العدد 100 - السنة التاسعة – ربيع الأول 1416هـ – آب 1995م

رسالة الأمة

بقلم م. حمادي

كما أن الله تبارك وتعالى قد أودع في الإنسان الطاقة الحيوية التي تدفعه لإشباع غرائزه وحاجاته العضوية، الأمر الذي يقود الإنسان إلى الإبداع العقلي والحركة الدائمة، وبذل أقصى الجهد الجسدي من أجل تحقيق الإشباع في أحسن صورة وأكملها ، كذلك سن للأمم سنة لكيفية رقيها وتقدمها وهي تتمثل في وجود رسالة لها في الحياة الدنيا تحيا بها ولها فتفجر طاقاتها وتوقظ عبقريتها وتكون مصدر رقيها ونهضتها، إذن فلا بد من وجود رسالة للأمة تحيى من أجلها وتموت مستشهدة دفاعا عنها، فما من أمة انتفضت ووثبت إلا برسالة اتخذتها لها.

ومع اختلاف الرسالة عند الأمم عنها عند البعض الآخر من حيث مصدرها أي الوحي الإلهي أم العقل البشري مما يترتب عليه صحتها وفسادها، ومن حيث خلودها وزوالها، ومن حيث صلاحيتها للعالم كله وللأمم جميعها أو عدم صلاحيتها إلا لأهلها، وفي وقت مخصوص وحال معينة، إلا أنه مع ذلك فإن كل رسالة أثرت في الأمم التي كانت تحملها بمقدار ما فيها من صلاح وخلود.

ومن المعلوم أن الرسالة هي الدين، أو وفقا للمصطلحات الحديثة هي المبدأ، وهذه الرسالة لا بد أن تكون فكرا أساسيا يحدد وجهة نظر الإنسان فيما هو قبل الحياة، وفيما هو بعد الحياة، وفي هذه الحياة نفسها وفي مشاكلها المتجددة المنظور، وفي علاقة الحياة بما قبلها وفيما بعدها من حيث الاتصال والانفصال، وفيما بني على هذا الفكر الأساسي من نظم الحياة، ومن توضيح وجهة النظر في الحياة بحيث يضمن السعادة للفرد والمجتمع في حال لا تتناقض مع ضمانها لفرد آخر أو مجتمع آخر أو لمجتمعات أخرى بل يعمل على ضمانها لهؤلاء جميعا حين تبنيه والعمل بمقتضاه.

وإذا نظرنا للعالم اليوم نجد أن الرسائل التي حملتها الأمم فيه قد ماتت واندثرت، أو أن أهلها تخلوا عن حملها ولم يظل في معترك الحياة الدولية سوى رسالة الغرب أي المبدأ الرأسمالي الذي ينادي بالديمقراطية والحريات العامة والاقتصاد الحر، ولكنها أي الدول الغربية تفهم تطبيقه وتمارسه في بلادها على غير ما تمارسه وتطبقه على غيرها، فالغرب اتخذ المبدأ الرأسمالي رسالة استعمارية يسعى لاستغلال الأمم ومص دماء الشعوب في سبيل رفاهية أمته، وهو يعتبر العالم مزرعة له. وهذه الرسالة أصبحت بالية، قد ظهر فسادها ومرت بأدوار تكشف أنها في طريق الزوال، وما بقاؤها الا ببقاء دول الغرب متمتعة بالقوة العسكرية والهيمنة السياسية والاقتصادية على شعوب الأرض. وليس أدل على فساد النظام الرأسمالي من واقع مجتمعنا حيث يعيش المجتمع في بلاد المسلمين الآن وفقا لرسالة الغرب أي وفقا للنظام الرأسسمالي من الناحية الاقتصادية ونظام الحكم والناحية الثقافية والإعلامية ومع ذلك فهو يعيش في واقع سيء، مستعبدا للغرب ، في حال من التمزق والضياع لا مثيل لها، مسلوب الإرادة منتهك الحرمات عاجزا على كل المستويات.

والأمة الإسلامية اليوم آن لها أن تعود لرسالتها المتميزة عن الغرب ومذهبه، والتي ثبت عمليا لأبنائها الذين خدعهم الغرب ببريق مدنيته أن رسالة غيرنا ومبدأ سوانا غير صالح لنا، وأدركوا أن رسالتهم المتميزة هي الرسالة الإسلامية بمفهومها الصحيح، وهو المفهوم المبدئي العام، وهي رسالة لها فلسفة – فكرا أساسيا- تحدد وجهة النظر فيما قبل الحياة وفيما بعد الحياة وفي الحياة نفسها وتجعل هذه الفلسفة عقيدة يتوقف عليها اعتبار معتنقها أنه مؤمن بها أو كافر بها، وعلى هذه الفلسفة تبنى نظم الحياة جميعها وحسبها يكون الدستور، وهي ليست فلسفة معنوية بحتة تقوم على الاستسلام الروحي فقط ولا فلسفة مادية أو اقتصادية تقوم على أساس المادة أو الأقتصاد فحسب، فالإنسان في نظرها ليس ملاكا فيه الفضائل فقط أو السمو فحسب، ولا جمادا كالسن في الدولاب أو كالآلة تؤدي وظيفتها تأدية آلية، بل هو إنسان فيه الروح والعقل والشعور والعاطفة، وفيه في نفس الوقت الجسد، وفيه الحاجات العضوية والغرائز، ووفق تصورها للإنسان على حقيقته قامت فلسفتها على مزج المادة مع الروح مزجا تاما غير قابل للانفصال بحيث يؤدي انفصالها إلى تناقض كل واحد منها مع فلسفة الإسلام الأصيلة. ولذلك لا تسمى الناحية الروحية فقط إسلاما ولا الناحية المادية فقط إسلاما، بل لا يسمى إسلاما إلا إذا كان اندماج الناحيتين تاما يظهرهما وحدة واحدة لا تتميز فيها ناحية عن الأخرى. إذن فالرسالة الإسلامية التي قامت وتقوم عليها حضارتها لا تتفق وفلسفة غيرها من حيث اعتبار المادة وحدها المثل الأعلى أو اعتبار الروح وحدها المثل الأعلى بل لا بد من مزج المادة بالروح.

ولذلك كانت فلسفة رسالة الإسلام متميزة تماما عن فلسفة الرسالة النصرانية من حيث كونها روحية فقط وغير فلسفة الرسالة الشيوعية أو الرأسمالية ، فهما ماديتان.

والرسالة الإسلامية تتميز بقدرتها على التوسع والتأثير والإنتشار فالتوسع من حيث انها تعالج كل مشكلة باستنباط حكمها من القرآن والسنة في أي عصر من العصور والتأثير يأتي من حيث أن الإسلام يخاطب العقل ويوافق الفطرة والإنتشار آت من معالجتها لمشاكل الانسان من حيث هو انسان لا مشكلة بيئة معينة بحيث لا يكون تعاقب الزمن سببا في إزالة معالمها وتناقض نواحيها وذهاب معانيها وبحيث لا تجمد أمام تطور الحوادث وتعاقب الأزمان واختلاف البيئات.

وفي ذات الوقت تتمتع الرسالة الإسلامية بالثبات والشمول وتعطي القواعد الكلية العامة الصالحة للتطبيق مهما اختلفت الازمان وتعددت الحوادث واختلفت الطبائع وتباينت الاوضاع بحيث تكون هذه القواعد مواد دستورية قابلة لسن القوانين الملائمة لكل حال من الحالات التي تطرأ على البشر، فهي تعطي تفصيلات ايضا ، ولكن حين اعطاء هذه التفصيلات إنما تعطيها في أمور عامة مما لا يتغير بتغير الزمان والمكان والناس، حتى لا تترك مجالا في هذه الجزئيات للاجتهاد الخاطيء الذي قد يؤدي الى التغير لا التوسع وهي مع ذلك تقصد باعطاء هذه التفصيلات إعطاء النموذج للمبدأ الذي يسير عليه الناس حين تطبيق القواعد الكلية على تفصيلات الحوادث، ولبيان الكيفية التي ينبغي أن يسير عليها المجتهدون حين سن القوانين وتشريع النظم، من نصوص هذه الرسالة.

والعقيدة الإسلامية التي هي اساس الرسالة تحدث في النفس الإنسانية تأثيرا بالغ الأهمية، فيقلبها رأسا على عقبن ويرفعها من الحضيض الى أعلى الدرجات، ويوسع أمامها الآفاق، بشكل يجعلها تشرف على الكون وتجتلي أدق التفاصيل في الحياة، وغايتها، وقيمتها، فقد أنشأت العرب نشأة جديدة، وبثت فيهم روحا أحالتهم خلقا جديدا، ومنحتهم قوة روحية هائلة فاندفعوا في الأرض يحملون رسالة الإسلام، ينشرون بها الهدي بين البشر حتى دانت لهم الأرض وعم الإسلام مشارقها ومغاربها.

وحمل الرسالة الإسلامية ليس فرضا أوجبه الله تبارك وتعالى على هذه الأمة فحسب بل هو مهمتها الأولى في هذه الحياة وسر وجودها ، قال تعالى ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ) وقال عز وجل ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله )، نعم وجدت هذه الأمة للناس لتأمرهم بالمعروف وتنهاهم عن المنكر وترشدهم لطريق الإيمان بالله فتكون بذلك شهيدة عليهم يوم الحساب، هذه هي الرسالة والمهمة التي أوكلها الله لهذه الأمة الوسط التي تكون حال تلبسها بأداء هذا الواجب خير أمة وأعدلها.

واليوم لامناص للأمة الإسلامية من السير في الطريق الصادق الواضح المؤدي الى نهضتها وتحريرها من سيطرة الكفر وهيمنة الكافرين ألا وهو طريق حمل الرسالة الإسلامية إلى البشرية جمعاء لإخراج العباد من عبادة العباد ومن جور الرأسمالية إلى عدل الإسلام أي إلى الحضارة الإنسانية الوحيدة الصحيحة.

وقد يسأل البعض هل لهذه الأمة الآن القدرة على القيام بهذه المهمة الشاقة وحمل تلك الأمانة العظيمة؟

والإجابة على هذا السؤال قطعا بنعم فهذه الأمة :

أولا: سبق لها وأن حملت هذه الرسالة بل هي نشأت ووحدت بوجودها حين بعث الله تبارك وتعالى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، برسالة الإسلام في القرن السادس الميلادي في أم القرى ومن حولها، فاندفعوا في الوجود بهذه الرسالة فأوجدوا نهضة منقطعة النظير لم تبلغها أي نهضة عالمية من حيث السمو الإنساني بل من حيث تطبيق هذا السمو في الوجود على أنفسهم وعلى غيرهم ممن لم يعتنقوا هذه الرسالة حين استظلوا بظلها.

فإذا كان المسلمون في السابق قد استطاعوا أن يحملوا رسالة ولم تكن لهم من قبل رسالة، فإنهم ولا ريب قادرون أن يحملوا الرسالة وأن ينهضوا بها اليوم كما نهضوا على أساسها بالأمس خاصة وقد ورثوا من هذه الرسالة ثروة ثقافية وتشريعية لا نظير لها.

ثانيا: إن طبيعة القرآن في التفكير قد اورثت أفراد الأمة الإسلامية القدرة على التفكير العميق المستنير وجعلت الإبداع والأبتكار سجية من سجايا هذه الأمة وتميز أفراد هذه الأمة حتى في عصور انحطاطها وزوال دولة الإسلام بالذكاء اللامع والعبقرية والصفاء وحب الحق والغيرة عليه، هذا مع سلامة الفطرة ورقي العقلية التي توحدها مفاهيم الإسلام حين يقع إدراكها والتقيد بها.

ثالثا: المكانة الممتازة التي تتمتع بها بلادنا من حيث الموقع الجغرافي والثروات الطبيعية والإنتاج الزراعي والمعدني، ووفرة الأموال الطائلة لدى أبنائها التي تقدر بمئات المليارات من الدولارات، ومن حيث وجود هذه البلاد شبه مجتمعة في بقعة واحدة تعتبر من أحسن البقاع في القارات الثلاث.

رابعا: لا توجد دولة في العالم لا يتمتع فيها أبناء المسلمين بمكانة مرموقة في مختلف مجالات العلوم والصناعات، والغرب نفسه يزخر بالآلاف من أبناء المسلمين في جميع مجالات الصناعة والزراعة ومراكز الأبحاث والمختبرات والجامعات، وبالمئات من رجال الأعمال من الطراز الأول وكل من عاش في جامعات الغرب يدرك مدى التفوق الذي يحققه أبناء المسلمين ويلمس تفوقهم على أقرانهم رغم حاجز اللغة ومشاكل الحياة التي يرزخ تحت نيرها المسلمون.

إذا علمنا فوق ذلك أن هذه هي رسالة الله وكلمته التي أتمها صدقا وعدلا، وهي التي ألزم بها البشرية وأخبر صدقا وحقا بأنه مظهرها على الدين كله ولو كره الكافرون، وأنها الكلمة الباقية والرسالة الخالدة فهل يبقى من بعد ذلك شك في قدرة الأمة الإسلامية على حمل هذه الرسالة، قال الله تبارك وتعالى ( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) وقال عز وجل ( إنا للنصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد) فلا بد أن تكون هذه الحقائق حافزا ودافعا لنا للإقبال على حمل رسالة الهدى للبشرية جمعاء.

(وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ).

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *