العدد 96 - 97 - السنة الثامنة – ذو القعدة وذو الحجة 1415هـ -نيسان وأيار 1995م

أولياء الله الصديق رضي الله عنه

بقلم: م. حمادي

إن المرء لا يجد الكلمات التي يمكن لها أن تفصح عن أبعد شخصية سامية كشخصية الصديق رضي الله عنه وأرضاه، فأينما تصفح الإنسان سيرته ونظر في أعماله وجد شعاع الفكر المستنير مضيئاً وهاجاً مميزاً لتفكيره، فقد جمع رضي الله عنه بين سرعة البديهة والاستنارة والعمق في التفكير، وفقه في أحرج اللحظات ما لم يفقه غيره حتى من كبار الصحابة، وكان الإبداع السياسي سجية من سجاياه، أما عن نفسيته فهي السمو في ذاته فهو العابد الزاهد والمعطاء السخي الوفي والشاكر الحامد، من أرق الناس قلباً وأجودهم يداً، صحب سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم منذ أن بعث وحتى لحق بالرفيق الأعلى، ثم خلفه في أمته فكان قائداً أميناً ومثالاً لرجل الدولة، وسيد الخلفاء وإمام الراشدين.

وكان ما وهبه الله من رجاحة عقل واستنارة في التفكير أداة له في إدراك حقيقة الرسالة وصدق الدعوة، فتقبل دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم له وأقبل عليها يحملها فأسلم بدعائه السابقون من أعلام الصحابة: عثمان بن عفان، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله رضي الله عنهم أجمعين، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما دعوة أحداً إلى الإسلام إلا كانت فيه عنده كبوة – أي تأخير وقلة إجابة- ونظر وتردد، إلا ما كان من أبي بكر بن أبي قحافة، ما عكم عنه حين ذكرته له، وما تردد فيه».

لقد كانت الدعوة لأبي بكر هي قضيته الأولى، فلقد كفاه أن يعلم أنها دعوة الحق ليقوم دونها ويعطي حياته لها مخلصاً إخلاصاً جل القلوب والعقول تستجيب له، وتوفيق الله حليف لأعماله فأتت بخير الثمار، ويتجلى إخلاص أبي بكر في هذه الرواية التي نقلها ابن هشام: قال أبو قحافة لأبي بكر: يا بني، إني أراك تعتق رقاباً ضعافاً، فلو أنك إذ فعلت ما فعلت أعتقت رجالاً جلداً يمنعونك يقومون دونك؟ فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا أبت، إني إنما أريد ما أريد لله عز وجل. فيتحدث أنه ما نزل هؤلاء الآيات إلا فيه وفيما قال له أبوه (فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) إلى قوله تعالى: (وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى).

أما الإيمان المستنير المستيقن فتجلى في موقفه رضوان الله عليه يوم مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث روى ابن إسحاق: وذهب الناس إلى أبكر بكر، فقالوا له: هل لك يا أبا بكر في صاحبت: يزعم أنه قد جاء هذه الليلة بيت المقدس وصلى فيه ورجع إلى مكة. فقال لهم أبو بكر: إنكم تكذبون عليه، فقالوا: بلى، ها هو ذاك في المسجد يحدث به الناس، فقال أبو بكر: والله لئن كان قاله لقد صدق، فما يعجبكم من ذلك، فوالله إنه ليخبرني أن الخبر يأتيه من الله من السماء إلى الأرض في ساعة من ليل أو نهار فأصدقه، فهذا أبعد مما تعجبون منه، ثم أقبل حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله. أحدثت هؤلاء القوم أنك جئت بيت المقدس هذه الليلة؟ قال: نعم، قال: يا نبي الله، فصفه لي، فإني قد جئته- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فرُفِع لي حتى نظرت إليه يصفه لأبي بكر ويقول أبو بكر: صدقت، أشهد أنك رسول الله، حتى إذا انتهى، قال وأنت يا أبابكر الصديق، فيؤمئذ سماه الصديق.

نعم هذا هو الصديق، لم يأبه بالنسا وبالعامة من قريش وضجيجها وصخبها وتكذيبها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يفقد في هذا الموقف الحرج اتزانه بل نظر وفكر، وأجابهم بالحجة الدامغة، فالحس يدرك كون الخبر يأتيه من السماء من الله أعظم من مجرد إسراء لبيت المقدس، نعم هذه مسلمة عقلية لو كانت قريش بحق تبحث عن الحقيقة لكفاها ذلك الاستدلال العقلي الرائع من الصديق رضي الله عنه.

أما الثبات على الحق والتحدي فيه والتمسك بالمبدأ ومقتضيات حمل الدعوة، وعدم المساومة عليها، والتضحية من ألجها وحسن التوكل على الله تبارك وتعالى فكلها معاني حية يصورها موقفه رضي الله عنه حين رد جوار ابن الدغنة:

وقد كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين ضاقت عليه مكة وأصابه فيها الأذى، ورأى من تظاهر قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه ما رأي، استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة فإذن له، فخرج أبو بكر مهاجراً حتى إذا سار من مكة يوماً أو يومين لقيه ابن الدغنة وهو يؤمئذ سيد الأحابيش، فقال ابن الدغنة : أين يا أبا بكر؟ قال: أخرجني قومي وآذوني وضيقوا علي، قال: ولم؟ فوالله إنك لتزين العشيرة وعين على النوائب وتفعل المعروف وتكسب المعدوم، ارجع فأنت في جواري، فرجع معه، حتى إذا دخل مكة قام ابن الدغنة فقال: يا معشر قريش، إني قد أجرت ابن أبي قحافة،  فلا يعرضن له أحد إلا بخير فكفوا عنه.

وكان لأبي بكر مسجد عند باب داره في بني جمح، فكان يصلى فيه وكان رجلاً رقيقاً، إذا قرأن ا لقرآن استبكى، فيقف عليه الصبيان والعبيد والنساء يعجبون لم يرون من هيئته. فمشى رجال من قريش إلى ابن الدغنة، فقالوا له: يا بن الدغنة، إنك لم تُجِر هذا الرجل ليؤذينا، إنه رجل إذا صلى وقرأ ما جاء به محمد يرق ويبكي، وكان له هيئة ونحو، فنحن نتخوف على صبياننا ونسائنا وضعفتنا أن يفتنهم، فأته فمُرْه أن يدخل بيته فليصنع فيه ما يشاء. فمشى ابن الدغنة إليه فقال له: يا أبا بكر، إني لم أُجِرك لتؤذي قومك، إنهم قد كرهوا مكانك الذي أنت فيه، وتَاَذّوا بذلك منه، فادخل بيتك فاصنع فيه ما أحببت، قال، أوَ أرد عليك جوارك وأرضى بجوار الله؟ قال: فاردد علي جواري، قال: قد ردتته عليك. يتبع العددم القادم.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *