العدد 60 - السنة الخامسة – العدد 60 – شوال 1412هـ الموافق نيسان 1992م

قصيدة: تاج المجد

هذه القصيدة مهداة من الشاعر إلى الجزائر المجاهدة

الشاعر: يوسف إبراهيم

شباط 1992م

تاج المجد

النورُ في آفاقها والنارُ *** والمجدُ فوقَ جبينها والغارُ

ومصارعُ الشهداءِ في جَنَباتِها *** شُهْبٌ، ولكنْ بالدماء تُنارُ

ضاعتْ بأنفاس الخلود كأنها *** الجَنّاتُ تجري تحتها الأنهارُ

وزهَتْ رمالُ البيد فهي قلائدُ*** في جيدها ولآلئُ ونُضَارُ

أرضٌ تهاوى البغيُ فوق ترابها *** وتحطَّمَ الجبروتُ والجبَّارُ

واجتاحها جيشُ الصليب بزحْفِه *** فارتدَّ وهو محطَّمُ منهارُ

والجحفلُ الجاني يَجُرُّ رِداءَه *** كِبْراً، ويَرْعُدُ صوتُه الهدّارُ

ومواخرٌ في اليمِّ ضَجَّ عُبابُه *** منها، ورُوِّعَ موجُه الزخّارُ

فتوقّدَ البرُّ الغَضوبُ، فَرَمْلُهُ *** جَمْرٌ، ولَفْحُ رياحِهِ إعصارُ

والبحرُ ماجَ فغاصَ في أعماقهِ *** وهَوى به الأسطولُ والبحَّارُ

ولَّتْ فلولُ الشّرِ عاثرةَ الخُطا *** هرَباً وفُلَّ سلاحُها الغَدَّارُ

وتهدّمَ الصرحُ الذي في ظِله *** يَتفيّأُ العملاءُ والفُجّارُ

صَرْحٌ  فرنسيُّ القواعدِ أُسُّهُ *** كُفْرٌ وذِروةُ سَقْفِه استعمارُ

هزَّتهُ صيحاتُ الجهادِ فزُلزلت *** أركانُه، واندكتِ الأسوارُ

ما زالَ في باريسَ من أطلالهِ *** للمارقينَ مَحَجَّةُ ومَزَارُ

هُزِمتْ فرنسا واستطالَ عبيدُها *** زَهْوً، وسادَ الشرُّ والأشرارُ

وُلِدوا على فُرُشِ السَّفاحِ يضمهمْ *** حِجْرُ الرذيلةِ والخَنَا والعارُ

نسلُ الأفاعي والشياطين التي *** ما زالَ في وطني لهمْ أوكارُ

نبتٌ طُفيْليٌّ نمتْ أشواكُه *** وكلاُ صيدٍ تُشترى وتُعارُ

جَبَلتْ فرسنا بالضلالِ نفوسَهُمْ *** فَعَنَوْا لها وكأنهمْ أحجارُ

ومشَوْا لِلُنْدُنَ خُنَّعاً فعقولهمْ *** بأصابعِ، المستعمِرينَ تُدَارُ

وسعَوْا لأميركا وفي أغلالها *** يحلو الإسارُ ويُعبَد الدولارُ

عاشوا وفي أعماقهم رعبٌ وفي *** أعناقهمْ غُلُّ الهوان شِعارُ

فعلى البصائرِ والعيونِ غِشاوةٌ *** وعلى الوجوهِ مَذَلّةٌ وصَغَارُ

فَهُمُ العبيدُ وإن تعالَوْا وادَّعَوْا *** فوق العروشِ بأنهم أحرارُ

خضعوا لسادتهمْ فَلَوْ قالوا لهم: *** سيروا على هام الرؤوسِ لساروا

سلكوا سبيلَ الخائنينَ فدربهمْ *** شوْكٌ وخَطْوٌ حائرٌ وعِثارُ

يجتاحهمْ طوفانُ أميركا وفي *** غَمَراتهِ يغشاهمُ التيّارُ

وتَلُفُّهمْ ظلماءُ حالكةُ الدُّجى *** تَعْشُوبِها الأفكارُ والأبصارُ

قد قارَفوا الأوزارَ حتى أصبحتْ *** من فعلهم تستغفرُ الأوزارُ

=====

يا أيها الشعبُ الأبيُّ تحيةً، *** ليلُ الخطوبِ على الأُباةِ نَهارُ

ولوافحُ الرمضاءِ في زَفَراتها *** ظِلٌّ ظليلٌ وارفٌ مِعْطارُ

هذي البلادُ أظَّلها النورُ الذي *** شَرُفتْ به الأقطارُ والأمصارُ

ظمأى الحنينِ إلى مناهلِ عزها *** وبها إلى النبعِ الرَّوِيِِّ أُوارُ

ما زالَ غيثُ اللهِ يَسقي أرضَها *** تَنْدَى بهِ الآصالُ والأبكارُ

ما زالَ عِطْرُ من حوافرِ خيلها *** ودَمٌ زَكيٌّ بالشذى مَوَّارُ

ما زالتِ الراياتُ فوق هضابها *** شُمَّا تُهلّلُ تحتها الأنصارُ

مِليونُ حُرٍّ فوق قُدْسِ تُرابِها *** مَهْرُ العُلا شهداؤها الأبرارُ

من عزمِهمْ تتوثبُ الدنيا ومنْ *** أنوارهمْ تتوقدُ الأنوارُ

ومن العطاءِ السمحِ في ساحِ الوغى *** يُزْجَى الغَمامُ وتهطُلُ الأمطارُ

ومن الضياء السرمديِّ بأفْقِها *** راحتْ تَعُبُّ الشهبُ والأقمارُ

ومن المدادِ العَنْدميِّ صحائفٌ *** هي في سماواتِ الخلودِ مَنارُ

ومن النشيد الملْحميِّ عَنادلٌ *** تشْدو ويصدَحُ بالنشيدِ هَزَار

وعلى خُطاهم في دروبِ جهادهمْ *** يزهو الربيعُ وتَبْسُمُ الأزهارُ

أرضٌ بها نَبَتَ الكرامُ ومجدُها *** تاجٌ على هاماتهمْ وفَخَارُ

وملاعبٌ للفاتحين بفضلهمْ *** تزهو الربوعُ وتنطقُ الآثارُ

ومصارعُ الغازينَ تحتَ رمالِها *** دُفِنَ الصليبُ وجيشُهُ الجرّارُ

ساحُ الجهادِ فمن عرين جهادها *** تتفجرُ الثوراتُ والثوّارُ

سِفْر البطولةِ من ملاحمها، وكَمْ *** للمجدِ في تاريخها أسفارُ

صَبْرا بُناةَ المجد إن بناءَه *** عزمٌ أبيٌّ شامخٌ صَبَّارُ

صرْحٌ على أسسِ الهُدى بنيانهُ *** ومن المكارم قُبّةٌ وجِدارُ

هذا حَصاد النصر أيْنعَ طَلْعُهُ *** ودَنَتْ وطابتْ في القطوفِ ثمارُ

والفجرُ لاحَ ستنجلي سُحُبُ الدجى *** ويُماطُ عن وجهٍ اللئام سِتارُ

ويزول سحر الساحرين ويكشف الـ *** أفّاكُ والدَجالُ والسَّحارُ

لن يحجُبَ الإصباحَ ظلُّ غمامةٍ *** وغبارُ زوبعة هُناك مُثارُ

فغدا على أرضِ الجزائر تنحني *** هامُ الطغاةِ وينُحَرُ الجزّارُ

والوحشُ يُصرَعُ بعد صولة بطشِه *** وتُحطَّم الأنيابُ والأظفارُ

وتَخِرُّ أصنامُ الضلالِ مَهينةً *** ويُدَكُّ صرحُ الكفرِ والكفارُ

وتَرُفُّ فيها للخلافةِ رايةٌ *** والنجدُ فوَقَ جبينها والغارُ

أبناءَ عقبةَ في الجهاد: تحيةً، *** والجرحُ ينزِفُ والقلوبُ تَحارُ

أنتمْ لنا خَفْقُ الحياةِ ونَبضُها *** أنتمْ لنا الأسماعُ والأبصارُ

تتوقفُ الكلماتُ عند جهادكمْ *** يَقِفُ البيانُ وتَقْصُر الأشعارُ

سُقيا لأرواح الضياحا ساقَها *** رَبٌّ كريمٌ مُنعمٌ غفَّارُ

وسقى الجزائرَ بكرةً وعشيةً *** غيثٌ عميمٌ هاطلٌ مِداراُ

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *