العدد 89 - السنة الثامنة ربيع الثاني 1415هـ, أيلول 1994م

الإسلام وتحديات العصر

المحاضرة التي ألقاها المهندس عطا أبو الرشتة الناطق الرسمي لحزب التحرير في الأردن في الندوة التي دعت إليها اللجنة الثقافية في مجمع النقابات المهنية – عمّان يوم الأحد 28 ربيع الأول 1415 هـ الموافق 04/09/94م.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد،

بادئ ذي بدء فإني أسجل هاتين الملاحظتين:

الأولى: الشكر الجزيل أقدمه للجنة الثقافية لمجمع النقابات المهنية على إعدادها لهذه الندوة ذات الموضوع البالغ الأهمية (الإسلام وتحديات العصر) بعد أن حاولت قوى متعددة صرف النقابات عن قضايا أمتها بحجة المهنة، دون أن تدرك تلك القوى – أو لعلّها تدرك – أن النقابات جزء من الأمة تتحرك معها وبها في خضم الأحداث، وأن الوعي السياسي لن يُنقض من إتقان صاحب المهنة لمنته أو من إبداعه فيها بل هذا الوعي يجعله يسير في مهنته على بصيرة فيصونها من الوقوع في خدمة عدو أو خذلان صديق كما ينقّيها من التطبيع أو التوقيع مع العد بحال.

أما الثانية، فإن التحديات التي واجهت الأمة الإسلامية في هذا العصر أو قل خلال هذا القرن، هي من الشدة والهول بحيث لو أتصاب معشارُها أمة أخرى لأوشكت على الزوال.

بعد ذلك أيها الأخوة الكرام أقول وبالله التوفيق:

التحدّي هو من المحادّة وهي المنازعة وإقامة الحجة على الخصم ولا يكون تحدّياً إلا إذا كان في أمر عظيم من الأصول لا الفروع، وإلا إذا كان في القواعد الأساسية لا الأمور الثانوية.

والتحديات على وجهين:

المنازعة المادية، والمقصود منها تحقيق الغلبة على الخصم وقهره والقضاء عليه.

والمنازعة الفكرية السياسية، والمقصود منها خلخلة القواعد الأساسية عند الخصم وضرب مقوّمات شخصيته ومجابهته بمشاكل لا قِبل له بمعالجتها سواء على الحقيقة أو بالدهاء السياسي والمناورة.

والوجه الثاني أشد أثراً وأقوى خطراً فالنجاح فيه يجعل الخصم يقضي على نفسه بنفسه بعد أن يفقد توازنه ومقومات شخصيته.

والمتتبع لما واجه ويواجه المسلمين من تحديات وويلات خلال هذا العصر يجد أن الأمة أصيبت بالحالتين معاً:

ولنبدأ بالتحدي المادي:

1- فمع بدايات هذا القرن أصاب الكفار المستعمرون وأعوانهم مقتلاً من هذه الأمة وتحدّوها في قضيتها المصيرية ونجحوا في ذلك فتمكنوا من القضاء على الخلافة الإسلامية حافظة الدين وعنوان عز المسلمين.

2- ومع منتصف هذا القرن تمكنوا كذلك من إقامة كيان لليهود في فلسطين ثم أحاطوه بالرعاية والعناية فنما وترعرع بمؤامرات سياسية وعسكرية مكّنوه من خلالها ليس فقط من الاستمرار في احتلاله لفلسطين بل كذلك لأجزاء أخرى حول فلسطين.

(نشرت مجلة ديرشبيجل الألمانية الواسعة الانتشار بحثاً عن خطر الإسلام على الحضارة الغربية في عددها الثامن لعام 1991 تقول فيه: أن الغرب انتقم لهزيمته أمام صلاح الدين في القدس زمن الحروب الصليبية مرتين: الأولى عندما دعم الغرب مصطفى كمال للقضاء على الخلافة الإسلامية في استانبول والثانية دعم الغرب اليهود لتأسيس دولة لهم في فلسطين).

3- ثم لم يكتفوا بالقضاء على الخلافة وإقامة كيان لليهود في فلسطين بل عملوا على الحيلولة دون أي عمل لإعادة الخلافة فطاردوا العاملين المخلصين لإعادتها وضيّقوا الخناق عليهم فمنهم من قضى ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلاً. كذلك عملوا على تعطيل الجهاد ضد يهود وأبعدوا الأمة عن كل إعداد جادّ لقتال عدوها، بل وصل الحال أن تم الاعتراف بسلطانهم على فلسطين وإنهاء حالة الحرب معهم.

ثم راقبوا أي توجه من الأمة نحو تحكيم الإسلام أو ما سمّوه بالإسلام السياسي وحاولوا التشنيع عليه من وجهة نظرهم بصفات ألصقوها به من عنف مادي وإرهاب، كتبرير للبطش والتنكيل. لكنهم كانوا يصرفون النظر عن هذا التبرير الشكلي إذا لم يتمكنوا من توفيره ويستمرون بالبطش بدونه كما صنعوا مع جبهة الإنقاذ بالجزائر حيث نجحت في الانتخابات بدون عنف مادي أو إرهاب ومع ذلك قاوموها بضراوة لأنها طرحت الحكم بالإسلام.

5- كذلك راقبوا أي توجه للأمة للحصول على القوة المادة فجمعوا جموعهم للوقوف في وجهه حتى اضطرهم الأمر لحشد العالم ضد العراق لامتلاكه وسائل مادية متقدمة في الصناعة الحربية في حين صمّوا آذانهم عن يهود وهم قد بدأوا بتلك الوسائل المتقدمة قبل العراق، وكذلك فعلوا مع باكستان فأثاروا ضجة كبرى على أنباء احتمال وصولها للتقنية النووية في حين صمتوا عن جارتها الهند وهي تعلن صراحة أنها تمتلك القنبلة النووية.

6- وراقبوا أي توجه لتوحيد الأمة فعملوا على إفشاله بأساليب ومؤامرات خبيثة لتحقيق غرض خبيث وهو توليد الإحباط لدى الأمة من أي توجه للوحدة بينها.

7- كذلك استعملوا كل جريمة وحشية ضد المسلمين في كل مكان وها هي جرائمهم في البوسنة والهرسك شاهد على حقدهم على الإسلام والمسلمين بالإضافة إلى الجرائم القديمة الجديدة في فلسطين ولبنان والهند والقلبين وبورما وغيرها، وهي لو كانت تصيب غير المسلمين لأقاموا الدنيا ولم يعقدوها باسم حقوق الإنسان والقانون الدولي.

(ذكر نيكسون في كتاباته التي نُشرت قبل وقت قصير من هذا العام أنه لو كان مَنْ يُقتل في البوسنة والهرسك من غير المسلمين لتدخلت الدول الكبرى بفاعلية وأوقفت تلك المجازر).

(ونشرت جريدة ليليان البوسنوية في 07/06/93 صورة من خطاب جون ميجر رئيس وزراء بريطانيا إلى دوجلاس هوج رئيس مكتب الأجانب والكومنولث يوضح في خطابه السبب الحقيقي لامتناع الغرب عن مساعدة البوسنة بل التضييق عليها وتركها لوحوش الصرب وكان السبب بكل صراحة أنهم من المسلمين).

هذا أيها الأخوة عن المجابهة المادية والتحديات الحيّة.

أما تلك المتعلقة بالوجه الثاني من التحديات، الفكرية والسياسية:

1- لقد نشط الكفار المستعمرون منذ القرن الماضي ولا يزالون مع أعوانهم، ينشرون الأفكار المضلِّلة والمفاهيم المغلوطة عن قصور الإسلام عن وضع المعالجات للمشاكل المتجددة والمعاصرة مثل العلاقات الدولية والقانون الدولي والهيئات الدولية وملحقاتها، موضوع المصانع واستخراج المعادن والبترول، الملكيات وبخاصة الملكية العامة، أحكام الطاقة والكهرباء، شؤون الحكم وانتخاب الحاكم والدستور والقوانين.

2- ركزّوا في البلاد الإسلامية على استبداد رجال الكنيسة في القرون الوسطى عندهم والصراع بينهم وبين الحكام ثم اتفاقهم على الحل الوسط بفصل الدين عن الحياة وحاولوا نقل عقيدة الكفر هذه إلى بلاد المسلمين لفصل الإسلام عن شؤون الحياة، الحكم والسياسة والاقتصاد…

3- أوجدوا النعرات القومية والوطنية في بلاد المسلمين لتحل محل الولاء للإسلام وزيّنوها بأسماء تُخفي حقيقتها فقالوا عنها (استقلال) بدل أن يسموها (انفصال) كما هو واقعها ففرّقوا أبناء الأمة الواحدة ومزّقوها شر تمزيق.

4- التحريض المستمر على الكيد للإسلام والمسلمين ليس تلميحاً فحسب بل كذلك تصريحاً.

أ) نشر صحيفة «واشنطن تايمز» بعنوان: (تحوّل في مسار التاريخ) للمعلق الصحفي دافيد هاول أن العدو الآن بعد اندحار الشيوعية هو الإسلام ويقول في مقاله الذي نشرته كذلك صحيفة «جابان تايمز» أن الصراع عاد إلى أصله بين الغرب والإسلام. وقبل مدة نُشر أن حلف الأطلسي استبدل بالدائرة الحمراء الشيوعية في خرائطه التي كان يخطط لضربها سابقاً الدائرة الخضراء الإسلامية ليركز المؤامرات تجاهها. كذلك نشرت صحيفة «لوكوتيديان دوباري» مقالاً لرئيس وزراء فرنسا الأسبق ميشيل دوبريه يقول فيه إن عدو أوروبا الأول هو الإسلام.

وفي باريس صدر عام 1983 كتاب لبربيرسي وأوليفيه كاريه بعنوان: (الإسلام حرب على الغرب) لا يخفي حقده الدفين على الإسلام والمسلمين، ويعلن فوكوياما الفيلسوف الياباني الأميركي أن الرأسمالية ستنتصر بعد أن تقضي على الإسلام ومن ثم ينتهي التاريخ عند هذا الحد.

ب) عدم اعتبار للقيم أو القوانين أو لحقوق الإنسان كما يتشدّقون إذا كان الأمر يتعلق بالإسلام والمسلمين وهي قاعدة أساسية عندهم دون استثناء:

(1) عقد في الشهر الماضي مؤتمر للخلافة في لندن بمبادرة من الشباب المسلم في الخارج والغرض منه دراسة فكرية وسياسية لقضية المسلمين المصيرية ألا وهي إقامة دولة الخلافة في بلاد المسلمين. وعلى الرغم من أن المؤتمرات الفكرية والسياسية لا يمنعها القانون البريطاني وهي تعقد عندهم بمختلف أنواعها وبكثرة مستفيضة إلا أنهم بالنسبة لمؤتمر الخلافة – وهو مؤتمر فكري سياسي – حاولوا مخالفة قانون بلادهم وكاد وزير الداخلية منعه معتبراً أن إعلان القائمين على المؤتمر بتحريم كل علاقة سليمة مع كان يهود في فلسطين واستمرار حالة الحرب الفعلية معهم حتى يُقضى على كيانهم في فلسطين، اعتبر ذلك إرهاباً غير مباشر، ولولا الوقفة الصلبة التي وقفها القائمون على المؤتمر وبخاصة المسلمون الإنجليز، تجاه وزير الداخلية، لتم إلغاء المؤتمر، كل ذلك لأن المؤتمر حول موضوع يتعلق بالخلافة والقضاء على كيان يهود في فلسطين ولو كان الموضوع غير ذلك لمرّ بسهولة ويسر.

(2) كذلك إن ما يحدث في فرنسا شاهد على ذلك فهي تقوم بحملة اعتقالات ضد الشباب المسلم هناك بحجة تأييده أو تعاطفه مع جبهة الإنقاذ وهذه ليست جريمة في قانون بلادهم لأنها رأي وفكر ومع ذلك لم يكترثوا بمخالفة القانون ما دام الأمر يتعلق بالإسلام والمسلمين.

وليس الحال في البوسنة والهرسك ببعيد عن ذلك فلأن القتل والجرائم الوحشية تُرتكب ضد المسلمين فإن أميركا نسيت حقوق الإنسان والقوانين الدولية وأصبح موقفها هي وأوروبا لا يعدو عقد اجتماع وزراء اجتماع وتكوين لجنة وراء لجنة للمساعدة في القتل البطيء للمسلمين.

(ج) تعمّد نشر الفساد في بلاد المسلمين وامتصاص ثرواتهم وإنهاك قواهم.

وكشاهد على ذلك مؤتمر الأمم المتحدة للسكان فقد تعمّدت أميركا أن يُعقد هذا المؤتمر في القاهرة من أمهات بلاد المسلمين وجنّدت عملاءها لذلك حتى تلتصق توصيات المؤتمر ببلاد المسلمين فيسمى إعلان القاهرة أو مؤتمر القاهرة، فإذا علمنا أن الأساس الذي قام عليه المؤتمر هو تحدٍّ صارخ لمشاعر المسلمين سواء في الأهداف المعلنة للمؤتمر أو في الأهداف المخفية:

أما الأهداف المعلنة فقولهم إنه الحدّ من الانفجار السكاني الذي لا تكفيه الموارد المتاحة في العالم ويرسمون لذلك وسائل تعجز حتى الشياطين عن الاهتداء إليها فالمؤتمر يوصي بتشجيع العلاقات الجنسية بطريقة لا تؤدي إلى الإنجاب كأن تتم العلاقات الجنسية خارج مؤسسة الزواج كما يقولون أي بالزنا وحينها لا تكون رغبة لدى الطرفين لتكون أسرة، وأن تتم العلاقات الجنسية بين أفراد الجنس الواحد، اللواط والسحاق، وبالتالي فلا إنجاب، وتضيف التوصيات بإباحة كل وسائل منع الحمل بدون قيد أو شرط فإن لم تكفِ تلك وحدث حمل فالإجهاض هو الحل عندهم. كل ذلك تحدٍّ لمشاعر المسلمين وعقيدتهم وفي بلد من أمهات بلادهم.

هذا عن الهدف المعلن وهو، كما يزعمون، حرصهم على الحد من الانفجار السكاني في العالم الثالث وبخاصة البلاد الإسلامية حتى يمكن للموارد المتاحة أن تسد حاجاتهم وتعالج مشكلة الفقر عندهم، وعلى الرغم من أن هذا الأمر غير صحيح، فالفقر لا يُعالج بتقليل السكان بل بالعمل الجاد لاستغلال الموارد استغلالاً صحيحاً وتوزيع الثروة توزيعاً سليماً، وعلى الرغم من أن الوسائل التي رسموها لتقليل السكان تصطدم مباشرة مع عقيدة المسلمين، إلا انهم يُخفون جرائمهم هذه جرائم من نوع آخر، فإن الهدف الذي يخفونه هو امتصاصهم لثروة العالم الثالث وبخاصة البلاد الإسلامية دون أن يزاحمهم سكان تلك البلاد في هذه الثروة فهم يهدفون من وراء القضاء على السكان في العالم الثالث أن يتمكنوا من امتصاص ثرواتهم دون مزاحمة من أصحاب تلك الثروة.

يقول الكاتب الفرنسي جان كلود شسنيه (إن الإسلام يهدد أوروبا الآن نظراً لاتساع الفجوة السكانية والاقتصادية) وكتب أحد كبار مسؤولي الأمم المتحدة حزيران 1990 وهو الدكتور الأميركي فرانك نوت شتاني (لا أنصح بتنفيذ برنامج التنمية الاقتصادية في دول العالم الثالث كما لا أشجع على تطبيق خطة التطوير الصناعي في تلك الدول ما لم يرافق ذلك إجبارهم على سياسة تحديد النسل) في الوقت الذي تُغدق برامج التنمية على اليهود في فلسطين وهم لا زالوا ينفذون برنامج تشجيع الأسرة بإعطاء حوافز تشجيعية للطفل الخامس والسادس في الأسرة ويمنحون لقب البطولة للأم التي تضع وليدها العاشر.

ويقول مستشار الأمن القومي الأميركي 16/10/75: (أن الأمن القومي للولايات المتحدة الأميركية يعتمد على المصادر الطبيعية والطاقة الموجودة في بعض الدول النامية حالياً والتي يهدد ازدياد سكانها مصالح أميركا).

ولقد سبق أن وافق الرئيس جيرالد فورد على اختيار ثلاثة عشر بلداً لتلقي المساعدات المالية التشجيعية باعتبار تلك الدول أهدافاً استراتيجية للسياسة الأميركية لتحديد النسل ومنها البلاد الإسلامية: باكستان، بنغلادش، مصر، نيجيريا، إندونيسيا وتركيا.

وقد ورد في خطاب لكلينتون الشهر الماضي تلميحه، بل أكثر من التلميح، إلى أن المساعدات الأميركية مستقبلاً سيدخل في تقديرها مواقف الدول من حضور مؤتمر السكان وتنفيذ توصياته لأن ذلك يخدم مصالح أميركا.

كل هذا حرب شديدة على الإسلام والمسلمين في فكرهم ومشاعرهم واقتصادهم ونظم حياتهم.

أيها الأخوة الكرام

هذه أبرز التحديات التي تواجه الإسلام والمسلمين وهي هجمة شرسة ذات ثلاث شعب:

1- هجمة مادية للحيلولة دون عودة خلافة المسلمين ووحدة بلادهم وامتلاكهم لمصادر القوة.

2- هجمة مادية لتمكين دولة يهود في فلسطين من الاستقرار والاعتراف بها في المنطقة.

3- هجمة تآمرية وتضليل فكري وخبث سياسي مرافقة للهجمتين الأولى والثانية ضد القواعد الأساسية عند المسلمين وضد مقومات شخصيتهم وركائز دولتهم.

وليست المصيبة أيها الأخوة أن تُجابه أمة من الأمم بتحديات، فهذه وقائع العلاقات الدولية منذ كانت هناك دول وأمم ولكن المصيبة الأعظم الاستسلام للتحديات أو الضعف أمامها.

والأمة الإسلامية أمة حيّة واجهت تحديات صعبة واجتازتها، فقد واجهت التحديات الفكرية المضللة من الجاهلية ويهود والفرس والروم والفلسفات القديمة المتعددة، وواجهت كذلك التحديات المادية من الفرس والروم والصليبيين والتتار وكانت الغلبة النهائية للإسلام والمسلمين.

وليست هذه التي نواجهها بِدْعاً من التحديات، فمواجهتها ليست مستعصية، واجتيازها مقدور عليه لمن أخلص العمل وجدّ واجتهد وبذل المُهْج والأرواح في سبيل قضاياه المصيرية:

1- أما الخلافة فهي ليست نظرية تتلى بل واقعاً عملياً عاشه المسلمون طيلة أربعة عشر قرناً كانوا خلالها سادة الدنيا ينشرون الخير في ربوعها، لا يتميزون بشيء كفاتحين عن البلاد المفتوحة، أكرمهم عند الله أتقاهم واجبّهم لخلقه أكثرهم حرصاً عليهم.

وكما عمل لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى أقامها في المدينة فإننا بإذن الله لقادرون على ذلك إن أخلصنا لله العمل وصَدَقْنا مع رسول الله اللقاء.

2- وأما يهود فهزائم المسلمين أمامهم ليست عسكرية بقدر ما هي سياسية، وقتالهم ميسور. ولو أعلن حاكم في بلاد المسلمين النفير العام لقتالهم لتسابقت الأمة معه للشهادة والاستشهاد، وكما بدأ انهيار الصليبيين بعد هزيمتهم في حطين وانهيار التتار بعد هزيمتهم في عين جالون فكذلك يهود لن يطيقوا فوق معركة يُهزَمون بها ومن ثم يبدأون الانهيار.

3- أما بالنسبة للأفكار المضلِّلة والمفاهيم المغلوطة عن قصور الإسلام عن معالجة المشاكل المتجددة، فكل دارس للإسلام بموضوعية، حتى وإن لم يكن من أهله، يدرك أن الإسلام يختلف عن الأديان الأخرى وأنه مبدأ متكامل: عقيدة ينبثق عنها نظام يعالج جميع المشكلات:

أ) فالعلاقات الدولية فصّلها الإسلام وجعل الدول في العالم أمام الدولة الإسلامية مجموعات خمساً:

– الدول القائمة في بلاد المسلمين لا تعتبر العلاقة معها من السياسة الخارجية بل الأصل أن تُضم في دولة واحدة لرعاياها نفس الحقوق ونفس الواجبات.

– الدول المعاهدة تُحدّد العلاقة معهم بموجب المعاهدات وشروطها إن كانت مشروعة، أما إن كانت شروطها تخالف الشرع فهي باطلة كأن لم تكن.

– الدول المحاربة حكماً يمكن بحث العلاقات الدبلوماسية معها وعقد المعاهدة المشروعة.

– الدول الاستعمارية والطامعة في بلاد المسلمين تحرم العلاقة الدبلوماسية معها.

– الدول المحاربة فعلاً كدولة يهود في فلسطين فتحرم أية علاقة سلمية معهم وتستمر حالة الحرب الفعلية معهم حتى يُقضى على كيانهم وتعود فلسطين كاملة إلى ديار الإسلام.

ب) وأما القانون الدولي والمنظمات الدولية فهي لم توجَد أصلاً إلا لمحاربة الدولة الإسلامية – العثمانية – آنذاك وبقيت هذه القواعد معمولاً بها حتى بعد زوال الدولة الإسلامية، فإن المنظمات الدولية والقانون الدولي يطبّق على بلاد المسلمين بمكيال ومقياس غير المقاييس والمكاييل للدول الأخرى والشواهد على ذلك غنية عن البيان.

والأصل أن يُلغى القانون الدولي والمنظمة الدولية وأن يعاد النظر في أسس قيام منظمة دولية جديدة لتنظيم العلاقات بين الدول حسب الأعراف الدولية التي لها سند شرعي كالحصانة للرسل مثلاً، ويكون التنظيم بإجراءات إدارية تنفذها الدول بدافع ذاتي لا تجعل دولة أو دول كبرى من نفسها شرطياً له السيادة القانونية والعسكرية على الآخرين:

ج) وأما تنظيم الملكيات فقد نظمها الإسلام تنظيماً دقيقاً فالملكية الفردية مصونة، والملكية العامة كالمناجم والبترول وفروعها الأخرى توزّع على الرعية، وملكية الدولة كالخراج والركاز وفروعها الأخرى تعطي الدولة منها للأقل مالاً – ذوي الدخل المحدود – لإيجاد التوازن المالي حتى لا يكون المال دولة بين الأغنياء، وتفرض الدولة ضرائب على أغنياء المسلمين إن لم تكفِ الملكية العامة وملكية الدولة لسد حاجة الفقراء والجهاد ومستلزماته وكل ما هو فرض على الأمة وبيت المال، وتكون هذه الضرائب بقدر الحاجة في حينها وتنتهي بانتهائها وعلى أغنياء المسلمين دون غيرهم، والدولة مُلزَمة بسد الحاجات الأساسية للأفراد: المسكن والمأكل والملبس، ومُلزَمة كذلك بحاجات الجماعة الأساسية التطبيب والتعليم والأمن.

د) وأما الصناعة والطاعة فقد جعل الإسلام المصنع يأخذ حكم المادة التي يصنعها فمصانع استخراج الحديد مثلاً ملكية عامة لأن المناجم ملكية عامة، ولكن مصانع الغزل والنسيج ملكية فردية لأن الملابس ملكية فردية، وجعل الطاقة إن استُعملت وقوداً لإدارة الآلات في المصانع ملكية عامة لأن (النار – الوقود) ملكية عامة، وإذا استُعملت للإنارة – كهرباء المنازل – ونحوها فيجوز امتلاك مولداتها في هذه الحالة فردياً.

هـ) أما الحكم وشؤونه والدستور والقوانين، فإن الإسلام قد جعل القضية السياسية للأمة هي الإسلام في قوة شخصية دولته، وإحسان تطبيقه، والدأب على حمله للعالم بالدعوة والجهاد. وجعل الولاء للإسلام وليس لقوم أو طائفة أو عصبية.

ونص الإسلام على أن العقيدة الإسلامية هي أساس الدولة، ولكنه نص كذلك على أن جميع الذين يحملون التابعية الإسلامية – مسلمين كانوا أو غير مسلمين – يتمتعون بالحقوق والواجبات الشرعية، وأن جميع المسلمين يحملون مسؤولية الإسلام، فلا رجال دين يختصون بالعبادات، ورجال دولة يختصون بشؤون الحكم، بل الكل يحمل مسؤولية الإسلام تبعاً لقدرته وكفاءته.

ونص الإسلام على أن نظام الحكم نظام وحدة، وليس نظاماً اتحادياً، فالدولة الإسلامية – دولة الخلافة – واحدة، وحاكم المسلمين – الخليفة – واحد. ونص الإسلام على أن الحكم مركزي، أما الإدارة فلا مركزية.

ونص الإسلام على وجوب أن يكون الحاكم رجلاً، ومنع المرأة من الحكم، ولكنه أجاز لها القضاء باستثناء المظالم، وأجاز لها عضوية مجلس الشورى كالرجل سواء بسواء.

وكما نص الإسلام على أن الشورى مندوبة، نص كذلك على أن الشورى مُلزِمة.

وأوجب الإسلام على الأمة انتخاب حاكمها بالرضا والاختيار، وجعل محاسبته كذلك فرضاً على الكفاية، سواء كان ذلك من قبل الأحزاب السياسية القائمة على أساس العقيدة الإسلامية، والتي أجاز الإسلام قيامها بدون حاجة إلى ترخيص، أو من قبل أفراد الأمة.

ولا يتسع المقام لبيان المزيد، غير أن ما ذُكِر يكفي شاهداً على الموضوع.

إن الإسلام أيها الأخوة جعل الكتاب والسنة وما أرشدا إليه من قياس وإجماع الصحابة المصدر الوحيد للدستور والقوانين. وكل مشكلة يؤخذ حكمها الشرعي من النص صراحة أو دلالة أو استنباطاً باجتهاد بشروطه وعلى وجهه.

وفي الختام أقول أيها الأخوة الكرام:

إننا لا ننكر هذه التحديات بمجموعاتها الثلاث ثقيلة وثقيلة، ولكننا مع ذلك قادرون على اجتيازها بإذن الله:

– فنحن لسنا مطمئنين فقط بعودة الإسلام عملياً إلى حياة المسلمين، بل ببلوغ الإسلام ما بلغ الليل والنهار، وليسنا واثقين فقط بعودة الخلافة الراشدة إلى الوجود، بل بفتح روما بعدما فُتحت القسطنطينية، وحصول الدولة الإسلام على مركز الدولة الأولى في العالم.

– ونحن لسنا على يقين فحسب بأننا سنعيد القدس وغزة والضفة، بل بالقضاء على كيان يهود من جذوره في فلسطين، وإعادتها كاملة إلى ديار الإسلام.

– وكذلك فإننا لسنا فقط قادرين على إقناع الآخرين بأن الإسلام ليس قاصراً عن معالجة مشكلات العصر، بل نحن واثقون أن الآخرين سيدركون ذلك حسيّاً عندما يُحمل الإسلام إليهم بالدعوة والجهاد، وسيجدونه ليس يحل مشكلاتهم فحسب، بل مدخلاً رحباً للسعادة والطمأنينة والأمن والأمان.

ليس هذا أيها الأخوة أحلامَ يقْظة أو إغراقاً في الخيال، بل هو ما ينطق به كتاب ربنا في آياته العظام، وسنة نبينا صلوات الله وسلامه عليه في أحاديثه الصحاح، وكذلك صلابةُ موقف حَمَلَة هذا الإسلام العظيم، وصحوةُ هذه الأمة وتوجهًها نحو دينها، وإن هذا لكائن بإذن الله، إن لم يكن اليوم يكن غداً وإن غداً لناظره قريب.

(وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ)

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

عطا أبو الرشتة

       

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *