العدد 99 - السنة التاسعة – صفر 1416هـ – تموز 1995م

افتتاحية العدد: القتال بين مصر والسودان جريمة جديدة في حق المسلمين

عقب نجاة الرئيس المصري حسنى مبارك من محاولة قتله في العاصمة الحبشية أديس أبابا وهو في طريقة من المطار إلى مؤتمر الوحدة الأفريقية وعودته على الفور إلى القاهرة، هبت وسائل الإعلام المصرية تقيم الدنيا ولا تقعدها احتفالاً بنجاة هذا الحاكم الظالم، سمسار أميركا الرخيص الذي أبى إلا الانصياع لأسياده الكفرة في واشنطن، والسمسرة لهم في الشرق الأوسط وفي أفريقيا والعمل على إذلال المسلمين في مصر كي لا يتحرروا من ربقة الكفر ونظامه، ولتظل مصر التي هي درة التاج في جبين الأمة الإسلامية وبيضة الثعبان في المنطقة في قبضة أميركا وتحت قلم المخابرات الأميركي.

نقول هبت وسائل الإعلام هذه موتورة، وعلى رأسها وزير الوزر وزيرها صفوت الشريف، ترفع من مقام هذا الطاغية بتضليل المسلمين في مصر وخارجها بأن نجاته نجاة لمصر وللمصريين وبأن الاعتداء عليه اعتداء على مصر وعلى المصريين، لتخلص من ذلك كله إلى ما يريده السيد في واشنطن من تعميق الفرقة والانقسام والتشرذم بين أبناء الأمة الواحدة، ولإعادة إحياء التفكير القومي والتفكير الوطني المقيتين، بعد أن كادت مفاهيم الإسلام تئدهما وتقضي عليهما من جراء تغلغل الفكرة الإسلامية وشيوع طريقة تفكيرها في أوساط المسلمين، ولا سيما في مصر التي لم تكن تعرف للوطنية ولا للقومية أي مفهوم أبداً بل كانت وما زالت تنبذهما وتنفر منهما على مدى التاريخ الإسلامي وحتى في عصر الكفر والاستعمار، وقد صدق فيها حديث رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه وآله: «إن فيها خير أجناد الأرض وهم في رباط دائم إلى يوم القيامة».

أجل راحت وسائل الإعلام الفاجرة هذه تشير إلى السودان وإلى أنها محاولة اغتيال الرئيس المصري، وأن خيوط المؤامرة تمتد إلى الخرطوم التي تدرب من أطلقت عليهم صفة الإرهابيين والمتطرفين وتمدهم بالمال والسلاح، فما كان طبعاً إلا انتظار رد الفعل من حكام الخرطوم، الذين لا نريد في هذا المقام الدفاع عنهم أو تبرئتهم، فإنهم وحكام مصر في قرن واحد سواء بسواء وداخل إطار العمالة لواشنطن، رغم ما يتظاهر به هؤلاء الحكام من أنهم يحكمون بالإسلام، والإسلام من حكمهم براء، لأنهم يطرحونه طرحاً خاطئاً للناس كما فعل غيرهم ويفعل من حكام المسلمين في أقطار أخرى كإيران والسعودية وباكستان، لا لشيء إلا لتنفير المسلمين من الإسلام بعد جلدهم به بهذا الطرح الخاطئ، وعندنا لا يبقى أمام المسلمين إلا خيار واحد هو الرضا بالأمر الواقع، أي الرضا بالرأسمالية والديمقراطية الكافرة وعدم التفكير في حل مشاكلهم إلا على هذا الأساس، بعد أن جربوا زوراً وبهتاناً تطبيق الإسلام، وهذه هي السياسة الأميركية الراهنة وهي ركوب موجة الإسلام التي أخذت تجتاح المجتمع في العالم الإسلامي لجلب مسلمين إلى الحكم باسم الإسلام سواءً بالانقلابات أو بالثورات أو بالانتخابات.

إننا لا نريد هنا أن نعرض إلى هذه الحكومات التي تدعي تطبيق الإسلام فقد بات على ظاهر الكفر زيفها وانكشف عوارها، ولم يبق إلى أن يتحرك المسلمون حركة سياسة واعية يستردون بها سلطانهم المسروق لإعادة الأمور إلى نصابها، بنصب خليفة للمسلمين يبايعونه على كتاب الله وسنة رسوله ليطبق عليهم الإسلام كاملاً دون تدرج وليحمل دعوته إلى العالم لإنقاذه من ظلم الرأسمالية ودجل الديمقراطية وكذبها.

أجل إننا لا نريد أن نعرض لمثل هذه الحكومات فليس هذا هو المجال، بل نريد أن نعرض إلى شيء واحد هو وحدة الأمة الإسلامية وحرمة تمزيقها أو التفريق بين أبنائها بحجة محاولة قتل رئيس دولة أو ملك، وحرمة اقتتالها ناهيك عن سفك دمائها، فالله تعالى جل شأنه جعل هذه الأمة أمة واحدة إلى يوم القيام رغم كل ما يحيط بها في هذا العصر من ظروف سياسية دولية قاهرة تحول دون وحدتها في دولة واحدة هي دولة الإسلام أي دولة الخلافة ودون رجوعها أمة كبرى ودولة كبرى كما كانت وكما يجب أن تكون، ورغم ما يسيطر عليها من أنظمة الكفر وأحكامه وقوانينه التي تمزقها إلى دويلات هزيلة قميئة لا تعدو كونها سجوناً متلاصقة من مشرق الأرض إلى مغربها.

قال جل شأنه: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ).

فالأمة هي مجموعة من الناس تربطهم عقيدة واحدة ينبثق عنها نظام… وهذا ما ينطبق على سائر شعوب الأمة الإسلامية ويجعلها منصهرة في بوتقة واحدة هي بوتقة الإسلام، لأن هذه الشعوب كلها تعتنق العقيدة الإسلامية، وهي عقيدة عقلية ينبثق عنها نظام فلا يملك حكامها اليوم أو بالأحرى سجانوها أن يجعلوا منها أمماً متفرقة مهما بذلوا من جهود في التضليل والخداع… فابن القاهرة وابن الخرطوم وابن دمشق وابن بغداد وابن الرباط وابن جاكارتا وابن كابول وابن أنقره وابن طهران  وابن سراييفو وابن غروزني كل هؤلاء مسلمون ولا يفضل أحدهم الآخر عنده الله إلا بالتقوى.

فليس ابن القاهرة بأكرم عند الله من ابن الخرطوم، ولا ابن الخرطوم بأكرم عند الله من ابن القاهرة… فكلاهما من المسلمين… فما هو ذنب المسلم في الخرطوم أو في حلايب أو في الفاشر أو في ا لقاهرة أو في الإسكندرية أن يقاتل ويسفك دمه لمجرد أن قتل حاكم في مصر أو في غيرها من بلاد المسلمين أو جرت محاولة لقتله.

«إن كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه» وحرمة المسلم عند الله تعالى أعظم من حرمة بيته المحرّم… فحاكم القاهرة يهدد بالحرب وينادي بالويل والثبور وعظائم الأمور، وحاكم الخرطوم يهدد بقطع المياه عن ا لمسلمين في مصر ويحتكم إلى الطاغوت في مجلس الأمن ويعلن الطوارئ والتعبئة العامة، وكلاهما ليس من الله في شيء، وذلك بدل أن يتحاكما إلى كتاب الله وسنة رسوله.

(يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ).

إن الاحتكام في مثل في الحال عند المسلمين لا يكون إلا إلى شرع الله ورسوله.

ألم يسمع حاكم مصر والسودان أم لم يقرأوا قوله تعالى: (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ). ألم يسمعا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: «أيها الناس إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا وكحرمة شهركم هذا».

فلماذا كل هذه العنتريات الهزيلة الفارغة يا حكام مصر والسودان إلا لإرضاء من نصبكم حكاماً في غفلة من أمة أبي القاسم محمد صلى الله عليه وسلم وإمعاناً في تفريقها وتمزيق أواصر وحدتها وأخوتها، وإرجاعها إلى الجاهلية الأولى، كي تظل أمة ضعيفة مخذولة لا تقوم لها قائمة بين الأمم، وخشية أن ترجع أمة كبرى ودولة كبرى تشير إلى الغرب فيومئ وترنو إلى الشرق فيطأطي وتنتزع زمام القيادة من أميركا وغيرها في الموقف ا لدولي لإنقاذ العالم من هذا الشقاء.

أيتها الأمة الكريمة… إننا نناشدك الله ورسوله ألا تسمعي إلى هؤلاء الحكام، وألا تلبي لهم نداء أبداً واضربي بكل نداءاتهم عرض الحائط وأعرضي عنهم بإقبالك على عقيدتك الجبارة التي سترتفعين بالتمسك بها إلى أعلى درجات العز والتمكين فضلاً عن نوال رضوان ربك العزيز الحكيم… فهلا استجبت أيتها الأمة الإسلامية الكريمة إلى دعوة الله ورسوله، وهلا عجلت بهذه الاستجابة ليرفع الله تعالى عنك ظلم الظالمين وكيد الكائدين ومكر الماكرين من هؤلاء ا لحكام والعملاء الذين استحوذ عليهم الشيطان ونسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ).

ألا هل بلغنا اللهم  فاشهد.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *