العدد 102 - السنة التاسعة – جمادى الأولى 1416هـ – تشرين الأول 1995م

تعقيب على مقال “معضلة التعليم”

يقلم: السيد الفاعور

ورد إلى الوعي هذا المقال، والوعي إذ تشارك الكاتب الرأي تنشره لعل الله يجعل فيه نوراً لكل من يبحث عن الحق ويعمل له.

كتب السيد عرفان نظام الدين مقالاً بعنوان “معضلة التعليم” في العدد 11913 الصادر يوم الأربعاء الموافق العاشر من جمادى الأولى 1416هـ الرابع من تشرين الأول (أكتوبر) 1995م في صحيفة الحياة، ورد فيه:

“إنها معضلة التعليم في بلادنا التي لا تنتهي ولا تبدو في الأفق بارقة أمل بحلول جذرية، فقد أخذنا من الغرب أنظمة معلبة ولكننا لم نأخذ الجوهر ولم نتابع آخر التطورات ولم نواكب روح العصر والأساليب العلمية للتعليم المجدي والفاعل، والشكوى ليست من عدم وجود أنظمة تعليمية ولكن من الاستراتيجية والأساليب والتقصير”.

ويستعرض بعد ذلك ما ورد في ورقة عمل للدكتور عبد العزيز التويجري المدير العام لما يسمى بالمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة.

ويختتم المقال بقوله” والقضية مفتوحة، وستظل كذلك للحوار البناء، وهي مسؤولية رجال السياسة والفكر والإعلام، ورجال التربية والتعليم، وحتى الطلاب وأولياء أمورهم”.

والمقام لا يتسع هنا لمناقشة كل ما ورد في مقال الأستاذ عرفان ولا لطروحات الدكتور التويجري، وإنما نقلي الضوء على النتيجة الأساسية التي توصل إليها وهي قوله “والشكوى ليست من عدم وجود أنظمة تعليمية ولكن من الاستراتيجية والأساليب والتقصير” ثم نقدم مساهمة في الحوار الذي دعى إليه في صورة مقتضبة للغاية على أمل أن تتاح الفرصة لمزيد من التفصيل في مرة قادمة.

حقيقة المشكلة

الواقع الذي يلمسه كل مفكر نزيه هو أن الأمة الإسلامية لا تنقصها القدرة على وضع البرامج أو الاستراتيجية أو حتى الأساليب المبدعة، ولا هي عاجزة عن استيعاب الوسائل التقنية الحديثة، ولا عن الإبداع في تطويرها، ويشهد لذلك سيل العلماء المسلمين في بلاد الغرب وعلى وجه الخصوص أميركا وبريطانيا وفرنسا، ومئات الآلاف من الأكفاء المبدعين في القاهرة والمدينة ومكة ودمشق وعمان والجزائر واستنبول وطهران ولاهور وجاكرتا والكويت وبغداد والدار البيضاء وغيرها من بلاد المسلمين. فلسنا في حاجة لخبراء من الغرب أو الشرق، وعقولنا ليست بقاصرة ولا هي بالخاملة العقيمة عن الإبداع والإنتاج الفكري الرائع فنحن ابتداء خير أمة أخرجت للناس وملاّك أعظم وأرقى حضارة مرت على التاريخ البشري.

إنما القضية الحقيقية والمشكلة العضال هي ارتهان القرار السياسي لأمتنا بأيدي أعدائها عن طريق الخونة من الحكام والسياسيين وبعض العجزة الذين راق لهم الاقتيات على فضلات موائد الفكر الغربي السقيم، وذلك أنه منذ أرسى رسول الله صلى الله عليه وسلم دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إلى أن تم هدم الخلافة من قبل الكفار بوساطة عميلهم مصطفى كمال أتاتورك في مطلع هذا القرن وسياسة التعليم قائمة على العقيدة الإسلامية باعتبار اعتناقها والتصديق الجازم بها وباعتبار أنها أصل وأساس تنبثق عنها الأحكام الشرعية وتبنى عليها المعارض الثقافية والفكرية والعملية، وباعتبار أنها تقود الأمة والدولة إلى التقيد بالأحكام المنبثقة عنها، وإلى العيش على أساسها ومن أجلها، وكذلك تهدف هذه السياسة إلى بناء الشخصية الإسلامية وصيانة المجتمع الإسلامي من الأفكار الفاسدة، وتكوين العقلية القادرة على حل المشكلات.

ولقد ظلت دولة الخلافة مدة عشرة قرون محط أنظار العلماء ومصدر الإشعاع الثقافي والفكري والعلمي ومنذ أن غابت شمس الخلافة وسياسة التعليم في العالم الإسلامي قائمة على أساس الثقافة الغربية، وقتل روح الإبداع الفكري والعلمي في الأمة، لتبقى الأمة تابعة للغرب ومتخلفة في جميع شؤون الحياة، ولا أدل على ذلك مما جرى ويجري من تعديل لمناهج التعليم في العالم الإسلامي بإشراف وتخطيط من الغرب الكافر ومؤسساته وبتنفيذ من عملائه الخونة كالحكام والعملاء في العلم والثقافة والفكر (آخر مثال لذلك هو استجلاب مصر لسبعة عشر خبيراً أميركياً لإصلاح مناهج التعليم في الوقت الذي يرجع الدارسون تدهور الإبداع في الصناعات المدنية الأميركية وانخفاض مستوى الخدمات والإدارة عن المستوى الأوروبي والياباني بصفة أساسية إلى فساد نظام التعليم الأميركي وعدم فعاليته) وكذلك ما هو مشاهد محسوس من تخلف الأمة وكثرة المتعلمين، وأيضاً ما يدرس من مواد تعليمية تحتوي على مبادئ وأفكار فاسدة، وتعطي طرائق تتناقض مع الإسلام وبخطط وإجراءات ووسائل عقيمة، وبإدراك صف دون أن يحس واقعها المحسوس، أي أن الوقائع الثقافية والفكرية والعلمية تعطى كمعلومات مجردة ولا تعطى كوقائع محسوسة تدرك حساً أو تحس إحساساً فكرياً، مما يؤدي إلى حصر الذهب في هذه المعلومات وعدم التمكن من تقويمها أو تنميتها أو إنشاء معلومات جديدة أو الانتفاع منها وتسخيرها لخدمة الإنسان مما يؤدي إلى قتل روح الإبداع فيه، هذا هو واقع سياسة التعليم في العالم الإسلامي منذ أن هدمت الخلافة إلى يومنا هذا.

فالقضية إذن ليست في الاستراتيجية ولا في الوسائل ولا كما يقول الدكتور التويجري في العجز عن إيجاد التناسق بين الأصالة والمعاصرة، وإنما القضية كما ذكرنا هو أن يكون قرارنا السياسي ذاتياً مستقلاً نابعاً عن عقيدة هذه الأمة ومتقيداً بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

الحل الشافي لمعضلة التعليم

إن شمس الخلافة المنتظر بزوغ إشراقها على العالم بإذن الله ستقلب سياسة التعليم الاستعمارية هذه رأساً على عقب. ومشاركة منا في الحوار البناء الذي دعوتم إليه نعرض الخطوط الرئيسة لسياسة التعليم العامة في دولة الخلافة كما يلي:

1- يجب أن كون الأساس الذي عليه منهج التعليم هو العقيدة الإسلامية، فتوضع مواد الدراسة وطرق التدريس جميعها على الوجه الذي لا يحدث أي خروج في التعليم عن هذا الأساس.

2- سياسية التعليم هي تكوين العقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، فتوضع جميع مواد الدراسة التي يراد تدريسها على أساس هذه السياسة، فيزود المسلم بالمعارف الإسلامية بحسب الطريقة الإسلامية في التعليم، وهي أن تعطى هذه الثقافة بطريقة مؤثرة مثيرة عملية وبإدراك حسي أو بإحساس فكري ما أمكن أي يجب أن يدرك واقعها ويحس به سواء قبل الإدراك أم بعده، ويصدق بها وتؤثر في عقله ومشاعره بشكل دائم عن طريق الترديد والتطبيق، فتجعل من كيانه كياناً آخر متميزاً في رؤيته للوقائع وميله إليه. ويدأب على ربط مشاعره الإسلامية السامية والمتميزة عن المشاعر الغريزية المنحطة بالأفكار أو المفاهيم الإسلامية الراقية ربطاً محكماً حتى يكون سلوكه وغاياته بحسب هذه القناعات الراسخة المتأصلة في كيانه الفكري والشعوري الإسلامي، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون عقله الذي يعقل به«، وقال: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به». فالغاية من التعليم في الإسلام هي أن يكفر ويشعر المسلم بالأشياء والأفعال حسب الرؤية والنظرة والذوق والميل الإسلامي، وأن يكون أساس هذه الغاية الإيمان أي العقيدة الإسلامية بوصفها الأساس والقاعدة الفكرية والقيادة الفكرية لكل أمر، وعلى هذا يجب أن تتأصل في أعماق أعماق نفسه وعقله بصورة مبلورة نقية صافية بسيطة، فيه التي أنشأت العرب نشأة جديدة وبثت فيهم روحاً أحالتهم خلقاًَ جديداً وقوة هائلة لا قدرة لأحد على تقدير مداها، لذلك فلا عجب من قيام الرسول صلى الله عليه وسلم بتركيزها وترديدها وتعميقها وتعليمها للصحابة ثلاثة عشر عاماً في مكة، ثم الربط بينها وبين الأحكام الشرعية عشر سنين في المدينة.

وعلى هذا يجب تحقيق هذه الغاية الشرعية بالطريقة الشرعية وعلى أساس العقيدة بجميع أوصافها أو اعتبارها عند جميع المسلمين فتجعل المواد الدراسية والخطط والإجراءات والوسائل التعليمية على الوجه الذي يحقق هذه الغاية، ويمنع كل ما من شأنه أن لا يؤدي إلى هذه الغاية.

3- الغاية من التعليم هي إيجاد الشخصية الإسلامية وتزويد الناس بالعلوم والمعارف المتعلقة بشؤون الحياة، فتجعل طرق التعليم على الوجه الذي يحقق هذه الغاية وتمنع كل طريقة تؤدي لغير هذه الغاية.

4- يجب أن تجعل حصص العلوم الإسلامية والعربية أسبوعياً، بمقدار حصص باقي العلوم من حيث العدد ومن حيث الوقت.

5- يجب أن يفرق في التعليم بين العلوم التجريبية وما هو ملحق بها كالرياضيات، وبين المعارف الثقافية. فتدرس العلوم التجريبية وما يلحق بها حسب الحاجة، ولا تقيد في أييّ مرحلة من مراحل التعليم. أما المعارف الثقافية فإنها تؤخذ في المراحل الأولى قبل لعالية وفق سياسية معينة لا تتناقض مع أفكار الإسلام وأحكامه. وأما المرحلة العالية فتؤخذ كالعلم على شرط أن لا تؤدي إلى أي خروج عن سياسة التعليم وغايته.

6- يجب تعليم الثقافة الإسلامية في جميع مراحل التعليم، وأن يخصص في المرحلة العالية فروع لمختلف المعارف الإسلامية كما يخصص فيها للطب والهندسة والطبيعيات وما شاكلها.

7- الفنون والصناعات قد تلحق بالعلم من ناحية كالفنون التجارية والملاحة والزراعة وتؤخذ دون قيد أو شرط، وقد تلحق بالثقافة عندما تتأثر بوجهة نظر خاصة كالتصوير والنحت فلا تؤخذ إذا ناقضت وجهة نظر الإسلام.

8- يكون منهاج التعليم واحداً، ولا يسمح بمنهاج غير منهاج الدولة، ولا تمنع المدارس الأهلية ما دامت مقيدة بمنهاج الدولة، قائمة على أساس خطة التعليم، متحققة فيها سياسة التعليم وغايته، على ألا يكون التعليم فيها مختلطاً بين الذكور والإناث لا في التلاميذ وفي المعلمين، وعلى ألا تختص بطائفة أو دين أو مذهب أو عنصر أو لون.

9- تعليم ما يلزم للإنسان في معترك الحياة فرض على كل فرد ذكراً كان أو أنثى. فيكون التعليم إلزامياً على الجميع في المرحلتين الأولى والثانية وعلى الدولة أن توفر ذلك للجميع مجاناً، ويفسح مجال التعليم العالي مجاناً للجميع بأقصى ما تيسر من إمكانيات.

10- تهيئ الدولة المكتبات والمختبرات وسائر وسائل المعرفة في غير المدارس والجامعات لتمكين الذين يرغبون مواصلة الأبحاث في شتى المعارف من فقه وأصول فقه وحديث وتفسير، ومن فكر وطب وهندسة كيمياء، ومن اختراعات واكتشافات وغير ذلك، حتى يوجد في الأمة حشد من المجتهدين والمبدعين والمخترعين.

هذا ونسأل الله تبارك وتعالى أن يعجل بقدوم ذلك اليوم الذي توضع فيه هذه السياسة موضع التطبيق والتنفيذ .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *