العدد 144 -

السنة الثالثة عشرة – محرم 1420 هـ – أيار 1999م

كلمة الوعي: صـورة النظـام الديمقراطي

منذ أن بدا الغرب الكافر غزوه الثقافي والسياسي لبلاد المسلمين، حرص على تركيز أفكاره السياسية عن الحكم ومؤسساته لدى النخبة من المفكرين والسياسيين المدنيين والعسكريين من أبناء الأمة وبخاصة لدى أبناء المدن الكبرى، واخذ يلاحق آثار حملته، فكانت كلمة «الحرية» نشرت في إحدى الصحف في استانبول ولأول مرة في العقد السادس من القرن الماضي، وذلك في مقال كتبه أحد الضباط الأتراك العائدين من بعثة عسكرية إلى فرنسا. وقبل ذلك، لم يكن لكلمة «الحرية»معنى سوى عكس العبودية «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً»، ثم أخذ مفهوم الحريات بمعناها الغربي يتركز ويتسع، وأنشئت جمعيات تطالب بالحرية والاستقلال لبعض رعايا دولة الخلافة العثمانية، فكانت الجمعية العربية، وجمعية تركيا الفتاة. وبعد احتلال بلاد المسلمين، جرى حكم الناس حكماً مباشراً من قبل دول الغرب الكافر، ثم لما أعطيت هذه الأقاليم شكل الدول، صارت تحكم على صورة النظام الديموقراطي الغربي.

                إذ برغم حرص الغرب على أن تسود طريقته في العيش في جميع العالم، وبرغم تسيير الشؤون الاقتصادية لبلاد المسلمين على النمط الرأسمالي بشكل يكاد يتطابق مع ما هو معمول به في الدول الرأسمالية، إلاّ أن الحياة السياسية عند المسلمين بعيدة كل البعد عن جوهر الديموقراطيات الغربية، وإن كانت على شاكلتها، فهناك انتخابات، وهناك سلطات ثلاث، وهناك مجالس «منتخبة» تمثل الشعب، إلاّ أن ذلك ما يجري على السطح، وليس هو الصورة المطابقة لما يجري في الواقع. والسبب الأكيد وراء هذا التزوير لإرادة الناس، والالتفاف على اختيارهم الحر، هو إدراك الغرب الكافر، أن الناس إذا تركوا يختارون حكامهم وممثليهم، ونمط عيشهم في كل مناحي الحياة، فلن يختاروا إلا الإسلام وأحكام الإسلام وحملة دعوة الإسلام، فلكي يبعدوا حملة الدعوة الإسلامية عن مراكز القرار، ويبعدوا الإسلام عن تشكيل المجتمع والعلاقات، كان لا بد من تزوير الانتخابات بكل شكل من أشكال التزوير.

                والغريب، أن البلاد في مجموعها، كانت فيها مؤسسات «ديموقراطية» كما يسمونها، وكان هناك تنافس على رئاسة الدولة في بعض الدول، وكانت هناك معارك انتخابية، وحملات دعائية يظهر فيها بعض الحياد من السلطة، إلاّ أن الناس كانوا مدركين أن سبب بلائهم وشقائهم، هي هذه الأنظمة الديموقراطية شكلاً، ولذلك استبشر الناس خيراً بالحركات الثورية، والانقلابات العسكرية، والتي بدأتها أميركا في سوريا بانقلاب حسني الزعيم عام 1949، ثم ثورة عبد الناصر في مصر عام 1952، وتتالت الانقلابات، وعصفت بالمنطقة حالة صراع حاد بين الاستعمار القديم ممثلاً ببريطانيا وفرنسا، والاستعمار الجديد الذي تتزعمه أميركا؛ وراجت فكرة الاشتراكية والتأميم، والإصلاح الزراعي، وشاعت بين الناس فكرة أن الأوضاع ليست ناضجة بالقدر الكافي لتطبيق الديموقراطية، وحُكم الناس بالحديد والنار، وجرى تكريس زعامة الحكام بدون أمد محدود، وظهرت الأحزاب الحاكمة التي احتكرت تمثيل الناس. ثم اكتشف الناس عوار هذه الطروحات، وأنها زادت أحوالهم سوءاً، فازداد فقر الأفراد، كما تعاظم فقر الدول، ورزحت تحت ديون طائلة، أصبحت غير قادرة على تسديد فوائدها، فكيف بتسديد أصولها، وهكذا انتكس الناس إلى الخلف، مطالبين بعودة الديموقراطية التي حمّلوها مآسيهم وهزائمهم وبخاصة مسرحية حرب فلسطين في عام 1948. وكأن لا خيار للأمة غير الاشتراكية والديموقراطية، وكأن لا نظام حكم في الإسلام، هو نظام الخلافة، ولهذا رجع الناس يهللون لعودة الديمـوقـراطـية، لأنها تعني في تقديرهم انتهاء القمع والبطـش، الذي طال كل الناس في كل

 

بلاد المسلمين، فصار حتى بعض المفكرين الإسلاميين ينادون بالديموقراطية، وأن المطالبة بها واجب شرعي، لأن حمل الدعوة الإسلامية في أجواء الحريات ميسور، وحتى إن الكثير من الحركات الإسلامية صارت تطالب بالديموقراطية، وتدعو إلى حرية تشكيل الأحزاب، وإلى تداول السلطة عن طريق الانتخاب، والقبول برأي الأكثرية ولو خالف الشرع، لأن الاحتكام إلى الشرع يكون بالرضا ولا يكون بالإكراه.

                ففي السودان، مثلاً، كانت هناك ديموقراطية وتعدد أحزاب، أيام الصادق المهدي، فقام الجيش بانقلاب البشير، لأنه رأى أن تعدد الأحزاب أفسد الحياة السياسية، وزاد الأوضاع سوءاً، ثم يأتي نظام البشير نفسه ليتبنى سياسة التعددية الحزبية، ويدعو الأحزاب القديمة من أمثال الأنصار والختمية لإعادة تشكيل أحزاب وتحت الأسماء نفسها. وكذلك في الأردن، حُلّت الأحزاب في عام 1957، ولمدة ثلاثة عقود، ثم سمح بتشكيل أحزاب في العقد الأخير، ويسمح لها بالترشيح للمجلس النيابي، ويشارك بعضها في الحكومات.

                وفي تركيا، برغم وجود حياة حزبية، وتمثيل شعبي، إلاّ أن الذي يمسك بزمام السلطة جنرالات الجيش، وهؤلاء كم من مرة، حَلّوا الأحزاب، ومارسوا الحكم مباشرة بدون واجهة، كان ذلك في انقلاب غورسيل ضد بايار ومندريس، ثم عاد الجيش إلى ثكناته، ليعود الحكم المدني ـ الواجهة، ثم يتدخل الجيش فيطيح بالحكومة وبالمجلس النيابي وبالأحزاب، في انقلاب كنعان ايفرين، وكم من مرة في عام 1997 هدّد الجيش بالاستيلاء على الحكم أيام رئيس الوزراء أربكان. وقد أجريت الانتخابات الأخيرة من أجل الإتيان بمجلس تشريعي لا يعارض طموحات الجيش في تعديل الدستور، والنص على دور فاعل للجيش في الحياة السياسية، وقد كانت النتائج في مصلحة العسكر، فحزب أجاويد والحزب القومي كلاهما بيد الجيش، وكذلك حزب الوطن الأم، وهذه الأحزاب الثلاثة تشكل أكثرية المجلس، ولهذا نتصور أن المجلس الجديد سيسهّل طموحات الجنرالات، وستنعم تركيا ببعض الاستقرار السياسي.

                أما في الجزائر، فدور الجنرالات الذين تربّوا مع الجيش الفرنسي، وتخرجوا في معاهده العسكرية، واضح للعيان، فبعد أن أصبحت جبهة الإنقاذ الإسلامية على وشك أخذ الحكم بشكل ديموقراطي عن طريق صناديق الاقتراع، تدخل الجيش، فألغى الانتخابات وحظر جبهة الإنقاذ، وأودع قادتها السجن، وبدأ حملة مطاردة وتصفية لعناصرها، لا تزال قائمة حتى الآن. فالجيش هو الذي يمسك بالسلطة، وهو الذي جاء بكل رؤساء الجزائر من بن بيلا إلى عبد العزيز بوتفيلقة. ومن المفارقات أن جنرالات الجيش حالوا دون مجيء بوتفيلقة إلى رئاسة الجزائر عقب وفاة بومدين، ثم عرضوا عليه الحكم في التسعينات فاعتذر، وأخيراً جاءوا به في انتخابات مزورة تمت في 15/4/1999، والمعروف أن بوتفيلقة من ضباط جيش التحرير الجزائري الذين كانت مواقعهم في حرب الاستقلال في وجدة بالمغرب مع بومدين وزمرته، وأنه تسلم حقيبة الخارجية لمدة طويلة في عهد بومدين، ولهذا يُنتظر أن يأتلف مع الجنرالات، لأنه معتاد على تدخلهم في شؤون الحكم، وسوف يستجيب لطلباتهم، ولا يعترض على تصرفاتهم كما حاول بوضياف من قبل فقُتل، وكما حصل مع زروال الذي لم يتحمل تدخل الجيش في الحكم، فانسحب فيل انتهاء ولايته، رغم أنه من الجنرالات.

                وبهـذا يظـهر للعيان أن الديمـوقـراطـية في بلادنا، إن وجدت، مفصـّلـة على مقاس الـحـاكـم، وأن الانتخابات أسلوب بيد القابعين وراء السلطة يلهون به الناس، ويسوّقون بينهم من يرتضونه رئيساً، أو نائباً أو وزيراً، ولهذا فإن تصور أخذ الحكم عن الطريق الديموقراطي، وعبر صناديق الانتخاب، وهم من الأوهام، وضرب من الخيال، إلاّ إذا كانت الجهة الممسكة بالسلطة راضية عن الشخص أو الجماعة أو الحزب. وهل يرضى هؤلاء ومن وراءهم، أن يعود الحكم إلى الأمة تنصب من تشاء من المسـلمين المخلصـين الواعين الأتقياء، ليحكمها بشرع الله، وليقودها لتحرير أرضها وتوحيد البلاد في دولة واحدة، ولتحمل معه رسالة الإسلام إلى البشر جميعاً؟‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‌‍‍‍‍!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *