العدد 118 - السنة الحادية عشرة – ذو القعدة 1417 هـ – آذار 1997م

رجولة المؤمنين

رجولة المؤمنين

 

 بقلم: أسامة أبو سراج

قال اللـه سبحانه وتعالى في سورة الأحزاب: (من المؤمنين رجالٌ صدقوا ما عاهدوا اللـهَ عليه فمنهم من قضى نحبهُ ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً) هذه الآية العظيمة تحمل في طياتها معنى الرجولة المؤمنة التي تتمثل في الموت في سبيل اللـه أو انتظاره، فالآية تتحدث عن بعض المؤمنين بأنهم رجال والبعض الآخر من المؤمنين أشباه رجال لأن حرف )مِن( هو للتبعيض. إذاً السؤال الذي يجب أن يراود المؤمنين العاملين هو: كيف نكون رجالاً صادقين؟؟ وكيف نستطيع أن نمثل هذه الآية في شخصياتنا؟

         أقول وباللـه التوفيق: إن أولَ ما يجب أن يبدأ به الإنسان لكي يكون رجلاً كما أراده اللـه هو أن يعتقد العقيدة الإسلامية اعتقاداً جازماً عملياً وليس كلامياً فقط. معنى هذا الكلام أن نعتقد اعتقاداً جازماً أن اللـه هو الرزاق وهو الناصر وهو المحيي والمميت، فإذا بقيت هذه الاعتقادات الأربعة نصب أعيننا خضنا غمار الحياة لا نخشى في اللـه لومة لائم، وهابنا كلُ شيء، لأن من خاف اللـهَ خوف اللـهُ منه جميع خلقه من الظالمين، ومن لم يخفِ اللـه خوفه اللـه من جميع خلقه. فإذا تجسدت هذه الاعتقادات فينا اعتقاداً عملياً فإن الظالمين وجنودهم وزبانيتهم حتماً سيهابوننا لأننا مع الحق، مع اللـه وهم على الباطل المهزوم، (وقل جاء الحق وزَهَقَ الباطل إن الباطل كان زهوقاً) ويجب كذلك أن نعتقد أن اللـه سبحانه وتعالى هو الأكبر كما نرددها في الصلاة مرات ومرات، فإذا اعتقدنا هذا الكلام علمنا علم اليقين أن باقي البشر من المعاندين لحكم اللـه هم ضعفاء أمامنا لا نخشاهم ولا نخشى ظلمهم ولا سجونهم (أتخشونهم فاللـه أحق أن تخشوْه إن كنتم مؤمنين).

         وإذا أردنا أن نصبح مؤمنين إيماناً يجترح العجائب فيجب أن تجري في دمائنا هذه الآية (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون اللـه من أولياء ثم لا تنصرون) فإن اللـه سبحانه وتعالى ينهانا أن نركن إلى الظالمين، والظالمون هم كل إنسان يحكم بغير شرع اللـه، والذين نصبوا أنفسهم مشرعين من دون اللـه في المجالس النيابية وغيرها. لذلك كان لِزاماً علينا أن نعلنها براءة مدوية في السماوات والأرض من أولئك الظالمين. ومعنى الركون في هذه الآية كما قال أبو العالية: أي لا تميلوا إليهم كل الميل في المحبة ولين الكلام. وقال سفيان الثوري في تفسيره للركـون: أي من لاق لهم دواة أو برى لهم قلماً أو ناولهم قرطاساً دخل في ذلك.

         أيها المسلمون، إقرأوا القرآن لتروا كيف أنه جاء ليحكم الدنيا إنسها وجنها، إقرأوه بتدبُّرٍ لكي تهزوا وتقتلعوا عروش الظالمين إنهم وأذنابهم أموات. لا تخشوهم فقد فُضح أمرهم وبانت عوراتهم، لذلك فلنعتبر ممن سبقونا فإن في قصصهم عبرة لنا نحن المسلمين.

         قال اللـه سبحانه وتعالى في سورة سبأ: (فلما قضينا عليه الموت ما دلـهُم على موتِه إلا دابةُ الأرضِ تأكلُ مِنْسَأَتَهُ فلما خرّ تبينت الجنُ أن لو كانوا يعلمونَ الغيبَ ما لبثوا في العذاب الـمُهين).

         سيدنا سليمان عليه السلام سخر اللـه له الجن يعملون عنده ويأتمرون بأمره، وكان الجن يعملون أعمالاً شاقة. فقدر اللـه سبحانه وتعالى موت سليمان عليه السلام، ولكن الجن عاشوا في العذاب المهين حولاً كاملاً لا يعلمون أنه قد توفاه اللـه، إلى أن دلهم عليه دابة الأرض. ونحن اليوم إذ نعيش في العذاب المهين وهو تعطيل شرع اللـه عن الحكم بما أنزله على سيد الخلق محمد صلى اللـه عليه وآله وسلم، فحالنا اليوم كحال الجن مع سيدنا سليمان عليه السلام )مع الفارق(. فلماذا لا نهز عروش الحكام فإنهم أموات أو كالأموات، أم هل سوف ننتظر دابة الأرض لكي تكشف لنا أنهم أموات؟ فلننظر إلى واقعنا بشيء من الدقة، فئة من الشيشان الرجال قد أرهبوا وهزموا الروس الهزيمتين العسكرية والنفسية، وهم قليلو العدد والسلاح بالنسبة للروس، ولكن لماذا دب الرعب في قلوب الروس؟ إنها الرجولة والجهاد والتضحية، بهذه الأشياء سحبت فرنسا جالياتها من الجزائر، بهذه الأشياء انسحبت أمريكا من لبنان )المارينز(، بهذه الأشياء أرهب يحيى عياش، رحمه اللـه، وهو الأعزل، اليهودَ جميعاً رغم كثرة جنودهم وأسلحتهم.

         إن للـه رجالاً إذا أرادوا أراد، لأن إرادتهم تعلقت باللـه، فلا يريدون شيئاً إلا واللـه مريده. نفوسهم تعلقت باللـه فأصبحوا رجالاً لا يقنعون إلا بتعبيد الناس لربهم. إذاً ماذا ننتظر أيها الرجال؟ أننتظر علماء السلاطين أن يصبحوا رجالاً عندهم الولاء والبراء والمفاصلة؟ كلا. من أجل هذا احذروا أيها المؤمنون من أن تتنازلوا عن شيء ولو يسير من أحكام الشريعة الإسلامية المنزهة عن النقائص، واحذروا التحاكم لغير شريعة اللـه ولو في مسألة واحدة فإنها قد تؤدي بكم إلى النار والعياذ باللـه. روى الإمام أحمد في كتابه الزهد حديثاً صحيحاً عن طارق بن شهاب أن رسول اللـه صلى اللـه عليه وآله وسلم قال: «دخل الجنة رجلٌ في ذُباب، ودخل النارَ رجل في ذباب، قالوا كيف ذلك يا رسول اللـه؟ قال: مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزُه أحد حتى يُقرّب له شيئاً، فقالوا لأحدهما قرب قال: ليس عندي شيء أُقرب. قالوا له: قرّب ولو ذباباً، فقرب ذباباً فخلّوْا سبيله ودخل النار وقالوا للآخر: قرّب. فقال: ما كنت لأُقرّب لأحد شيئاً دون اللـه عز وجل. فضربوا عنقه فدخل الجنة .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *