العدد 114 - السنة العاشرة – رجب 1417هـ – كانون الأول 1996م

الفكر السياسي في الإسلام (3)

الفكر السياسي في الإسلام (3)

         السياسة الخارجية للدولة الإسلامية هي الجهاد في سبيل اللـه لتبليغ رسالة الإسلام إلى العالمين، وهذا هو قمة التفكير السياسي في الإسلام. وهو إزالة للحواجز المادية التي تقف في وجه دعوة الإسلام. والجهاد هو بذل الوسع في القتال في سبيل اللـه وهو فرض كفاية ابتداءً. وفرض عين إذا دخل العدو بلاد المسلمين. وهو السياسة الخارجية للأمة الإسلامية ودولتها، وبناءً عليه تنظم العلاقات بين الدولة الإسلامية وغيرها من الدول، لأنه هو الطريقة السياسية

التي تنفذ بها الفكرة السياسية للإسلام، وهي نشره في الأرض وتبليغه إلى الناس كافةً، يأثم المسلمون بالقعود عن هذه المهمة التي جعلها اللـه تعالى في رقابهم إلى يوم الدين، لأنهم مسؤولون عن هداية البشرية وإنقاذها من النار (قاتِلوا الذين لا يؤمنون باللـه ولا باليوم الآخر…).

         وعليه فالجهاد قمة الفكر السياسي عند المسلمين. وقد فُرِض الجهاد عندما انتقل صلى اللـه عليه وآله وسلم من دار الكفر في مكة إلى المدينة حيث أقام دولته موطداً أركانها على أساس العقيدة الإسلامية وأوجد دار الإسلام… وقد نزلت أولى آيات التشريع الحربي وهو في طريق هجرته إلى المدينة (أُذِن للذين يقاتَلون بأنهم ظُلموا وإن اللـه على نصرهم لقدير) فضمَّ صلى الله عليه وسلم إلى صراعه الأول وهو الصراع الفكري الذي كان يقوم به في مكة، دارِ الكفر، صراعاً جديداً لتبليغ دعوة اللـه هو الصراع الدموي، أي القتال لإعلاء كلمة اللـه في الأرض وما يقتضيه هذا القتال من أعمال سياسية لافتة للنظر تسبقه يقوم بها صلى الله عليه وسلم بصفته رئيس دولة إلى جانب كونه رسول اللـه إلى العالمين.

         ولا بد هنا من لفت الأنظار إلى أن الجهاد في سبيل اللـه لإعلاء كلمته في الأرض وإن كان من أعظم الأعمال التي تقوم بها الدولة الإسلامية وتنظمها وهو ذروة سنام الإسلام فهي التي تشكل الجيوش وتدربها وتسلحها وتعقد ألويتها وراياتها إلا أن هذا الجهاد ماضٍ كذلك إلى يوم القيامة تحت لواء كل أميرٍ براً كان أم فاجراً لا يبطله عدل عادلٍ ولا جور جائر… فسواءً كانت هناك للمسلمين دولة أم لم تكن، كما هو حالهم اليوم، فإن الجهاد فرضٌ على الأمة الإسلامية، وهو في هذه الأيام فرض على كل مسلم ما دام هناك أرض للإسلام مغتصبة كفلسطين والبلقان والقفقاس والأندلس… ويتعين عليهم والحالة هذه أن يعملوا على إقامة دولة الإسلام واسترجاع حكم الإسلام بإيجاد الخلافة الراشدة التي تأخذ على عاتقها تجييش الجيوش وسوقها لاسترداد هذا المغتَصَب، ثم لفتح الأرض ونشر الإسلام في العالمين. فإذا كانوا لا يستطيعون أن يستردوه بدون دولة، فالقاعدة الشرعية تقول «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب» والظاهر أنه لن يتم استرداد ما اغتُصب ونشر الإسلام في الأرض إلا بدولة تطبق الإسلام في الداخل وتحمل دعوته عن طريق الجهاد في الخارج.[ملاحظة: إقامة الخلافة ليس الغرض منها استرداد الأرض المغتصبة بل إقامة الدين وحمل رسالته ومن ذلك استنقاذ ما اغتصب من أرض المسلمين والفتوحات الجديدة].

         إن الفكر السياسي في الإسلام فكر شامل لجميع شؤون الحياة ولا يقتصر على الحكم والجهاد وحمل الدعوة إلى العالم فحسب بل يتناول الشؤون الداخلية جميعها من اقتصاد واجتماع وتربية وتعليم وصحة وعمل وعمال ومحاسبةً على رعاية هذه الشؤون… وتكون السياسة الداخلية في الإسلام مبنية على السياسة الخارجية وليس العكس.. فبمقدار ما يتحقق من نجاح وفتح ونصر في السياسة الخارجية تكون السياسة الداخلية ناجحة ورعاية الشؤون فيها منتجة. والذين يقولون بعكس ذلك واهمون لا يعون حقيقة الدول الكبرى التي تحمل مبدأً عالمياً… فحين انتقل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة وأقام دولته فيها نزل عليه أول ما نزل التشريع السياسيُّ الحربي… فقام عليه وعلى آله الصلاة والسلام بتنظيم السرايا وببعث البعوث في الغزوات… وراحت بعد ذلك تتنزل أحكام دار الحرب ودار الإسلام وأحكام المعاهد والمستأمن وأحكام الذمي والأسرى والغنائم… ومن استقرائنا لسيرته صلى الله عليه وسلم في المدينة نرى أن معالجات المشاكل الداخلية كانت تتنزل فيها أحكام التشريع الخاص بها حسب الحوادث والوقائع وطروء المشاكل… فأمته صلى اللـه عليه وآله وسلم أمة عسكرية قبل أن تكون أمة فلاحةٍ وزراعةٍ وتجارة… وقد جُعل رزقه صلى الله عليه وسلم تحت سنان رمحه، وكان تفكيره منصباًّ على الدنيا بأكملها ولم ينحصر في المدينة ولا في مكة ولا في الجزيرة

العربية، ولو كان كذلك لما خرج المسلمون من الجزيرة ولما وُجِد هذا العالم الإسلامي المترامي الأطراف. (يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل اللـه اثّاقلتم إلى الأرض، أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل* إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً ويستبدلْ قوماً غيركم ولا تضروه شيئاً واللـه على كل شيء قدير).

         وقد علَّم الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه الكرام رضوان اللـه عليهم من مهاجرين وأنصار، وهم الذين نقلوا إلينا هذا الدين، كيف يكون التفكير السياسي وفيما يكون هذا التفكير، فأوجد بذلك التربة التي أنبتت رجال الدولة على مرّ العصور والأجيال حتى آخر خليفة من العهد العثماني… فكانت البلاد عامرة بحشد من رجال الدولة سواءً من كان في الحكم أو خارج الحكم. فها هو ذا خليفة رسول اللـه صلى اللـه عليه وآله وسلم أبو بكر الصديق يأبى أن يحلَّ لواءَ أسامة بن زيد أو يوجهه إلى غير الوجهة التي وجهه إليها صلى الله عليه وسلم وهي قتال الروم خارج الجزيرة العربية رغم أنه بحاجة إلى هذا الجيش لإخماد فتنة المرتدين في الداخل، فيقول إذ أشار عليه الصحابة بحلّه «واللـه لا أحلُّ لواءً عقده رسول اللـه صلى الله عليه وسلم بيديه الشريفتين…» ويسير مع الجيش إلى خارج المدينة ماشياً إلى جانب قائده الفارس أسامة الذي يرجوه أن يركب أو أن يترجل هو فيقول رضي اللـه عنه «وما عليَّ أن أغبِّر قدميَّ في سبيل اللـه…».

         وها هو ذا أمير المؤمنين من بعده عمر بن الخطاب رضي اللـه عنه يواصل المسيرة فيسير الجيوش لمواصلة الفتح وحمل دعوة الإسلام إلى بلاد فارس والروم ويدك صرحيِ الإمبراطوريتيْن في آنٍ واحد خلال سنوات قلائل في عهده الذي لم يطل أكثر من إحدى عشرة سنة.. وكذلك دخل الخليفة الثالث من بعده ذو النورين عثمان بن عفان رضي اللـه عنه.. ففتحت جيوشه بلاد القفقاس وبلاد ما وراء النهر وتوغلت في شمال أفريقيا.

         ولولا الفتنة الكبرى التي شغلت الخليفة الراشد الرابع الإمام عليَّ بن أبي طالب كرم اللـه وجهه بعد مقتل عثمان رضي اللـه عنه لكان للفتح الإسلامي شأن آخر، إذ توقفت السياسة الخارجية قليلاً وتوقف بناءً على ذلك الفتح ونَشْرُ الإسلام… ولكن ما عَتَّمَ أن جاء الخلفاء الأمويون من بعده فواصلوا المسيرة في السياسة الخارجية حتى زلزلوا بسنابك خيول المسلمين عروشَ قياصرة الصين في الشرق ودكّوا بها عروش قياصرة الفرنجة في الغرب.

         ورداً على أولئك المنافقين من الكتاب والمفكرين والصحفيين من أبناء هذه الأمة الذين انضبعوا بثقافة الغرب وأعمتهم بهارج حضارته الزائفة الذين راحوا يقولون، وما زالت بعض الضفادع منهم تنقنق هنا وهناك في أقطار العرب، أن الإسلام لم يعرف أي نوع من نظم الحكم، وما نظام الخلافة إلا نظامٌ ابتدعه الصحابة من عند أنفسهم، نقول لهم: كيف تجرؤون هكذا على أصحاب رسول اللـه صلى الله عليه وسلم وتتهمونهم بأنهم ابتدعوا نظام الحكم في الإسلام من عند أنفسهم وكأنهم لم يقرأوا كتاب اللـه وآيات الحكم والسلطان الواردة فيه وكأنهم لم يقرأوا أحاديث رسول اللـه صلى الله عليه وسلم وما ورد فيها من وجوب البيعة ووجوب أن يكون في عنق كل مسلم بيعة… ألم يسـمعوا قولـه تعالى( :وأن احكم بينهم بما أنزل اللـه ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل اللـه إليك) أو قوله تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل اللـه فأولئك هم الكافرون) أو قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا اللـه وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى اللـه والرسول ذلك خير وأحسن تأويلاً) أو قوله: (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) ألم يقرأوا أو يسمعوا حديث رسول اللـه صلى الله عليه وسلم «… من مات وليس في عنقه بيعةٌ ماتَ ميتةً جاهلية» ألم يقرأوا حديث رسول اللـه صلى الله عليه وسلم في حثّه وحرصه على وحدة المسلمين في دولة واحدة بقوله: «إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما» وبقوله: «من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم ويفرق جماعتكم فاقتلوه».

         ألم يقرأوا سيرة الرسول صلى اللـه عليه وآله وسلم حين كان يبعث الولاة والقضاة إلى ولايات الدولة في الجزيرة… ويعين الجباة وأمراء الألوية وقادة الجيوش والسرايا.. كل هذا لم يكن دولة وكل هذا لم يعشه أصحاب رسول اللـه صلى الله عليه وسلم فابتدعوا من عند أنفسهم نظاماً أطلقوا عليه نظام الخلافة أو الإمامة؟! حسبنا اللـه ونعم الوكيل.

         لقد أدرك الصحابة الكرام إدراكاً يقينياً وجوب نصب الإمام أو الخليفة لرسول اللـه صلى الله عليه وسلم حين وفاته والتحاقه بالرفيق الأعلى وأدركوا يقيناً أن نصب خليفة أولى من دفن الميت مع أن الميت هو الرسول الكريم صلوات اللـه وسلامه عليه وآله.. وإكرام الميت دفنه… ولكنهم سارعوا إلى نصب خليفة له في الحكم وتركوه مسجىً في فراشه ودفن صلى اللـه عليه وآله وسلم بعد ليلتين من وفاته.. ومن هو أولى من رسول اللـه بالإكرام..

         لقد آن الأوان لأن يرعوي هؤلاء ويرجعوا عن غيّهم أو أن تحل بهم قارعة من السماء أو أن يصيبهم اللـه بعذاب من عنده أو بأيدينا… فليتربصوا إنا معهم متربصون.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *