العدد 79 - العدد 79 – السنة السابعة، جمادى الأولى 1414هـ، الموافق تشرين الثاني 1993م

الوضع في روسيا

فور تسلمه السلطة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي أعلن الرئيس باريس يلتسن أن روسيا لم تعد دولة اشتراكية وأنها ستنتقل من الاقتصاد الاشتراكي إلى اقتصاد السوق الحرة، ومن المنهج الاشتراكي إلى المنهج الديمقراطي. قبل هذا كان الرئيس ميخائيل غورباتشوف قد شكل برلماناً منتخباً من قبل الشعب، ضم أعضاء مختلفين في وجهات نظرهم، فمنهم القوميون ومنهم الديمقراطيون والشيوعيون وغيرهم.

هذا الاختلاف أدى إلى وجود تكتلات سياسية متعارضة فيما بينها، وإلى وجود صراع دائم بين الرئيس والبرلمان، وكان الصراع يتركز على أمرين: أولهما كيفية الانتقال من الاقتصاد الاشتراكي إلى اقتصاد السوق الحرة حيث كان الرئيس يرى أن الانتقال يجب أن يكون بأكبر سرعة ويجب أن تتحول الملكيات العامة (من أرض ومصانع وغيرهما) إلى ملكيات خاصة. هذه الأمور وغيرها من تخبطات للرئيس في السياسة الداخلية والخارجية أدت إلى وجود الأمر الثاني وهو: لمن السلطة، للبرلمان أم للرئيس؟

ظهر الصراع حين أصر البرلمان على إسقاط حكومة غيدارف متهماً إياها بالعجز عن حل المشاكل الاقتصادية، وكذلك حين أصر على بيع محركات الصواريخ إلى الهند بعد أن أعلنت أميركا رفضها لهذه الصفقة متذرعة بأن هذه الحركات تستعمل لأغراض نووية. كما عمل البرلمان على اتخاذ قرارات أجبر الرئيس على تنفيذها.

كان من أكبر أقطاب المعارضة البرلمانية روسلان حزب اللاتف رئيس البرلمان وهو بروفيسور في الاقتصاد ويتميز بشدة الثقة بالنفس وقدرته الهائلة على إقناع النواب وجمعهم حوله. وكذلك كان الكسندر روسكوي نائب الرئيس الروسي، وقد كان جنرالاً في الجيش الروسي وحارب في أفغانستان سابقا. ويتميز بقوة إرادته وحرصه الشديد على مصلحة روسيا والغيرة عليها.

لم يكن في استطاعت الرئيس يلتسن أن يجر البرلمان وراءه، وكلما فتح موضوعاً وجد معارضة شديدة مما جعله في بداية 1993 يعلن عن حل البرلمان مخالفاً في ذلك الدستور الروسي. في هذه الأثناء وقف البرلمان بقيادة حزب اللاتف وقفة جامدة أمام تحديات الرئيس كما وقف روسكوي ووقف زوركن رئيس المحكمة العليا إلى جانب البرلمان، حيث أُجبر على التخلي عن هذا القرار وترك الخيار للشعب.

حدد يلتسن موعداً للاستفتاء في 25/04/1993 ووضع للشعب أسئلة من بينها: هل تؤيد سياسة الرئيس؟ هل تؤيد وجود أو سياسة هذا البرلمان؟ في نهاية هذا الاستفتاء نجح يلتسن ونجح البرلمان ولم يتغيّر شيء.

بعد هذا النجاح شعر البرلمان بالثقة الكبرى والاستقلالية والتأثير في سياسة روسيا الداخلية والخارجية، وأخذ يعمل بقوة على تحقيق المطلب الثاني لصالحهم وهو أن تكون روسيا برلمانية.

من هنا أخذ يحاسب الرئيس على كل صغيرة وكبيرة، وحاول حزب اللاتف ومن معه إثبات عدم قدرة يلتسن على قيادة روسيا. كما لمع في هذه الأثناء نائب الرئيس روسكوي من خلال تصريحاته الشديدة اللهجة أمام البرلمان وكشف خيانات كبرى مع ذكر أسماء القائمين بها، واتهامه الرئيس يلتسن بالتواطوء مع الغرب وخاصة أميركا، وكان من أبرز وآخر تصريحاته قوله: (أن حل المشاكل الاقتصادية والسياسية لا يكمن في الركوع والرجاء ولكن يكمن في إعادة الاتحاد السوفياتي حيث يتكامل الاقتصاد).

هذا التصريح الغريب أثار العالم وخاصة دول أوروبا الشرقية، وحتى بعض الغربية منها، وكما أثار تخوف أميركا، وهذا واضح من تصريحات السفير الأميركي في موسكو.

على أثر هذا التخوف قام الرئيس يلتسن بحل البرلمان مرة أخرى وكالعادة قام حزب اللاتف بجمع أعضاء البرلمان في مقره (البيت الأبيض) ووضّح أن عمل الرئيس هذا مخالف للدستور ويجب على يلتسن التخلي عنه.

من الملاحظ أن يلتسن أخذ عبرة من طلب حل البرلمان في المرة الأولى، ولذلك خطط في هذه المرة (والأرجح بتوجيه ومساعدة خارجية) لضرب هذا البرلمان ضربة قاسية.

بدأ يلتسن عمله هذا بأن أعطى أعضاء البرلمان مهلة للخروج من البيت الأبيض حتى 04/10/1993، وهذا العمل يعتبر تحدياً لكل من حزب اللاتف وروسكوي وباقي أعضاء البرلمان. كما طلب يلتسن من قائد الأركان أن يعلن على شاشات التلفزيون أن الجيش لن يتدخل في الصراع السياسي بين الرئيس والحكومة. وهذا الإعلان يعطي حزب اللاتف روسكوي دفعة للاستمرار في عنادهم.

كما عمل يلتسن على استفزاز أعضاء البرلمان وذلك بقطع الكهرباء والماء عن مبنى البرلمان. واتهمهم بأنهم مخربون وأن بحوزتهم في البيت الأبيض أسلحة كثيرة جداً يجب تسليمها.

هذه الأعمال دفعت حزب اللاتف وروسكوي إلى إعلان حكومة جديدة وتعيين روسكوي رئيساً لروسيا بدلاً من يلتسن وتعيين وزيرين للأمن وللدفاع. كما طلب روسكوي من مؤيديه خارج البرلمان لروسيا احتلال مبنى التلفزيون ومواجهة الشرطة واحتلال مبنى البلدية.

بعد ذلك أخذ يلتسن يطبق الجزء الثاني من المخطط حيث خطب في الناس وحذرهم من عودة الشيوعية ومن الحرب الأهلية، وطلب التأييد الداخلي والخارجي للقيام بالعمل العسكري، وحصل على تأييد كل الدول الغربية مباشرة، وقام بإرسال وحدات خاصة من الجيش الروسي إلى البيت الأبيض حيث تم اقتحامه وإلقاء القبض على كل من حزب اللاتف وروسكوي وبذلك يكون يلتسن قد نجح في ضرب البرلمان الذي طالما تمنّى أن يحلُه.

وبهذا تكون أميركا قد نجحت في إبقاء رجلها يلتسن الذي يدفع روسيا إلى حلقة مفرغة من الدوامات الاقتصادية باسم الإصلاحات الاقتصادية والانتقال إلى اقتصاد السوق الحر، وباسم الديمقراطية والحرية نحو التفكك والانهيار.

إن وجود رجل مثل يلتسن يحمل شهادة الهندسة المعمارية يعطي أميركا فرصة أكبر للتغلغل في جيوب الاتحاد السوفياتي بعد إنهاك روسيا وإلهائها في مشاكلها الاقتصادية الداخلية.

لقد أثبت يلتسن بانصياعه لتوجيهات أميركا وتصديقه بوعودها وبأنها ستنعش الاقتصاد الروسي، أثبت أنه قصير النظر في السياسة الدولية.

إن الاستراتيجية الأميركية (والغربية بشكل عام) تجاه دولة روسيا الاتحادية (وبقية الدول التي تملك أسلحة نووية من دول الاتحاد السوفياتي السابق) هي تجريدها من الأسلحة النووية وتجريدها من قوتها العسكرية التي تهدد دول الغرب، وتجرديها من القدرة على بناء قوة عسكرية في المستقبل تهدد أو تنافس ما تحاول أميركا إقامته من نظام دولي عالمي خاضع لها.

ومن أجل أن تحقق أميركا غرضها وتنفذ إستراتيجيتها تلجأ إلى وعود بتقديم الدعم الاقتصادي إلى روسيا، وتلجأ إلى إثارة الخلافات الداخلية، وتلجأ إلى إثارة روح الاستقلال في القوميات الكثيرة والجمهوريات المتعددة ضمن الاتحاد الروسي. ثم تحرضهم على الاقتتال من أجل الاستقلال.

أميركا تعلم أن روسيا دولة عظمى عسكرياً، وقد ورثت قوة الاتحاد السوفياتي بأكملها، وهي وإن كانت ضعيفة اقتصادياً الآن إلا أنها قوية جداً عسكرياً.وأي هجوم عسكري من الدول الغربية عليها سيجعلها تتماسك وتزداد قوة. ولذلك فإن الاستراتيجية المثلى هي إيجاد الخلافات الداخلية في روسيا وإشعال الحروب بين جمهورياتها من أجل أن يحطم بعضها بعضاً، ومن أجل أن يدمّر بعضها المصانع والأسلحة والجيوش والثروات الموجودة عند الآخرين، فتحقق أميركا ودول الغرب ما يطمحون إليه من تحطيم خصمهم الروسي بيديه.

فهل يعلم باريس يلتسن ذلك، وهل يعلم ساسة روسيا ذلك، وهل تنجح أميركا ودول الغرب في جرهم إلى هذه النهاية؟!

05/10/1993 أبو فراس ـ طشقند

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *