العدد 112 - السنة العاشرة – جمادى الأولى 1417هـ – تشرين الأول 1996م

نظام الحكم فـي الإسلام

نظام الحكم فـي الإسلام

العنوان أعلاه هو اسم كتاب صدرت طبعته الأولى سنة 1952م من تأليف الشيخ تقي الدين النبهاني، رحمه الله. وفي سنة 1989م أصدر الشيخ عبد القديم زلوم – حفظه الله – الطبعة الثالثة بعد أن أدخل عليها تنقيحات وزيادات كثيرة ما جعل بعض الذين اطلعوا على الطبعة الثالثة وما سبقها يقترحون وضع اسم الشيخ عبد القديم على الكتاب. ولما نفدت الطبعة الثالثة قام الشيح بإخراج الطبعة الرابعة بعد أن أولاها عناية جديدة. وقد قال في مقدمتها:

(وكان قد فاتنا في الطبعة الثالثة تخريج الأحاديث والالتزام بنصها الموجود في كتب الحديث، وكنا قد اعتمدنا في أخذ كثير منها على النصوص الواردة في كتب الفقه المعتبرة ثقة بها… فقمنا بتخريج جميع الأحاديث الواردة بالكتاب وذكرنا من أين أُخذ كل حديث منها، والتزمنا بالنص الوارد في كتب الحديث، وأبعدنا كل حديث لم تتأكد لنا صحته أو صلاحه للاستدلال، كما تأكدت لنا صحة جميع الأخبار الواردة في الكتاب من مصادرها، وكل خبر لم يتأكد لنا، أو وجدناه ضعيفاً حذفناه، كما صححنا بعض المفاهيم والأحكام نتيجة المناقشات والمراجعات، فخرج الكتاب بهذه الصورة التي نقدمها للمسلمين. والله نسأل أن يجعل فيه خيراً كثيراً، وأن يعجّل بإكرام المسلمين بإقامة دولة الخلافة حتى يوضع ما ورد في الكتاب موضع التطبيق والتنفيذ، وما ذلك على الله بعزيز).

 

الكتاب من إصدار «دار الأمـة» في بيروت  ص. ب.   (135190)، الطبعة الرابعة 1417هـ – 1996م. يقع في 264 صفحة من الحجم الوسط.

فيما يلي نورد قسماً من موضوع في الكتاب بعنوان (الخليفة):

انعقاد الخلافة

         الخلافة عقد مراضاة واختيار، لأنها بيعة بالطاعة لمن له حق الطاعة من ولاية الأمر. فلا بد فيها من رضا من يُبايَع ليتولاها، ورضا الـمُبايعين له. ولذلك إذا رفض أحد أن يكون خليفة وامتنع من الخلافة لا يجوز إكراهه عليها، فلا يُجبَر على قبولها، بل يُعدَل عنه إلى غيره. وكذلك لا يجوز أخذ البيعة من الناس بالإجبار والإكراه، لأنه حينئذٍ لا يصح اعتبار العقد فيها صحيحاً، لمنافاة الإجبار لها، لأنها عقد مراضاة واختيار، لا يدخله إكراه ولا إجبار كأي عقد من العقود. إلا أنه إذا تم عقد البيعة ممن يعتد ببيعتهم فقد انعقدت البيعة، وأصبح المبايَع هو وليّ الأمر، فوجبت طاعته. وتصبح البيعة له بعد ذلك من بقية الناس بيعة على الطاعة، وليست بيعة لعقد الخلافة. وحينئذٍ يجوز له أن يجبر الناس الباقين على بيعته، لأنها إجبار على طاعته، وطاعته واجبة شرعاً على الناس، وليست هي في هذه الحال عقد بيعة بالخلافة حتى يقال لا يصح فيه الإجبار. وعلى ذلك فالبيعة ابتداءً عقد لا تصح إلا بالرضا والاختيار. أما بعد انعقاد البيعة للخليفة فتصبح طاعة، أي انقياداً لأمر الخليفة، ويجوز فيها الإجبار تنفيذاً لأمر الله تعالى. ولما كانت الخلافة عقداً فإنها لا تتم إلا بعاقد، كالقضاء لا يكون المرء قاضياً إلا إذا ولاّه أحد القضاة. والإمارة لا يكون أحداً أميراً إلا إذا ولاّه أحد الإمارة. والخلافة لا يكون أحد خليفة إلا إذا ولاّه أحد الخلافة. ومن هنا يتبين أنه لا يكون أحد خليفة إلا إذا ولاّه المسلمون، ولا يملك صلاحيات الخلافة إلا إذا تم عقدها له، ولا يتم هذا العقد إلا من عاقديْن أحدهما طالب الخلافة والمطلوب لها، والثاني المسلمون الذين رضوا به أن يكون خليفة لهم. ولهذا كان لا بد لانعقاد الخلافة من بيعة المسلمين.

حكم المتسلط

         وعلى هذا فإنه إذا قام متسلط واستولى على الحكم بالقوة فإنه لا يصبح بذلك خليفة، ولو أعلن نفسه خليفة للمسلمين، لأنه لم تنعقد له خلافة من قبل المسلمين. ولو أخذ البيعة على الناس بالإكراه والإجبار لا يصبح خليفة ولو بُويع، لأن البيعة بالإكراه والإجبار لا تعتبر ولا تنعقد بها الخلافة، لأنها عقد مراضاة واختيار لا يتم بالإكراه والإجبار، فلا تنعقد إلا بالبيعة عن رضا واختيار. إلا أن هذا المتسلط إذا استطاع أن يقنع الناس بأن مصلحة المسلمين في بيعته، وأن إقامة أحكام الشرع تحتم بيعته، وقنعوا يذلك ورضوا، ثم بايعوه عن رضا واختيار، فإنه يصبح خليفة منذ اللحظة التي بُويع فيها عن رضا واختيار، ولو كان أخذ السلطان ابتداءً بالتسلط والقوة. فالشرط هو حصول البيعة، وأن يكون حصولها عن رضا واختيار، سواء كان مَنْ حصلت له البيعة هو الحاكم والسلطان، أو لم يكن.

مَنْ تنعقد بهم الخلافة

         أما من هم الذين تنعقد الخلافة ببيعتهم فإن ذلك يُفهم من استعراض ما حصل في بيعة الخلفاء الراشدين، وما أجمع عليه الصحابة. ففي بيعة أبي بكر اكْتُفِيَ بأهل الـحَلّ والعقد من المسلمين الذين كانوا في المدينة وحدها، ولم يؤخذ رأي المسلمين في مكة، وفي سائر جزيرة العرب، بل لم يُسألوا. وكذلك الحال في بيعة عمر. أما في بيعة عثمان فإن عبد الرحمن بن عوف أخذ رأي المسلمين في المدينة، ولم يقتصر على سؤال أهل الـحَلّ والعقد كما فعل أبو بكر عند ترشيح عمر. وفي عهد عليّ اكتُفِيَ ببيعة أكثر أهل المدينة وأهل الكوفة، وأُفرِدَ هو بالبيعة. واعتبرت بيعته حتى عند الذين خالفوه وحاربوه، فإنهم لم يبايعوا غيره، ولم يعترضوا على بيعته، وإنما طالبوا بدم عثمان، فكان حكمهم حكم البغاة الذين نقموا على الخليفة أمراً، فعليه أن يوضحه لهم ويقاتلهم، ولم يُكوّنوا خلافة أخرى.

         وقد حصل ذلك – أي بيعة الخليفة من أكثر أهل العاصمة فقط دون باقي الأقاليم – على مرأى ومسمع من الصحابة، ولم يكن هنالك مخالف في ذلك، ولا مُنكِر لهذا العمل من حيث اقتصار البيعة على أكثر أهل المدينة. فكان ذلك إجماعاً من الصحابة على أن الخلافة تنعقد ممن يمثلون رأي المسلمين في الحكم، لأن أهل الـحَلّ والعقد وأكثر سكان المدينة كانوا هم أكثرية الممثلين لرأي الأمَّة في الحكم في جميع رقعة الدولة الإسلامية حينئذٍ.

         وعلى هذا فإن الخلافة تنعقد إذا جرت البيعة من الممثلين لأكثر الأمة الإسلامية، ممن يدخلون تحت طاعة الخليفة، الذي يُراد انتخاب خليفة مكانه، كما جرى الحال في عهد الخلفاء الراشدين. وتكون بيعتهم حينئذٍ بيعة عقد للخلافة. أما مَنْ عداهم فإنه بعد انعقاد الخلافة للخليفة تصبح بيعته بيعة طاعة، أي بيعة انقياد للخليفة، لا بيعة عقد للخلافة.

         هذا إذا كان هنالك خليفة مات أو عزل، ويُراد إيجاد خليفة مكانه. أما إذا لم يكن هنالك خليفة مطلقاً، وأصبح فرضاً على المسلمين أن يقيموا خليفة، كما هي الحال منذ زوال الخلافة الإسلامية في إسطنبول سنة 1343 هجرية الموافق سنة 1924 ميلادية حتى يومنا هذا سنة 1417 هجرية الموافق سنة 1996 ميلادية، فإن كل قطر من الأقطار الإسلامية الموجودة في العالم الإسلامي أهل لأن يُبايع خليفة، وتنعقد به الخلافة، فإذا بايع قطر ما، من هذه الأقطار الإسلامية خليفة، وانعقدت الخلافة  له، فإنه يصبح فرضاً على المسلمين في الأقطار الأخرى أن يبايعوه بيعة طاعة، أي بيعة انقياد، بعد أن انعقدت الخلافة له ببيعة أهل قطره، سواء أكان هذا القطر كبيراً كمصر، أو تركيا، أو أندونيسيا، أم كان صغيراً كالأردن أو تونس أو لبنان. على شرط أن تتوفر فيه أربعة أمور:

         أحدها: أن يكون سلطان ذلك القطر سلطاناً ذاتياً، يستند إلى المسلمين وحدهم، لا إلى دولة كافرة، أو نفوذ كافر.

         ثانيها: أن يكون أمان المسلمين في ذلك القطر بأمان الإسلام، لا بأمان الكفر، أي أن تكون حمايته من الداخل والخارج حماية إسلام من قوة المسلمين، باعتبارها قوة الإسلامية بحتة.

         ثالثها: أن يبدأ حالاً بمباشرة تطبيق الإسلام كاملاً تطبيقاً انقلابياً شاملاً، وأن يكون متلبساً بحمل الدعوة الإسلامية.

         رابعها: أن يكون الخليفة الـمُبايَع مستكملاً شروط انعقاد الخلافة، وإن لم يكن مستوفياً شروط الأفضلية، لأن العبرة بشروط الانعقاد.

         فإذا استوفى ذلك القطر هذه الأمور الأربعة، فقد وجدت الخلافة بمبايعة ذلك القطر وحده، وانعقدت به وحده، ولو كان لا يمثل أكثر أهل الـحَلّ والعقد لأكثر الأمّة الإسلامية، لان إقامة الخلافة فرض كفاية، والذي يقوم بذلك الفرض على وجهه الصحيح يكون قام بالشيء المفروض. ولأن اشتراط أكثر أهل الـحَلّ والعقد إذا كانت هنالك خلافة موجودة، يُراد إيجاد خليفة فيها مكان الخليفة المتوفى أو المعزول. أما إذا لم تكن هنالك خلافة مطلقاً، ويُراد إيجاد خلافة، فإن مجرد وجودها على الوجه الشرعي، تنعقد الخلافة بأي خليفة يستكمل شروط الانعقاد، مهما كان عدد المبايعين الذين بايعوه. لأن المسألة تكون حينئذٍ مسألة قيام بفرض، قصَّر المسلمون عن القيام به، مدة تزيد على ثلاثة أيام. فتقصيرهم هذا تَرْك لحقهم في اختيار من يريدون. فمن يقوم في الفرض يكفي لانعقاد الخلافة به، ومتى قامت الخلافة في ذلك القطر وانعقدت لخليفة، يصبح فرضاً على المسلمين جميعاً الانضواء تحت لواء الخلافة ومبايعة الخليفة، وإلا كانوا آثمين عند الله. ويجب على هذا الخليفة أن يدعوهم لبيعته، فإن امتنعوا كان حكمهم حكم البغاة، ووجب على الخليفة محاربتهم، حتى يدخلوا تحت طاعته. وإذا بويع لخليفة آخر في نفس القطر، أو في قطر آخر بعد بيعة الخليفة الأول، وانعقاد الخلافة له انعقاداً شرعياً مستوفياً الأمور الأربعة السابقة، وجب على المسلمين محاربة الخليفة الثاني، حتى يبايع الخليفة الأول، لما روى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «… ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعهُ فاضربوا عنق الآخر» ولأن الذي يجمع المسلمين هو خليفة المسلمين براية الإسلام. فإذا وُجد الخليفة وجدت جماعة المسلمين، ويصبح فرضاً الانضمام إليهم، ويحرم الخروج عنهم. روى البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ رأى مِنْ أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه، فإنه مَنْ فارق الجماعة شِبراً فمات إلاّ مات ميتة جاهلية». وروى مسلم عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ كره مِنْ أميره شيئاً فليصبر عليه، فإنه ليس أحد من الناس خرج من السلطان شبراً فمات عليه إلا مات ميتة جاهلية». ومفهوم هذين الحديثين لزوم الجماعة ولزوم السلطان.

         ولا حق في البيعة لغير المسلمين، ولا تجب عليهم، لأنها بيعة على الإسلام، وعلى كتاب الله وسنة رسوله، وهي تقتضي الإيمان بالإسلام، وبالكتاب والسنة، وغير المسلمين لا يجوز أن يكونوا في الحكم، ولا أن ينتخبوا الحاكم، لأنه لا سبيل لهم على المسلمين، ولأنه لا محلّ لهم في البيعة.

مَن هم الذين ينصّـبون الخليفة

         إن الشارع قد جعل السلطان للأمة، وجعل نصب الخليفة للمسلمين عامة، ولم يجعله لفئة دون فئة، ولا لجماعة دون جماعة، فالبيعة فرض على المسلمين عامة «… مَنْ مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية» رواه مسلم من طريق عبد الله بن عمر، وهذا عام لكل مسلم. ولذلك ليس أهل الـحَلّ والعقد هم أصحاب الحق في نصب الخليفة دون باقي المسلمين. وكذلك ليس أصحاب الحق أشخاصاً معينين، وإنما هذا الحق لجميع المسلمين دون استثناء أحد، حتى الفجار والمنافقين، ما داموا المسلمين بالغين، لأن النصوص جاءت عامة، ولم يرد ما يخصصها سوى رفض بيعة الصغير الذي لم يبلغ، فتبقى عامة.

         إلا أنه ليس شرطاً أن يباشر جميع المسلمين هذا الحق، لأنه حق لهم، وهو وإن كان فرضاً عليهم، لأن البيعة فرض، ولكنه فرض على الكفاية، وليس فرض عين، فإذا قام به البعض سقط عن الباقين. إلا أنه يجب أن يُمكّن جميع المسلمين مِن مباشرة حقهم في نصب الخليفة، بغض النظر عما إذا استعملوا هذا الحق، أم لم يستعملوه، أي يجب أن يكون في قدرة كل مسلم التَمكُّن من القيام بنصب الخليفة، بتمكينه من ذلك تمكيناً تاماً. فالقضية هي تمكين المسلمين من القيام بما فرضه الله عليهم من نصب الخليفة،    قاماً يسقط عنهم هذا الفرض، وليست المسألة قيام جميع المسلمين بهذا الفرض بالفعل. لأن الفرض الذي فرضه الله هو أن يَجري نصبُ الخليفة من المسلمين برضاهم، لا أن يُريَه جميعُ المسلمين. ويتفرع على هذا أمران: أحدهما أن يتحقق رضا جميع المسلمين بنصبه، والثاني أن لا يتحقق رضا جميع المسلمين بهذا النصب، مع تحقق التمكين لهم في كلا الأمرين.

         أما بالنسبة للأمر الأول فلا يشترط عدد معين، فمن يقومون بنصب الخليفة، بل أي عدد بايع الخليفة، وتحقق في هذه البيعة رضا المسلمين بسكوتهم، أو بإقبالهم على طاعته بناءً على بيعته، أو بأي شيء يدل على رضاهم، يكون الخليفة المنصوب خليفة للمسلمين جميعاً، ويكون هو الخليفة شرعاً، ولو قام بنصبه خمسة أشخاص، إذ يتحقق فيهم الجمع في إجراء نصب الخليفة. ويتحقق الرضا بالسكوت والمبادرة للطاعة، أو ما شاكل ذلك، على شرط أن يتم هذا بمنتهى الاختيار والتمكين من إبداء الرأي تمكيناً تاماً. أما إذا لم يتحقق رضا جميع المسلمين، فإنه لا يتم نصب الخليفة إلا إذا قام بنصبه جماعة يتحقق في نصبهم له رضا جمهرة المسلمين، أي أكثريتهم، مهما كان عدد هذه الجماعة. ومن هنا جاء قول بعض الفقهاء: يَجري نصب الخليفة ببيعة أهل الـحَلّ والعقد له. إذ يَعتبرون أهلَ الـحَلّ والعقد الجماعةَ التي يتحقق رضا المسلمين بما تقومُ به من بيعةِ أي رجلٍ حائزٍ على شروط انعقاد الخلافة. وعلى ذلك فليس بيعة أهلِ الـحَلّ والعقد هي التي يَجري فيها نصب الخليفة، وليس وجود بيعتهم شرطاً لجعل نصب الخليفة نصباً شرعياً، بل بيعة أهل الـحَلّ والعقد أَمارة مِنْ الأَمارات الدالة على تحقق رضا المسلمين بهذه البيعة، لأن أهل الـحَلّ والعقد كانوا يُعتبرون الممثلين للمسلمين. وكل أَمارة تدل على تحقق رضا المسلمين ببيعة خليفة، يتم بها نَصبُ الخليفة، ويكون نصبُه بها نصباً شرعياً.

         وعلى ذلك فالحكم الشرعي هو أن يقوم بنصب الخليفة جمعٌ يتحققُ في نصبهم له رضا المسلمين، بأيّ أمارة مِنْ أمارات التحقق، سواءً أكان ذلك بكون المبايعين أكثر أهل الـحَلّ والعقد، أم بكونهم أكثر الممثلين للمسلمين، أم كان بسكوت المسلمين عن بيعتهم له، أم مسارعتهم بالطاعة بناءً على هذه البيعة، أم بأي وسيلة من الوسائل، ما دام متوفراً لهم التمكين التام في إبداء رأيهم. وليس من الحكم الشرعي كونهم أهل الـحَلّ والعقد، ولا كونهم خمسة أو خمسمائة أو أكثر أو أقل، أو كونهم أهل العاصمة، أو أهل الإقليم. بل الحكم الشرعي كون بيعتهم يتحقق فيها الرضا مِنْ قِبَل جمهرة المسلمين، بأية أمارة مِن الأمارات، مع تمكينهم مِنْ إبداء رأيهم تمكيناً تاماً.

         والمراد بجميع المسلمين، المسلمون الذين يعيشون في البلاد الخاضعة للدولة الإسلامية، أي الذين كانوا رعايا للخليفة السابق، إن كانت الخلافة قائمة، أو الذين يتم بهم قيام الدولة الإسلامية، وتنعقد الخلافة بهم، إن كانت الدولة الإسلامية غير قائمة من قَبْلهم، وقاموا هم بإيجادها، واستئناف الحياة الإسلامية بواسطتها. أما غيرهم من المسلمين فلا تشترط بيعتهم، ولا يشترط رضاهم. لأنهم إما أن يكونوا خارجين على سلطان الإسلام، أو يكونوا يعيشون في دار كفر، ولا يتمكنون من الانضمام إلى دار الإسلام. وكلاهما لا يحق له في بيعة الانعقاد، وإنما عليه بيعة طاعة، لأن الخارجين على سلطان الإسلام حكمهم حكم البغاة. والذين في دار الكفر لا يتحقق بهم قيام سلطان الإسلام، حتى يقيموه بالفعل، أو يدخلوا فيه. وعلى ذلك فالمسلمون الذين لهم حق بيعة الانعقاد، ويشترط تحقق رضاهم حتى يكون نصب الخليفة نصباً شرعياً، هم الذين يقوم بهم سلطان الإسلام بالفعل .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *