكون العمل السياسي في الأمة قائماً على أساس الدين وطاعة الله تعالى فيما أمر، وأن ينتشر بين المسلمين العمل السياسي الإسلامية القائم لخدمة الدين والذود عنه وعن أفكاره ومظاهره.

غير أنه يجب أن يكون واضحاً أن الإسلام حدد الآلية أو الطريقة التي تحفظ بها مصالح الدين وهي الدولة. فهي صِمَامُ الأمان للمبدأ الإسلامي، وحامي بيضته، وهي التي تطبق أحكام الدين فتجعلها والعقيدة التي انبثقت عنها حية متقدة في النفوس.

والدولة هي التي تحمل دعوة الإسلام إلى الكفار، وتنشئ المؤسسات الدعوية التي تحمل للكفار حضارة المسلمين بشكل مؤثر ما داموا يسمحون بحمل الدعوة. وهي التي تعمل لإيجاد الرأي العام المؤيد للمسلمين وصولاً لضم البلاد إلى جسم الدولة الإسلامية.

وعلى ذلك كانت الدولة الإسلامية وقوتها من أهم مصالح الدين لأنها تقوم على عاتقها حماية بقية المصالح الأخرى، ولأنها صمام الأمان لمصالح الدين والقائم على حمايته. وكل ما من شأنه أن يقوي دولة المسلمين وسيادتها وتأثيرها في مسرح القوى العالمية هو مصلحة حيوية للمسلمين. وكل ما من شأنه أن يقيم تلك الدولة أو يعجل بقيامها أيضاً مصلحة من مصالح الدين.

فاتحاد بلدين إسلاميين كسوريا ولبنان مثلاً  مصلحة للمسلمين، بغض النظر عن الوضع الذي ستكون عليه الدولة الموحّدة، والنظام الذي يطبق عليهما. فالوحدة قوة زوال نهائي للمشاكل القائمة في لبنان والتي أدت منذ مائة وخمسين عاماً إلى دخول الكفار إلى المنطقة. ومثل هذه المصلحة يجب – في حال طرحها – أن تكون محل تأييد المسلمين، وعلى العاملين للإسلام أن يسعوا في مثل هذه المصلحة مهما كان الثمن.

واتحاد بلدين مثل الأردن وسوريا أيضاً مصلحة للمسلمين لما في ذلك من قوة بشرية وتكاتف للكفاءات ووحدة للموارد الطبيعية والمائية ممّا فيه حل لمشاكل البلدين. ولذلك فإن على العاملين للإسلام أن يعملوا جدياً لتحقيق مثل هذه الوحدة، والسهر عليها لو حصلت.

وكذلك وحدة أي بلدين مسلمين فيه مصلحة للمسلمين وقوة. وحتى بعض مظاهر الوحدة خير لو كانت خطوة على طريق الوحدة، كحرية التنقل وإلغاء التأشيرات وحرية الاستثمار والإقامة بين دولتين مسلمتين، فإن هذه الإجراءات خير لأنها تحقق التواصل بين المسلمين في البلدين، بحيث تصبح الوحدة فيما بعد أمراً ميسوراً تحقيقه والمحافظة عليه.

وأما إنشاء المنظمات التي تكرّس الانفصال بين بلاد المسلمين فهي ضرر ومفسدة وليست بمصلحة وذلك كمجلس التعاون الخليجي، وقديماً مجلس التعاون العربي، ودولتا لبنان وسوريا، واتحاد المغرب العربي، وجامعة الدول العربية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، فكل هذه المنظمات ما قامت إلا لتكريس التجزئة، وأول بند في قوانينها التأسيسية احترام كل دولة للدول الأخرى وسيادتها واستقلالها. إذن مجلس التعاون الخليجي مانع حقيقي يحول دون انضمام الكويت للسعوديين، ومانع يحول دون انضمام الإمارات للسعودية وأي إمارة من إمارات الخليج للسعودية، وبذلك لا يزال خطر التجزئة قائماً وهو أن يكون لكل من هذه البلاد من السيادة ما يمكّن حكامها أن يطالبوا بالتدخل الأجنبي معطين الذريعة للكفار بدخول بلاد المسلمين عسكرياً، تماماً كما حصل من حكام الكويت إبان حرب الخليج.

وكذلك فإن اتحاد المغرب العربي أبعد الوحدة بين دول المغرب العربي، كل الإشارات تؤكد أن ذلك الاتحاد إنما هو حبر على ورق. وكل حاكم من حكام تكل الدول له من السلطة والسيادة ما يمكنه من فعل ما يشاء دون الرجوع لأحد.

وعندما تسعى دولة مسلمة للاكتفاء الذاتي في الغذاء، والاعتماد على الصناعات المحلية، واستصلاح الأراضي الزراعية، وتشجيع الحرف والمهارات بحيث يمكن الاعتماد عليها في صيانة التقنيات الموجودة، كل ذلك مصلحة حقيقية للمسلمين كل المسلمين. فصناعة ذلك البلد والتقنية الموجودة فيه ستكون ملكاً لكل المسلمين حال قيام الوحدة، وهي عامل قوة. فلو كان في بلد ما مهارات تمكّن ذلك البلد من الاستغناء عن قطع الغيار المستوردة من الغرب لأمن لذلك البلد الاستقلال بسياسته وقراراته عن الغرب، وتلك الاستقلالية قوة عظيمة لو كان في ذلك البلد قيادة مخلصة.

وعندما تحاول دولة مثل باكستان مد الجسور وشبكات الطرق والمواصلات شمالاً نحو آسيا الوسطى وجمهوريات المسلمين فيها، وإعطاء المسلمين فيها منفذاً على المحيط، فإن ذلك مصلحة عظيمة للمسلمين، لأن ذلك يحقق التواصل بين المسلمين في باكستان وآسيا الوسطى، ويمكّن أهل تلك البلاد الاستغناء عن الروس (الكفار) اقتصادياً وبالتالي سياسياً، ولذلك فإن مثل تلك الشبكات مصلحة حقيقية للإسلام والمسلمين.

وعندما يحاول المسلمون في اندونيسيا الامتداد سكانياً شرقاً في تيمور وغينيا الجديدة، فإن ذلك مصلحة للمسلمين على المدى البعيد، وذلك أن وجود قوة سكانية للمسلمين في غينيا الجديدة نقلة نوعية للإسلام إلى منطقة جنوب المحيط الهادي، ويهدّد المصالح الغربية في استراليا ونيوزيلندا، ويفتح آفاقاً جديدة للعمل الإسلامي في تلك المنطقة، ويمكّن المسلمين من الامتداد والتوغل في عمق استراليا وصولاً إلى المصالح الغربية في فيكتوريا وويلز الجنوبية الجديدة عن طريق التبادل التجاري.

وحينما يعمد في بلد ما للتعاقد مع شركات محلية في أعمال الإنشاءات فذلك مصلحة للمسلمين من نواح عدة. فهو أولاً يكسب المسلمين ومؤسساتهم خيرات مهمة تمكّنهم من تحسين النوعية وتخفيض الكلفة فيما بعد، وثانياً يجعل الطرق وشبكات المواصلات سهلة الصيانة لأن منشأها محلي، وثالثاً يبقي الأموال المنفقة داخل البلد مما يجعل تلك النفقات استثماراً للأموال في البلد وليس مجرد إنفاق، ولذلك فعلى العاملين للإسلام السعي لتلزيم العقود للشركات المحلية لا للشركات الأجنبية. مثل هذه الأمور مصالح حقيقية للمسلمين، لأنها في جوهرها تشكل على المدى البعيد قوة للمسلمين واستقلالية تمكنهم من الاضطلاع بأعباء الرسالة على الوجه الأكمل مع حد أدنى من الضغوط، وهي وإن كانت مادية بطبيعتها إلا أنها مصالح للدين لأنها تعطي المسلمين كل المسلمين قوة واستقلالية قرار. أما لو كانت هذه المصالح المادية لا تحقق نفعاً إلا لفئة محددة من المسلمين، أو إذا كانت تؤدي إلى احتكار الأموال بين فئة قليلة من أصحاب المؤسسات، فإن تلك المصلحة لن تكون مصلحة للدين بل مجرد مصلحة مادية لا تخدم الدين بشيء، بل قد تضر الدين.

وعلى المسلمين أن يسعوا لتحقيق مثل هذه المصالح، وعلى الأحزاب السياسية العاملة للإسلام أن تعي على هذه المصالح الإستراتيجية فتدعو لها ولمثلها، وتدعو إلى المحافظة عليها، وتعبئ الرأي العام للمطالبة والذود عنها إذا تهددت.

إذن مصالح الدين في إعلاء كلمة الله ونشر الثقافة الإسلامية والسلوك الإسلامي بين المسلمين، والدولة هي التي تحقق تلك المصالح وتحافظ عليها، ولكني تحقق ذلك يلزم أن تكون الدولة قوية ذات سيادة مستقلة اقتصادياً وتحرره من كل نفوذ معنوي أو اقتصادي أو اعتماد على الآخرين في مأكل أو مشرب أو أية حاجة أخرى، وكل ما يحقق للمسلمين تلك الاستقلالية والقوة منها أيضاً مصلحة حقيقة للدين. وينبغي للعاملين للإسلام أن يعوا على هذه المصالح فيعملوا لتحقيقها والدفاع عنها قبل قيام دولة الإسلام وبعدها على السواء.

هذه هي المصالح الحيوية للأمة التي لو زالت لأدى ذلك إلى اضمحلال الحضارة الإسلامية حتماً أو ضعف بريقها وانحطاط المسلمين. وينبغي على كل مسلم أن يكون مدافعاً عن هذه المصالح منتبهاً لها واعياً عليها. وينبغي أن يتصدى المسلمون لكل ما يمكن أن يمس هذه المصالح أو يهددها. وينبغي أن تكون مواقف ساسة المسلمين – حكاماً وأحزاباً – وتخطيطهم الاستراتيجي بعيد المدى مبنياً على الذود عن هذه المصالح والدفاع عنها وتحقيقها على الدوام، لأنها مصالح الدين والشرع، وهي فوق كل اعتبار وفوق كل مصلحة.

وقد تساهل المسلمون في هذه المصالح في الماضي فأدى ذلك إلى انحطاط المسلمين على ما نرى ونسمع، وانهارت المقدسات وصار كل شيء لدى المسلمين قابلاً للتفاوض والأخذ والرد. وأُبعد ذكر الله تعالى وشرعه عن الحياة وعن الساحة الدولية، ولا تكاد حضارة المسلمين تذكر في أي مكان، والحملة الآن شعواء من الكفار للقضاء على البقية الباقية من مظاهر حضارة المسلمين ومظاهر سلوك المسلمين. إنِّ الهزيمة الحضارة أوقع وأفعل من الهزيمة العسكرية، ولقد هزم المسلمون عسكرياً مرات عديدة ولم ينهزموا حضارياً أو فكرياً، ولذلك ما أن استعادوا المبادرة حتى انتصروا عسكرياً من جديد. وقد فطن الكفار إلى ذلك فشنوا على المسلمين حرباً حضارية لتحويل المسلمين والإسلام إلى نسخة عن المبدأ العلماني الكفار، لتحطيم الإسلام كما تحطمت الشيوعية.

وعندما نقول إن المبدأ الرأسمالي هَزَمَ المبدأ الاشتراكي، فإن ذلك مبرره أن أهل الاشتراكية أنفسهم تركوا مبدأهم وتبنوا الرأسمالية. وحينما نقول إن حضارة الوثن الرومانية هزمت دعاة الحق فذلك لأن أتباع المسيح عليه السلام تركوا الحق وساروا في ركاب الرومان فعبدوا الأوثان والأشخاص وأشركوا بالله والعياذ بالله، إلا قليلاً ممن رحم ربي.

والحرب معلنة اليوم على مبدأ الإسلام. والهدف المطلوب هو القضاء على المبدأ وليس على الأشخاص. وصورة ذلك عندهم أن يتحول الإسلام إلى نسخة عن مبدئهم فيفصل عن الحياة تماماً ويتحول الشرع فيه إلى المصالح، وأن يزول التقديس من نفوس المسلمين ويصبح كل شيء قابلاً للأخذ والرد. أي أن يسعى المسلمون في مصالحهم الدنيوية كما يفعل الغربيون، مع فارق أن المسلمين حينذاك يكونون مرتدين ثوب الإسلام، وأن الإسلام لن يكون سوى ثوب رقيق لا جوهر له وبذلك يريد الغربيون أن يكون الفارق بين مبدأ المسلمين ومبدأ الكفار تماماً كالفارق بين مبدأ الأميركان ومبدأ الفرنسيين، أي اختلاف في بعض المظاهر دون الجوهر، فالكل يبحث عن نفس المصالح المادية، والكل يسعى للمال والثراء لا غير، فيما عدا الاختلاف اللغوي والتاريخي واختلاف العادات والتقاليد. وكذلك يريدون أن يجعلوا المسلمين أتباع مصالح لا أتباع دين الله تعالى، وأن تختلف عقلية المسلمين عن عقلية الكفار الغربيين في المظاهر والعادات والتقاليد واللغة والتاريخ فقط لا غير. وحتى بالنسبة للتاريخ يحاول الغربيون طمس حقبة الإسلام والعودة لحضارات وجدت على أرض المسلمين قبل مجئ الإسلام، حاملين المسلمين على التفاخر بها بدل التفاخر بحضارة المسلمين.

ولكن الله تعالى وعد بحفظ الدين وجوهره، قال تعالى: (يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)، وذلك أن الله تعالى سيلهم الأمة أو أفرادها أن تنبري أخيراً للدفاع عن مصالح الدين، وسيستيقظ مارد الإسلام العملاق وسيهزم الكفر والكفار بإذن الله تعالى، وسيظهر الإسلام على المبادئ الأخرى.

(هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ).

(وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ @ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) £

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *