العدد 108 - السنة العاشرة – المحرم 1417هـ – أيار 1996م

من الفكر الإسلامي: بين قاعدة التوكل وبين قاعدة ترك الأسباب

أعلم أنه قد التبس هاتان القاعدتان على كثير من الفقهاء والمحدثين في علم الرقائق فقال قوم لا يصح التوكل إلا مع ترك الأسباب والاعتماد على الله تعالى قاله الغزالي في إحياء علوم الدين وغيره، وقال آخرون لا ملازمة بين التوكل وترك الأسباب وهذا هو الصحيح لأن التوكل هو اعتماد القلب على الله تعالى فيما يجلبه من خير أو يدفعه من ضر قال المحققون والأحسن ملابسة الأسباب مع التوكل المنقول والمعقول فقوله تعالى (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ)  فأمر بالاستعداد مع الأمر بالتوكل في قوله تعالى (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) وقوله تعالى (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا) أي تحرزوا منه فقد أمر باكتساب التحرز من الشيطان كما يتحرز من الكفار وأمر تعالى بملابسة أسباب الاحتياط والحذر من الكفار في غير ما موضع من كتابه العزيز ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم سيد المتوكلين وكان يطوف على القبائل ويقول من يعصمني حتى أبلغ رسالة ربي وكان له جماعة يحرسونه من العدو حتى نزل قوله تعالى ((وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) ودخل مكة مظاهراً بين درعين في كتيبته الخضراء من الحديد وكان في آخر عمره وأكمل أحواله مع ربه تعالى يدخر قوت سنة لعياله، وأما المعقول فهو أن الملك العظيم إذا كانت له جماعة ولهم عوائد في أيام لا يحسن إلا فيها أو أبواب لا تخرج إلا منها أو أمكنة لا يدفع إلا فيها فالأدب معه أن لا يطلب منه فعل إلا حيث عوده، وأن لا يخالف عوائده بل يجري عليها والله تعالى ملك الملوك وأعظم العظماء بل أعظم من ذلك. رتب ملكه على عوائد أرادها وأسباب قدرها وربط بها آثار قدرته ولو شاء لم يربطها، فجعل الري بالشرب والشبع بالأكل والاحتراق بالنار والحياة بالتنفس في الهواء، فمن طلب من الله حصول هذه الآثار بدون أسبابها فقد أساء الأدب مع الله سبحانه وتعالى بل يلتمس فضله في عوائده، وقد انقسمت الخلائق في هذا المقام ثلاثة أقسام قسم عاملوا الله تعالى باعتماد قلوبهم على قدرته تعالى مع إهمال الأسباب والعوائد فلجوا في البحار في زمن الهول وسلكوا القفار العظيمة المهلكة بغير زاد إلى غير ذلك من هذه التصرفات فهؤلاء حصل لهم التوكل وفاتهم الأدب مع الله تعالى وهم جماعة من العباد أحوالهم مسطورة في الكتب في الرقائق, وقسم لاحظوا الأسباب وأعرضوا عن التوكل وهم عامة الخلق وشر الأقسام وربما وصلوا بملاحظة الأسباب والإعراض عن المسبب إلى الكفر, والقسم الثالث اعتمدت قلوبهم على قدرة الله تعالى طلبوا فضله في عوائده ملاحظين في تلك الأسباب مسببها وميسرها فجمعوا بين التوكل والأدب وهؤلاء النبيون والصديقون وخاصة عباد الله تعالى والعارفون بمعاملته، جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه فهؤلاء هم خير الأقسام الثلاثة، والعجب ممن يهمل الأسباب ويفرط في التوكل بحيث يجعله عدم الأسباب أو شرطه عدم الأسباب إذا قيل الأمان سبب لدخول الجنة والكفر سبب لدخول النار بالجعل الشرعي كسائر الأسباب فهل هو تارك هذين السببين أو معتبرهما فإن ترك اعتبارهما خسر الدنيا وإن اعتبرهما فقال لابد من الإيمان وترك الكفر فيقال له ما بال غيرهما من الأسباب إن كان هذان لا ينافيان التوكل فغيرهما كذلك نعم من الأسباب ما هو مطرد في مجرى عوائد الله تعالى كالإيمان والكفر والغذاء والتنفس وغير ذلك، ومنهما ما هو أكثري غير مطرد لكن الله تعالى أجرى فيه عادة من حيث الجملة كالأدوية وأنواع الأسفار للأرباح ونحو ذلك والأدب في الجميع التماس فضل الله تعالى في عوائده لذلك لأسفار للأرباح ونحو ذلك والأدب في الجميع التماس فضل الله تعالى في عوائده ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأمر بالدواء والحمية واستعمال الأدوية حتى الكي بالنار فأمر بِكَيّ سعد وقال عليه الصلاة والسلام (المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء) وصلاح كل جسم ما اعتاد وإذا كان حالة في الأسباب التي ليست مطردة من الحمية وإصلاح البدن بمواظبة عادته فما ظنك بغير ذلك من العوائد فهذا هو الحق الأبلغ والطريق الأنهج.

الإمام القرافي

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *