العدد 92 - السنة الثامنة – رجب 1415هـ -كانون الأول 1994م

صورة للمجتمع الإسلامي

«مثل القائم على حدود الله والواقع فيها»

عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَثَلُ القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم اسْتهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها، إذا استقوا من الماء مرّوا على من فوقهم، فقالوا: لو أنّا خرقنا في نصيبنا خرقاً، ولم نؤذِ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن يأخذوا على أيديهم، نجوا ونجو جميعاً» – صحيح البخاري.

في هذا الحديث النبوي الشريف، يرسم لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صورة من صورة المجتمع الإسلامي، بأسلوب التشبه والمثل، فهو يُشبّه المجتمع الإسلامي، ذلك المجتمع المتميز بعقيدته ونظامه، الذي يعيش على الأرض بين شعوب ودول، مختلفة عنه في عقائدها وأفكارها، يشبهه بالسفينة في البحر، وهو مكان معرض للأخطار الجسام، فاقترع ركاب السفينة بينهم، فكان لبعضهم أعلى السفينة، يقودونها عبر المخاطر المحدقة بها، إلى شطّ السلامة والأمان، وكان لبعضهم أسفل السفينة وكانوا كلما احتاجوا إلى الماء، وهو كناية عما يلزمهم في الحياة الدنيا، مرّوا على مَن فوقهم ليشربوا من الماء، فيتأذى الأعلوْن بتصرفهم هذا، وكما في وراية للترمذي وأحمد: «فقال الذين في أعلاها: لا ندعكم تصعدون فتؤذوننا» فثًقل ذلك على من في الطابق السفلي فقالوا: «لو أنّا خرقنا في نصيبنا خرقاً، ولم نؤذِ من فوقنا» وفي رواية أخرى للبخاري: «فأخذ أحدهم فأساً فجعل ينقر أسفل السفينة، فأتوه فقالوا: مالك؟ فقال: تأذيتم بي، ولا بدّ لي من الماء» وهنا يبرز صنف من الأسفلين، يزين الفتنة والخراب، ويهوى تجاوز الحدود الشرعية، فيقولون كما ورد في رواية للإمام أحمد، «إنما يخرق في نصيبه»، إنها الحرية الشخصية، كما يدّعون.

فإن استمر الخلاف بين الفرقاء في السفينة، واقتصر على النقاش والجدال، تفاقم الأمر وتكاثر عدد المنشغلين فيه، ما يؤدي إلى الإهمال في قيادة السفينة، وفي توجيهها الوجهة الصحيحة، ومن ثم تتعرض للأخطار المهلكة.

في هذا الجو المكفهر، وفي تلك الظروف الدقيقة، يأتي العلاج الناجع، والبلسم الشافي من العليم الحكيم، من خالق هؤلاء البشر، المتفاوتين في تفكيرهم، والمتباينين في مصالحهم، مخاطباً القائمين على حدود الله، على لسان رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم قائلاً: «فإنْ يتركوهم وما أرادوا، هلكوا جميعاً، وإن يأخذوا على أيديهم نجْوا ونجْوا جميعاً». فالمجتمع الإسلامي كائن حيّ، كالجسد الواحد، يعمل كل عضو فيه لصالح هذا الجسد، فالرِجْلُ تسعى، واليد تعمل، والفهم يأكل، والمعدة تهضم، وكلّ عضو بوظيفته الموكلة إليه، ليتقاسم الجسد المنافع، كلّ عضوا حسب حاجته.

وإن لحق مرض أو سواء بعضو من الجسد، تداعت جميع الأعضاء لمقاومته واتقائه، قال: «مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».

وحتى يظل المجتمع الإسلامي سليم البنية، قادراً على دفع الأمراض الوافدة، طلب الله تعالى من كل فرد فيه، أن يقوم بالمسؤولية المناطة به: «كلكم راعٍ، وكلكم مسؤولٌ عن رعيته»، فإن كانوا حكاماً رعوا شؤون رعيتهم بما أنزل الله، وإن كانوا محكومين أطاعوا الحاكم ما أطاع الله فيهم، فإن عصى الله، حاسبوه وغيّروا عليه.

ومسؤولية إقامة أحكام الإسلامي في المجتمع الإسلامي مسؤولية جماعية، إن قصّر في إقامتها الحكام، وسكت عنهم الباقون أثم الجميع، وإن تخلى القائمون على حدود الله، الواعون على أحكام الله عن مسؤوليتهم، وتركوا المخالفين لأحكام الله يفعلون ما يشاؤون في مجتمعهم، كانت النتيجة ضياع الأمة الإسلامية، وهلاك الجميع، قال تعالى: ]وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ[ (الأنفال: 25). وقال عليه الصلاة والسلام: «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، أوشك الله أن يعمهم بعذاب من عنده» رواه أبو داود.

والأمة الإسلامية اليوم، تبحر في مراكب شتى، تتقاذفها أمواج الحقد والعداوة للإسلام، وأعاصير التآمر على المسلمين، وفي هذا المراكب، يكثر الواقعون في حدود الله، المنتهكون لمحارم الله، يمارسون خرق المراكب خروقاً واسعة، لم يمارس مثلها غيرهم في تاريخ المسلمين خروقاً في التضليل السياسي، وفي التآمر الفكري، حتى سمّوا الذلّ والضعف نصراً، والاحتكام إلى القرارات الدولية الكافرة عدلاً، وسمّوا الخنوع لليهود سلاماً، والعلمانية والديمقراطية إسلاماً. ويكثر في هذه المراكب أيضاً دعاة «الحرية الشخصية» وغير المبالين بأمر المسلمين، الذين يشجعون المنتهكين لحرمات الله على جرائمهم الشنعاء. فإن لم يتداعَ ويتكاتف القائمون على حدود الله، الملتزمون بها، للتغيير على هؤلاء الظلامين، والمضبوعين بثقافة الغرب وسياسته، هلك الجميع، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أوحى الله عزّ وجل إلى جبريل عليه السلام، أن اقلب مدينة كذا وكذا بأهلها، فقال: يا رب، إن فيهم عبدك فلاناً، لم يعصك طرفة عين. قال: فقال: اقلبها عليه وعليهم، فإن وجهه لم يتمعّر في ساعة قط» – شمكاة المصابيح -.

وغن هم شمّروا عن ساعد الجدّ، وعملوا مع الواعين المخلصين القائمين على حدود الله، في ردع الواقعين في حدود الله المنتهكين لحرماته، وغيروا عليهم بالطريق الشرعي الذي بيّنه الله، نجوا ونجوا جميعاً، لأن مسؤولية تغيير المنكر، كما هي مسؤولية فردية بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكراً فليغيره… » الحديث، فإنها أيضاً مسؤولية جماعية كما نصّ عليها الحديث الشريف الذي نحن بصدده «فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا… » وبنص الآية القرآنية الكريمة: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ).

وأخطر منكرٍ يتعرض له المسلمون اليوم، هو الحكم بغير ما أنزل الله، كالعلمانية والديمقراطية وجميع الأنظمة الوضعية، وهو منكر أساس، جرّ إلى منكرات متعددة كموالاة الكفار، ومعاونتهم على ضرب المسلمين، كترك الجهاد في سبيل الله، وكالربا والزنا والشذوذ الجنسي وكشف العورات، والتجسس على المسلمين، و… .

فعلى المسلمين أن يعملوا مع القائمين على حدود الله، في السبيل الذي خطّه رب العالمين في القرآن والسنة، وسار عليه رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، لتغيير هذا المنكر الأساس، لكي ينقذوا أنفسهم مما هم فيه، من فرقة وضعف وهوان في الدنيا، ولينجوا من عذاب الله الشديد في الآخرة.

وليعلم القائمون على حدود الله، من حملة الدعوة، العاملين لاستئناف الحياة الإسلامية، أن طريق النجاة واحدة مستقيمة، وأن طرق الهلاك كثيرة متعرجة، قال تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) ¨

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *