العدد 110 - السنة العاشرة – ربيع الأول 1417هـ – تموز وآب 1996م

افتتاحية العدد: الجيش التركي مؤسسة عسكريّة غربيّة لحماية نظام الكفر في تركيا

الجيش في الدّولة قوّة عسكريّة لحماية أمنها وحدودها ونظامها ولحمل رسالتها إلى العالم إذا كانت دولة مبدئيّة تحمل رسالة عالميّة. غير أنّ المسلمين في هذا القرن العشرين لم يعرفوا مثل هذا الجيش في أقطارهم بعد هدم الخلافة في استانبول على أيدي العسكريين الأتراك عام 1924 بزعامة الضابط مصطفى كمال الذّي صنعته بريطانيا على عين بصيرة لهذا الغرض بعد أن اصطنعت له انتصارات عسكرية على اليونان في أزمير ليصبح بطلا في أنظار الأتراك المنهزمين في الحرب العالميّة الأولى كي يقودهم فيما بعد بهذا الوهم إلى أعظم انتصار يحققه لأوليائه الإنجليز على المسلمين وهو القضاء على دولة الإسلام وهدم خلافتهم أمام أعينهم وهم ينظرون دون أن يحرّكوا ساكنا أو يرفعوا ضد فعلته النكراء هذه أيّ إشارة إعتراض أو مقاومة.

اجل لم يعرف المسلمون في أقطارهم جيشا مثل هذا الجيش القائم على حمايتهم والذبّ عنهم وحمل رسالتهم إلى العالم في هذا القرن العشرين. وكلّ الذي عرفوه وفتحوا عيونهم عليه مؤسسات عسكريّة أنشأها الغرب الكافر في أقطارهم لحماية نظمه وأحكامه وتشريعاته ومناهج تعليمه ولضربهم إذا تحرّكوا للخلاص من هذه النظم والأحكام والتشريعات الكافرة أو حاولوا الإنفضاض على حكم الكفر للإطاحة به وإقامة دولتهم لتطبيق حكم الله في الأرض وإعادة خلافتهم التيّ هدمها هذا الكافر المستعمر… فالجيوش في العالم الإسلامي تشكل جزءا كبيرا من المخطّط الذّي رسمه هذا الكافر الغربي للحيلولة دون رجوع الخلافة الإسلاميّة ولولدها في المهد إذا قامت… فضلا عن الوسائل الأخرى التي يشملها هذا المخطط الوسائل الأخرى التي يشملها هذا المخطّط الرهيب كعقيدة فصل الدّين عن الحياة وكالأفكار الوطنيّة والقومية وأفكار الإستقلال وغير ذلك من الوسائل حتّى لا تقوم للأمّة الإسلامية قائمة فترجع أمة كبرى ودولة كبرى كما كانت في الماضي عبر القرون…

ومن أخطر هذه الجيوش على المسلمين ذلك الجيش الذي هدّم الخلافة، وهو الجيش التركيّ، الذّي كان لكبار ضبّاطه اتصالاتهم السريّّة بالدول الغربية الكافرة ايّام السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله فهم الذّين نفوا السلطان إلى سلانيك عام 1908 م فيما يسمّى بالإنقلاب الدستوري العثماني، هم الذين رفعوا شعار حملة التتريك أي تتريك الشعوب الإسلامية في دولة الخلافة لإثارة النعرات القوميّة فيما بينها، تمهيدا لهدم الكيان السياسي للمسلمين وهو الخلافة. هؤلاء العسكريّون الأتراك من أمثال مدحت باشا وأنور باشا وجمال باشا كانت تضمهم حركة سياسية سريّة هي حركة الإتحاد والترقي، أو ما يسمّى: حزب تركيا الفتاة. وكانوا على صلة وثيقة بالغرب وبدوائر مخابراته بعد أن زلّت أقدامهم ووقعوا تحت طائلة الإغراءات بالسلطة وتسلّم الحكم فهدموا بأيديهم مجدهم وعزّهم وفخرهم، وأضحوا تبعا للدول الكافرة وأذنابا لها يأتمرون بأوامرها وينفذون مخططاتها ، ينفّذون مآربها على حساب أمّتهم…

هتكوا بأيديهم ملاءة فخرهم             موشيّة بوشائج الفتّاح

فقاموا هم بعد هدم الخلافة بوضع الدستور الذي يحرّم على المسلمين في تركيا العمل السياسي على أساس الإسلام ويستند إلى الأسس العلمانية الغربية في جميع شؤون الحياة سواء في الحكم أو الإقتصاد أو الثقافة أو الإجتماع كعقيدة فصل الدّين عن الحياة أو فصل الدّين عن الدّولة…

وأضحى الجيش التركي المؤسسة العسكريّة الغربيّة التي تقوم على حماية الدستور العلماني والحفاظ على الديمقراطيّة الغربيّة حتّى في أقصى قرية نائية في الأناضول… فإذا قام من قام وحاول التلويح أو التلميح بالإسلام لغايات أو أغراض سياسة قصمه هذا الجيش دونما أيّ رأفة أو رحمة، وما عدنا مندريس منّا ببعيد، مع أنّه رجل علماني من مدرستهم حاول استغلال الإسلام في الإنتخابات فاعتقله الجيش وقتله….

وقد بلغت الوقاحة والتحدّي بهذه المؤسسة العسكرية الغربيّة في تركيا أنّها راحت تحرم على أفراد الجيش من ضباط وجنود إقامة فروضهم الإسلامية كالصرة والصيام والحجّ. وقد سرح الجيش في عهد الجنرال كلعان أفرن أكثر من مائتين من الضبّاط ومرشّحي الضبّاط لأنّهم كانوا يقيمون الصلاة…

وهكذا نرى أنّ الشعب التركي المسلم لم ينسلخ عن إسلامه بحمد الله وظلّ محتفظا بالعقيدة الإسلامية قد وضعه الجيش التركي منذ هدم الخلافة وحتّى أيّامنا هذه تحت أعظم إرهابين ترهب بهما الشعوب وهم الإرهاب الفكري والإرهاب السياسي. وحذت الدول في العالم الإسلامي ولا سيما الدول العربيّة حذو الجيش التركي في وضع شعوبها تحت طائلة هذين الإرهابين الفكري والسياسي عن طريق جيوشها التي لم تخرج أيضا عن كونها مؤسسات عسكرية غربية لحماية نظام الكفر الرأسمالي الديمقراطي الممسوخ فيها والمحافظة على مصالح الدول الغربية في بلاد الإسلام كالجيش الجزائري والجيش التونسي والجيش المصري وكالجيش في باكستان وأندويسيا، كلّها مؤسسات عسكرية غربية قامت بناءا على تنظيمات معيّنة لهذا الغرض وللبطش بالمسلمين إذا ما تحرّكوا لاسترداد سلطانهم الذّي سرقه في غفلة منهم عدوّهم الكافر المستعمر ووضعه في أيدي حفنة من العملاء كزمرة الحكّام والمتنفذين وزبانيتهم من دوائر المخابرات والجواسيس ومن يسموّن بالبرلمانيين ورجال الأمن والقضاء….

فالدولة في تركيا واقعه تحت تسلط هذه المؤسسة العسكرية الغربية التيّ تسمّى الجيش… والمجتمع في تركيا جميعه في قبضة زمرة الجنرالات الأتراك حتّى أنّ ما يسمّى بالديمقراطية وحقوق الإنسان هناك مداسة بأحذية هؤلاء الجنرالات الذين مازالوا يمسكون باللجام ويقبضون على زمام السلطة فيدوسون بنعالهم كلّ رأي وكلّ حقّ مما يسمى بحقوق الإنسان دون أن تتحرّك في سيدهم الغرب جارحة أو يطرف له جفن وكل ذلك على مسمع ومرأى منه. ونستطيع القول هنا أنّ تركيا دولة يحكمها العسكريّون وليس دولة تتحكم هي بالجيش…

كل هذه النتائج الفظيعة التّي يعيشها المسلمون اليوم في أقطارهم ولاسيما في تركيا ليست ناجمة إلاّ عن تدخل العسكريين في سياسة الدولة الخارجيّة… وهذا هو الخطر الماحق للدول وهذا هو الذي يزيلها ويقضي عليها… فاستشارات الحكام للعسكريين والأخذ برأيهم تجعلهم عرضة للإغراءات الخارجية وتوقعهم كما توقع شعوبهم ودولهم في المحظور وهو ما حصل في أخريات سني الخلافة العثمانية حتّى راح هؤلاء العسكريون يطمعون في ان يكونوا هم الحكّام لا بل انصاعوا لأوامر الدول الكبرى وراحوا ينفذون مخططاتها للقضاء على دولتهم ليكونوا بعد ذلك أدوات طيّعة في أيدي هذه الدول وعملاء لها يعملون ضدّ مصالح أممهم وشعوبهم بعد أن نصّبتهم هذه الدول الكبرى حكّاما عملاء لها في بلدانهم… فكانوا بذلك لعنة على الشعوب والأمم بدل أن يكونوا حماتها الساهرين على مصالحها ومستقبلها.

وعليه فإنّ أولئك المسلمين الذّين يقولون إنّهم سيطبقون الإسلام في تركيا إذا ما وصلوا إلى الحكم كوزراء أو كرؤساء وزارات واهمون كلّ الوهم…

فجميع السياسيّين المدنيين في تركيا وفي غير تركيا يدركون تماما وحتّى رؤساء الدول منهم أن الكلمة الأخيرة في القضايا الهامة ليست لهم وإنّما هي لرؤساء الأركان والجنرالات. فإذا كانت لدى مجلس الأمن القومي في تركيا وهو أعلى هيئة سياسية عسكرية رغبة معيّنة كتمديد حالة الطوارئ مثلا في مناطق الأكراد فإنّ هذه الرغبة تكون بمثابة الأمر للحكومة لا أكثر ولا أقل.

فالجيش التركي تدخل خلال عشرين سنة ثلاث مرّات وتسلم مقاليد الأمور مباشرة في تركيا لمجرد إحساسه بأن هناك خطرا على الديمقراطيّة والنظام العلماني فيها ولمجرّد شكه في السياسيين المدنيين. صحيح أنّ جنرالات الجيش التركي قد لطوا شرفهم العسكري حين أعدموا رئيس الوزراء التركي عدنان مندريس الذّي كان يتمتع بشعبيّة واسعة نظرا إلى برنامجه الإنتخابي القريب من الإسلام إلاّ أنهم قاموا بعد ذلك بفتح الباب لحريّة الرأي والصحافة إلى أمد ما ثم عادوا فأغلقوه حين ساورهم الشكّ في السياسيين المدنيين ولم يأمنوا جانبهم.

وتحت ستار القضاء على الإضطرابات في تركيا للحيلولة دون نشوء حرب أهليّة فيها حين قامت  الاصطدامات الدموية بين من يسمون بمتطرفي اليمين واليسار تدخل الجنرالات الأتراك عام 1980 م وتسلموا زمام الأمور، كلّ ذلك تخوّفا من تحرك المسلمين في تركيا على أساس الإسلام…

حتّى أنّ عصمت اينونو أفصح عن ضغينة نفسه في مقابلة مع صحيفة سويسرية حين سألته عن خطر الإشتراكيين على الديمقراطية في تركيا فقال: إن الخطر إنما هو آت من حنين الفلاّحين الأتراك إلى أمجاد الخلافة الإسلامية….

وقد أعربت صحيفة ألمانية ذات يوم في مقال لها تحت عنوان “الإسلام هو حديث الساعة في تركيا ” .. ” إن  عودة الخلافة إلى استانبول لن  تكون  إلا بحمّامات من الدماء”.

فإذا كان الغرب موقنا أيها الواهمون من مسلمي تركيا أنّ حكم الإسلام لن يكون إلاّ بالثورة ولن يكون عن طريق القنوات الديمقراطية والرأسمالية، ولن يكون إلاّ بحمامات من الدماء، فكيف تسمحون لأنفسكم أم توهمون أنفسكم بأنكم ستعيدون حكم الإسلام بمجرّد تسلّمكم المناصب الوزارية أو دخولكم المجالس النيابية…

فقضيّة إعادة الحكم بما أنزل الله قضيّة مصيريّة يدركها أعداؤكم في الغرب وأنتم في غفلة عنه لاهون…

فضلا عن إثمكم العظيم لمجردّ اشتراككم في حكم كفر وتطبيق أحكام الكفر وكأنّكم في معزل عن قوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ).

إنّ القضيّة ليست مجرّد تسلم أي حكم وإنّما هي قضيّة إقامة دولة إسلاميّة هدّمت وقضي عليها وأبعد نظامها عن حياة المسلمين وحلّ محلّه نظام الكفر وأحكامه…. فالعمل يجب أن ينصّب على إقامة دولة إسلاميّة هدّمت وقضى عليها وابعد نظامها عن حياة المسلمين وحلّ محلّه نظم الكفر وأحكامه… فالعمل يجب أن ينصّب على إقامة هذه الدولة بالطريق المرسوم شرعا لإقامتها ومن ذلك تهيئة أهل النصرة… وهم العسكريّون في هذا العصر… فهم أهل القوّة والمنعة وهم الذين استطاعوا أن يهدموا دولتكم حين اتصلوا بالخارج فخانوا الله ورسوله والمسلمين… وهم الذين يستطيعون إقامتها إذا ما عادوا إلى الله ورسوله وأخلصوا العمل لهما، إذا ما بذلت الجهود وتركّزت على جلبهم لنصرة الإسلام والمسلمين وحماية بيضته والذبّ عن حياضه لينعموا بخير الدنيا والآخرة وليسعدوا في الدارين حين يقوم هؤلاء الجنرالات برفع راية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خفّاقة في استانبول أو في القاهرة أو في الرياض أو في الجزائر…

بدل أن يقوموا بقيادة هذه الجيوش لضرب أمّتهم وسحقها إذا ما تحركت لخلع نظم الكفر وتطبيق نظام الإسلام وبدل أن يقودوا هذه الجيوش للفتك بالجياع من هذه الامّة إذا ما تحرّكوا للدفاع عن لقمة الخبر التي لاحقهم الحكام عليها وسرقوها منهم كي يتمتعوا هم وزبانيّتهم وأزلامهم على حساب الفقراء والمساكين الذّين كانوا هم السبب الأوّل والأخير لفقرهم وجوعهم وعريهم…

وبدل أن يغيروا بهذه الجيوش على الأطفال والنساء والشيوخ في مناطق الأكراد المسلمين في تركيا والعراق وإيران…

إنّ الجيوش القابعة في أقطار العالم الإسلامي جيوش تابعة للغرب الكافر في كلّ شيء في تسليحها وتدريبها ونظمها. ولكن رجالها هم من أبناء هذه الأمّة الإسلامية سواء منهم الضبّاط أو الجنود آثمون دون استثناء بإطاعتهم لأوامر هؤلاء الحكّام الظالمين الفاسقين الكفرة…. لضرب أبناء أمّتهم ولحماية نظام الكفر من أن يقوضه المسلمون… فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق… والبنادق يجب أن تصوّب إلى صدور هؤلاء الطغاة السجّانين من الحكّام بدل أن تصوّب إلى صدور الأمّة…

فهلاّ استجبتم أيّها العسكريّون إلى الله وإلى رسوله إذا دعاكم لما يحييكم. موهلاّ زحفتم بجحافلكم هذه لدكّ صروح الظلم والكفر والطغيان وإقامة دولة الخلافة الإسلامية دولة الحقّ والعدل والعرفان… كي تفوزوا بخيري الدنيا والآخرة، وبرضوان الله تعالى، وتنجوا من غضبه وسخطه. فعزّ المسلمين عزّ لكم وذلّهم ذلّ لكم… فقوموا لنصرة الله ونصرة دينه ينصركم ويثبّت أقدامكم (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيز).

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *