العدد 102 - السنة التاسعة – جمادى الأولى 1416هـ – تشرين الأول 1995م

افتتاحية العدد: كيف يكون السلام ومتى؟

بعد حفل التوقيع في واشنطن على اتفاقية توسيع الحكم الذاتي الفلسطيني يوم الخميس الموافق الثامن والعشرين من أيلول/ سبتمبر 1995 بين زعيم منظمة التحرير الفلسطينية الخائن ياسر عرفات، ورئيس وزراء الكيان اليهودي المسخ إسحق رابين، وبمباركة الرئيس الأميركي كلنتون، حيث هرول سمسار أميركا الرخيص حسني مبارك وصنيعة الإنجليز العريق حسين بن طلال يحضران العملية الأخيرة لتكفين فلسطين ثم دفنها إلى الأبد. أصدر هؤلاء جميعاً بياناً دعوا فيه كلاً من سورية ولبنان إلى الانضمام إلى سلام شامل في الشرق الأوسط… وقالوا إن التوصل في وقت قريب لمعاهدتي سلام بين إسرائيل وكل من سورية ولبنان سيكون خطوات أساسية نحو تحقيق هدفهم المشترك، وهو إحلال سلام عادل شامل دائم في المنطقة.

إن الناظر في القضية الفلسطينية يجد أنها قضية عالمية واقعة بين أهل المنطقة جميعاً وبين الغرب الكافرة بأسره ولا سيما الدول الكبرى التي أوجدت في المنطقة كياناً أطلقت عليه دولة إسرائيل، بفضل التآمر الخبيث الذي قامت به الدول العربية صنيعة هذه الدول الكبرى، وعلى رأسها بريطانيا ومن ثم الولايات المتحدة الأميركية وروسيا وفرنسا، فبعد أن ولدت بريطانيا مولودها المسخ إسرائيل مباشرة عقب الحرب العالمية الثانية بحكم انتدابها على فلسطين منذ عام 1917 حتى عام 1948 حين راحت تهيئ الظروف والأحوال لولادة هذا المسخ ليكون رأس جسر عسكري لها وللغرب من ورائها لطعن المسلمين وحماية المصالح الغربية في المنطقة نتيجة لغياب الراعي وهو دولة الإسلام، ونتيجة للتعاون الوثيق مع الدويلات الغربية المسخ تحت شعار تحرير فلسطين من العصابات الصهيونية وتسلميها لأهلها زنبقة ندية بعد أن طردتهم هذه العصابات من مدنهم وقراهم في فلسطين وشردتهم تحت كل كوكب في سماء البلاد العربية. نقول بعد أن ولدت بريطانيا مسخها هذا قامت الولايات المتحدة الأميركية وتبنّت هذا المسخ واحتضنته وأخذت تغذيه بالدعم السياسي والمالي والعسكري ليكون رأس جسر عسكري لها وحدها في المنطقة بعد أن تسنّمت مركز الدولة الأولى في الموقف الدولي عقب الحرب العالمية الثانية وراحت تفكر في السيطرة على العالم ولا سيما العالم الإسلامي بطرد الدول الاستعمارية القديمة منه بريطانيا وفرنسا وإحلال نفوذها وسيطرتها عليه كوارث طبيعي لهذه الدول الاستعمارية القديمة فأخذت تعمل على تصفية نفوذها بما اصطنعته من انقلابات عسكرية في مصر وسوريا والعراق وبما قامت به من محاولات في الأردن وغيره من مناطق النفوذ البريطاني.

كما راحت في الوقت نفسه تجتذب إليها من رجالات الجهاز السياسي في الكيان اليهودي، وهو جهاز إنجليزي بحت، شخصيات من أمثال رابين يكونون أداة طيعة في يدها ويأتمرون بأمرها…

وأخذت تعمل كذلك على تصفية القضية الفلسطينية بإلهاء أهل المنطقة بالكفاح الرخيص ولا سيما أهل فلسطين الذين اعتادوا على اللهاث وراء الزعامات الخائنة منذ أن دخل الجنرال “أللنبي” القدس عام 1917 وحتى هذه الساعة فكانوا وما زالوا الفراش الذي يحترق بالنار وهو يظن أنها نور، فعملت على تحجيم القضية وتمزيقها من كونها قضية عالمية بين الأمة الإسلامية والغرب الكافر إلى قضية قومية بين العرب واليهود، وأمعنت بعد ذلك في تحجيم القضية حتى جعلتها قضية لاجئين أو قضية محلية بين الفلسطينيين واليهود حين أوحت إلى عملائها في البلاد العربية بالتخلي عن القضية ونفض اليد منها وإلقائها على عاتق المشردين من أهل فلسطين في مؤتمر الرباط عام 1974 حين قرر أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي الوحيد لأهل فلسطين. ومنظمة التحرير هذه ولدت إنجليزية بإيحاء من العميل البريطاني بورقيبة حين قام عام 1964 بزيارته التاريخية للمنطقة حيث عرج على الكويت والأردن ولبنان وعمل على إعادة إحياء الدور البريطاني في القضية بالرجوع إلى الحل الذي وضعته لندن في الكتاب الأبيض عام 1939، والذي يقضي بإيجاد الدولة الديمقراطية الفلسطينية التي تجمع اليهود والنصارى والمسلمين… وتلقفت منظمة فتح التي يتزعمها عرفات هذا الحل وجعلته شعارها…

إذ عندما أيقن الغرب أن المنطقة لن تهضم الكيان اليهودي عمد إلى حيلة خلط عرب بيهود وقامت المنظمات الفدائية جميعها تعمل على هذا الأساس، ثم انضوت جميعها تحت لواء ما سمي بمنظمة التحرير الفلسطينية التي احتضنتها أميركا وراحت تسيرها في الخط العسكري بعد تسليم الضفة الغربية وقطاع غزة وسقوطهما بأيدي اليهود نهاك القوى وإفراغ مخزون الجهد والحماسة لدى المخلصين السذج من أبناء فلسطين وهم المقاتلون، متخذة في ذلك سياسة الجزرة والعصا، حتى أذعن هؤلاء المخلصون الغافلون وراحوا ينفضون اليد من القضية ويسلمون كما يقولون بالأمر الواقع، فانتقلوا من الخط العسكري إلى الخط السياسي أو على الأصح من الخنادق إلى الفنادق ومن معارك القتال إلى موائد الطعام والحفلات والمهرجانات، فكان ما كان من لقاءات أوسلو الذي أعقب اللقاء العلني المفتوح في مدريد بين العرب واليهود.

وسبق كل هذه اللقاءات الخائنة كبرى ارتكبها حاكم مصر العميل الأميركي أنور السادات الذي وقع الصلح مع اليهود فيما سمي بمعاهدة كامب ديفيد لعزل مصر بيضة القَبّان عن القضية لا بل وعن المنطقة لأنها هي وحدها العامل الوحيد المؤثر في سياستها لما عرف به أهلها من إخلاص لله ولرسوله وللمسلمين عبر تاريخ المنطقة منذ الحروب الصليبية حتى اليوم فنال جزاءه في هذه الدنيا بيد أبناءها الأخيار فضلاً عن خزي الآخرة وعذابها.

إن قضية فلسطين كما أسلفنا قضية عالمية وهي من القضايا المصيرية للأمة لا يتخذ فيها إلا إجراء واحد هو إجراء الحياة أو الموت… وهي أكبر من الجميع أكبر من الولايات المتحدة وحسين حسن وحسني وعرفات، ومهما تآمر العملاء ودبروا في عتمة الليل من مؤامرات لوأد هذه الفضية أو تحويرها وتحويلها من قضية سياسية عسكرية إلى قضية لاجئين أو قضية سياسية عسكرية إلى قضية لاجئين أو قضية اقتصادية، ومهما حاول الدول الكبرى وعلى رأسها أميركا إغراء المسلمين في المنطقة بالوعود من إعادة الشرق الأوسط إلى الجنات التي كان ينعم بها في الماضي ]يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا[، نقول إنه مهما حاولت هذه الدول وعملاؤها فإنها لن تستطيع أن تلغي كون هذه القضية قضية سياسية عسكرية عالمية ما دامت هناك امرأة مسلمة واحدة تشهد أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإنها ستنجب من سيقتلع هذه الجرثومة الخبيثة من جسم المنطقة، وليعلم الجميع وليدرك المسلمون قبل الجميع أن التراب لن يكون ذهباً وأن الكلب لن يصبح أسداً وأن إسرائيل هذه ليست إلا قطعة لحم فاسدة من كلب ميت غرسها الغرب الكافر في جسد سوي، فهل غرسها لإحيائه أم لإماتته؟

وليعلم الجميع، وقبلهم ليدرك المسلمون أن الأوضاع القائمة في العالم الإسلامي – أو في المنطقة التي أطلق عليها الغرب منطقة الشرقيين الأدنى والأوسط ليبعد من الأذهان شيئاً فشيئاً لفظ العالم الإسلامي – هي أوضاع مصطنعة وليست أوضاعاً طبيعية اصطنعتها الدول الكبرى بعد الحرب العالمية الأولى وبعد هدم الخلافة الإسلامية فيما سمي باتفاقية سايكس بيكو، نسبة إلى وزيري خارجيتي بريطانيا وفرنسا آنذاك وراحت تحافظ عليها بمختلف الوسائل والأساليب حتى لا تلتحم المنطقة ثانية وترجع دولة كبرى فاستحدثت فيها بموجب هذه التقسيمات الخبيثة دويلات أطلقت عليها ممالك وجمهوريات ما زالت تحافظ على وجودها وبقائها قائمة في المنظفة تحمل اسم الدولة، فالأمر الطبيعي إذن أن التغيير منتظر ومتوقع في كل لحظة لأنها أوضاع غير طبيعية تناقض طبيعة الحياة وتتناقض مع طبيعة الأمم والشعوب.

ولما كان المسلمون هم أهل المنطقة وهم الذين يرتبط حاضرهم بماضيهم، فلا بد أن يكون هذا الارتباط ممتداً إلى مستقبلهم كذلك، فالمستقبل فيها هو للأمة الإسلامية وللأمة الإسلامية فقط، ولا مستقبل فيها لغيرها لأنه غريب عنها، وسيظل غريباً عنها مهما طال عليه الزمن ومهما بلغ من القوة الغطرسة ومهما أمدته دول العالم بأسباب البقاء، فالأمة الإسلامية أمة عريقة في الأمجاد والحضارة والفكر، ومهما طالت غفوتها واستطال سباتها من جراء العوامل الكثيرة التي تراكمت عليها عبر القرون، فإنه ولا ريب كائن حتى ستتمرد على القيود التي كبلتها وستحظمها لتنطلق من عقالها وتعيد الأمور إلى نصابها في المنطقة لا سيما وأنها والحمد لله ما زالت تؤمن بالله ورسوله ولم تنسلخ من إسلامها، وأنها تلك الأمة العسكرية التي تكمن فيها حوافز الغزو والفتح والتوسع تحرس على الموت حرص الأمم الأخرى على الحياة.

فأمة هذه هي صفاتها هي أمة جديرة بالحياة وبالأخذ بنواصي الأمم والشعوب لخيرها في الدنيا فضلاً عن خيرها في الآخرة، بدعوة هذه الأمم والشعوب إلى الإسلام الذي جعلها خير أمة أخرجت للناس ولكنها تسوي نفسها بالناس فالاستعلاء ليس من صفاتها والغطرسة والأنانية ليستا المحرك الذي يدفعها في معترك الحياة شأن الأمم الأخرى. هذه الأمة وهي التي بيدها وحدها إحلال السلام في الشرق الأوسط لا بل في العالم الإسلامي ومن ثم في العالم كله، حين تستيقظ من غفوتها وتهب لتصحيح الأوضاع في منطقتها بإعادة الأمور إلى نصابها بعد الإطاحة بهذه الأوضاع المصطنعة وتطهير بيت المقدس من رجس اليهود وتحرير المسجد الأقصى من سلطان الكفر والاستعمار وإعادته إلى سلطان الإسلام والمسلمين، وعندئذ  يفرح المؤمنون بنصر الله وعندئذ يحل السلام الشامل العادل الدائم، وليس ذلك السلام الذي يتبجح بن كلينتون ويردده من ورائه عبيده من طغمة الحكام والعملاء والمرتزقة المقتاتين على أعتاب الدول الكافرة (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ)، فالسلم هو سلم المسلمين الشجعان وليس سلم الجبناء من العملاء والجواسيس والسماسرة والفساق والمنافقين من أبناء هذه الأمة الذين باعوا دينهم بدنياهم ونسوا الله فأنساهم أنفسهم.

هذا هو السلام الذي يفرضه أصحاب الحق الأقوياء وليس هو ذلك الاستسلام الذي يصنعه الرعاديد الجبناء ويسمونه سلاماً.

إن أهل مصر لم يصالحوا اليهود في فلسطين ولكن الذين صالحهم خائنٌ عميلٌ هو السادات، وإن أهل فلسطين لم يصالحوا اليهود في فلسطين وإنما الذي صالحهم هو الخائن عرفات، وإن أهل الأردن لم يصالحوا اليهود بل الذي صالحهم هو عاهل الأردن الذي باع الله والقدس والشهداء من جنوده وضباطه الميامين، فالصلح هو صلح المسلمين والسلم هو سلم المسلمين.

فلا صلح للأمة مع اليهود في فلسطين حتى يحكم الله بيننا وبينهم ويفتح بالحق وهو خير الفاتحين… فتربصوا إنا معكم متربصون.

رابين يتساءل: ما إذا كان عرفات يهودياً؟

لدى حفل توقيع الاتفاقية الثانية في واشنطن وبحضور عبيد وعملاء الغرب حسين ومبارك وعرفات، قال رئيس وزراء إسرائيل إسحاق رابين مازحاً وموجهاً خطابه إلى الرئيس الأميركي كلينتون بأنه ومنذ أيام لم ينفك عن التفكير والتساؤل عما إذا كان عرفات يهودياً… فضحك الجميع وضحك عرفات وهذه الكلمة من رابين – حتى على فرض أن عرفات ليس كذلك – لا تغير الحقيقة القرآنية التي تجعل من يتولى الكافرين منهم مصداقاً لقوله الله تعالى: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ).

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *