العدد 278 -

العدد 278 – السنة الرابعة والعشرون، ربيع الأول 1431هـ، الموافق آذار 2010م

الرعاية الصحية في الدولة الإسلامية: حماية البيئة (2)

الرعاية الصحية في الدولة الإسلامية: حماية البيئة (2)

 

الصحة العامة

تتعلقُ الرعايَةُ الصحيةُ العامةُ بالعواملِ التي تُؤَثِّرُ على صِحَةِ الجَماعَةِ كَكُلٍّ، كصلاحيةِ مياهِ الشربِ والغذاءِ ونَقاءِ الهواءِ ونَظافةِ البيئةِ والتطعيمِ وغيرها من المجالاتِ. وتهدفُ الرِّعايةُ الصحيةُ العامةُ إلى تَعْزيزِ الصحةِ عنْ طريقِ سياساتٍ على مُستوى الدَّوْلَةِ كُلِّها، وهذهِ السياساتُ تشملُ إِجْراءاتٍ وَمشاريعَ تَقومُ بها الدولةُ، كَمَدِّ شَبَكاتِ الصَّرْفِ الصِّحِيِّ وَإِقامَةِ المَحْمِياتِ الطَّبيعِيَّةِ، وَتَشْمَلُ أيضًا قوانينَ يَتَبَناها الخَليفَةُ وَيُلْزِمُ الرَّعِيَّةَ بها كقوانينِ السَّيْرِ وَمَنْعِ الضَّجيجِ أَوْ تَلْويثِ البيئَةِ.

وَتُرَكِّزُ الرعايةُ الصحيةُ العامةُ في الغالبِ على الوقايةِ مِنَ الأمراضِ أكثرَ مِنَ العلاجِ، ولذلكَ فالوقايةُ مِنْ أَهَمِّ أَقسامِ الرعايةِ الصحيةِ وَأَعَمِّها نَفْعًا وأَكْثَرِها إِنْتاجًا. فعلى سبيلِ المثالِ، فإنَّ إضافةَ اليودِ غيرِ المُكْلِفِ إلى ملحِ الطعامِ في كثيرٍ منْ دُوَلِ العالمِ، خَفَّضَ مِنْ نِسْبَةِ أمراضِ الغُدَّةِ الدَّرَقِيَّةِ والتَّخَلُّفِ العَقْلِيِّ الناتجِ عنْ نقصِ اليودِ بصورةٍ كبيرةٍ. وَيُقَدَّرُ اليومَ أَنَّ أَكثرَ منْ 91 مليونَ طِفْلٍ سَنَوِيًّا كانوا سَيُصابُونَ بمشاكلَ تعليميةٍ وَنَقْصٍ في القُدُراتِ الذِّهْنِيَّةِ لَوْلا هذا الإجْراءِ، وَلأَنَّ مِلحَ الطعامِ يَصِلُ الفَقيرَ وَالغَنِيَّ، كانَ نَفْعُ مِثْلِ هذا الإجراءِ عامًّا. وَكَذلِكَ الأمرُ بالنسبةِ لإضافَةِ فيتامين “دِي” إلى حليبِ البقرِ في الولاياتِ المتحدةِ، فَقَدْ أَدَّى هذا الإجراءُ العامُّ مَطْلِعَ ثلاثيناتِ القرنِ الماضي إلى تَحَوُّلِ مَرَضِ الكُساحِ إلى مَرَضٍ نادِرٍ في الولاياتِ المتحدةِ.

وَمِنْ مجالاتِ الرعايةِ الصحيةِ العامةِ في الدولةِ الإسلاميةِ: 1- حماية البيئة. 2- البيطرة. 3- الرقابة الصحية. 4- الحجر الصحي. 5- بنك الدم.

حماية البيئة

خَلَقَ اللهُ سبحانه وتعالى الإنسانَ مِنَ الأرْضِ، وَاسْتَعْمَرَهُ فيها، وَسَخَّرَ لهُ كلَّ ما في الكونِ لِيَنْتَفِعَ بِهِ ويستفيدَ منهُ، فَقالَ سبحانه وتعالى: (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ) [هود 61]، وقال سبحانه وتعالى: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ) [الأعراف10]، وقال سبحانه وتعالى: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ) [الجاثية13]، وقال سبحانه وتعالى أيضًا: (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [النحل 14].

ولا قِيَامَ للإنسانِ بِغَيْرِ الوَسَطِ وَالبيئَةِ التي خُلِقَ فيها وسُخِّرَتْ لَهُ، وصَلاحُ الإنسانِ وَصِحَّتِهِ مِنْ صَلاحِ هذِهِ البيئَةِ واستِمْرارِها على طَبيعَتِها. قالَ سبحانه وتعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ) [الملك 30]، وقال سبحانه وتعالى أيضًا: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ، قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) [القصص].

وَتَشْتَمِلُ البيئةُ على عواملَ فِيزْيَائِيَّةٍ وَكِيمْيَائِيَّةٍ وَبيُولوجِيَّةٍ تُؤَثِّرُ على الصِّحَّةِ بِشَكْلٍ مُباشِرٍ، بلْ إِنَّ تَأْثيرَها على الصحةِ يَأْتي في المرتبةِ الثانيةِ مِنْ حيثُ الأهميةُ بعدَ أنماطِ الحياةِ والسلوكِ الذي يَتَّبِعْهُ الفَرْدُ. ففي سنةِ 2002م كانَ مَرَدُّ ثُلُثِ الأَمْراضِ أَلتي يُعاني منها الأَطفالُ دونَ سِنِّ الخامسةِ في العالمِ إلى عواملَ بيئيةٍ مثل المياهِ غيرِ النَّقِيَّةِ وتلوُّثِ الهواءِ، وتسبَّبَتْ هذهِ العواملُ بِشَكْلٍ مُباشرٍ بِثُلُثِ حالاتِ الوَفِياتِ والأمراضِ التي حَدَثَتْ في البُلْدانِ الأَقَلِّ نُمُواً. وَوَفْقَ منظمةِ الصحةِ العالميةِ فَإِنَّهُ منَ المُمْكِنِ إِنقاذُ أربعةِ ملايينَ منَ الأطفالِ دونَ سِنِّ الخامسةِ كلَّ عامٍ -في البُلدانِ النَّامِيَةِ بالدَّرَجَةِ الأُولى- بِتَوَقِّي المَخاطِرِ البيئِيَّةِ مثلِ المياهِ غيرِ النَّقِيَّةِ وَتَلَوُّثِ الهَواءِ.

وقدْ حرَّمَ الإسلامُ الإضْرارَ بالبيئَةِ، لأَنَّ بِها قِوامَ الإنسانِ، وتوعَّد اللهُ سبحانه وتعالى المُفسِدَ للطبيعةِ والبيئةِ بالعقابِ، فقالَ سبحانه وتعالى: (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ) [البقرة 205]، فَذَكَرَتِ الآيةُ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ، وَإِهْلاكَ الْحَرْثِ، وَهُوَ مَحَلُّ نَمَاءِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ، وَالنَّسْلِ وَهُوَ نِتَاجُ الْحَيَوَانَاتِ الَّذَيْنِ لا قِوَام لِلنَّاسِ إِلا بِهِمَا، وإهلاكُ الحرثِ والنَّسْلِ كِنايَةٌ عَنِ اختلالِ ما بِهِ قِوَامُ أحوالِ الناسِ، وكانوا في السابقِ أَهْلَ حَرْثٍ وَماشِيَةٍ، فَلَيْسَ المُرادُ خُصوصَ هذَيْنِ، بلِ المُرادُ ضَياعُ ما بِهِ قِوَامُ الناسِ، وهذا جارٍ مَجْرَى العِلَّةِ، فَيُقَاسُ عَلَيْهِ الإضرارُ بالبيئَةِ أَيْضًا. وقالَ الطَّبَرِيُّ والسُّيُوطِيُّ أَنَّ المَعْنِيَّ في الآيةِ هُوَ الأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ الثّقَفِيِّ فِي إِحْرَاقه الزَّرْعَ وَقَتْلِهِ الْحُمُرَ، فَقَدْ أَقْبَلَ إِلى النبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في المدينةِ وقالَ: “جِئْتُ أُرِيدُ الإِسلامَ، وَيَعْلَمُ اللهُ أَني لَصادِقٌ”. فَأَعْجَبَ النَّبِيَّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلكَ مِنْهُ، ثمَّ خرجَ من عندِ النبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، فمَرَّ بِزَرْعٍ لِقَوْمٍ مِنَ المسلمينَ وَحُمُرٍ، فأحرق الزَّرْعَ وَعَقَرَ الحُمُرَ. غيرَ أنَّ اللفظَ في الآيَةِ عامٌّ، والقاعدةُ تَقْضِي أنَّ العِبْرَةَ بِعُمومِ اللَّفْظِ لا بِخُصوصِ السَّبَبِ، وَلذلكَ كانتِ الآيَةُ عَامَّةً لِجَمِيعِ النَّاسِ، فَمَنْ عَمِلَ مِثْلَ عَمَلِ الأَخْنَسِ اسْتَوْجَبَ اللَّعْنَةَ وَالْعُقُوبَةَ. والآيَةُ دالَّةٌ على أنَّ منْ يَتَسَبَّبُ في مثلِ ذلكَ مُسْتَحِقٌّ للعقابِ في الآخرةِ، ولذلكَ جاءت خاتمة الأية: (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ) تحذيرًا وتوبيخًا، وَهذِهِ قَرِينَةٌ عَلى أَنَّ النَّهْيَ جَازِمٌ.

مِنْ هُنا فإِنَّ الحفاظَ على البيئةِ وحمايَتَها منَ التَّلَوُّثِ والآفاتِ يُعْتَبَرُ مِنْ أهَمِّ رَكائِزِ الرِّعايَةِ الصحيَّةِ، ويَتِمُّ ذلكَ منْ خِلالِ قيامِ الدولةِ بالأُمورِ التالِيَةِ:

1- التقليل من التلويث الصناعي:

الصِّناعةُ أساسٌ هامٌّ مِنْ أُسُسِ الحياةِ الاقتصاديَّةِ لأيَّةِ أُمَّةٍ أو أَيِّ شعبٍ في أيِّ مُجْتَمَعٍ، وفوقَ ذلكَ، فإنَّ كَوْنَ الدولةِ الإسلاميةِ دولةً صاحبةَ رسالةٍ تحملُ الإسلامَ إلى باقي الأمَمِ بالدعوةِ والجهادِ، يَقْتَضِي أنْ تكونَ الصناعَةُ في هذه الدولةِ مَبْنِيَّةً على أساسِ الصناعةِ الحربيةِ وأَنْ تكونَ على أَرْفَعِ دَرَجَةٍ مِنَ التقدُّمِ والتطوُّرِ، قال سبحانه وتعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ) [الأنفال 60].

إلا أنَّ الصناعةَ الحديثةَ تُنْتِجُ انْبِعاثاتٍ مختلفةٍ في الهواءِ، وَتَدَفُّقَاتٍ سائِلَةٍ في الأنهارِ والبحارِ والمياهِ الجوفيَّةِ، ومُخَلَّفاتٍ صُلْبَةٍ أُخرى، وهنالكَ أيضًا الفَضَلاتُ المُشِعَّةُ الناتِجَةُ عنِ الصناعاتِ النَّوَوِيَّةِ. وكلُّ هذهِ الانبعاثاتِ والمخلفاتِ تؤثِّرُ بِصورةٍ أوْ بِأُخْرَى على صحةِ الإنسانِ وتُؤَدِّي إلى تَلَوُّثِ البيئةِ وإفسادِها. ولذلكَ كانَ فرضًا على الدولةِ أنْ تُقَلِّلَ أوْ تُعالِجَ هذهِ الفَضَلاتِ الصِّناعِيَّةِ بصورةٍ تُحافِظُ على البيئةِ وصِحَّةِ الرَّعِيَّةِ، قالَ (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما رواهُ الإمامُ البخاري: “الإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ”. ورَوى مُعاذُ بنُ جَبَلٍ (رضي الله عنه)، عنِ النبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قَوْلَهُ: “اتَّقُوا الْمَلاعِنَ الثَّلاثَ: الْبَرَازَ فِي الْمَوَارِدِ وَالظِّلِّ وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ”، رواهُ ابنُ ماجةَ في سُنَنِهِ بسَنَدٍ حَسَّنَهُ الألبانيُّ. والحديثُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ في الفضلاتِ الصِّناعيَّةِ، ولكنَّ النهْيَ وَرَدَ لِمَنْعِ الضَّرَرِ اللاّحِقِ بالمسلمينَ، فَيَكونُ عِلَّةً يُقاسُ عَلَيْها كُلُّ ما آذى المُسْلِمينَ في مَوارِدِهِم العامَّةِ وبِيئَتِهِم وَطُرُقِهِم. وقدْ جعلَ الرسولُ (صلى الله عليه وآله وسلم) إماطَةَ الأَذى (مُطْلَقَ الأَذى) ‏عنِ الطريقِ مِنْ شُعَبِ الإيمانِ، فقالَ (صلى الله عليه وآله وسلم): “الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ -أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ- شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ”، رواهُ مُسْلِمٌ. وَفَوْقَ ذلكَ فَالقاعِدَةُ الشَّرْعِيَّةُ وَالحديثُ “لا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ” يُوجِبُ إِزالَةَ الضَّرَرِ الحاصِلِ مِنَ المُخَلَّفاتِ الصِّناعِيَّةِ.

ويكونُ عِلاجُ هذِهِ المُشْكِلَةِ في الدولةِ الإسلاميةِ بِتَخْصِيصِ مَناطِقَ صِناعِيَّةٍ بَعيدَةٍ عنِ المناطقِ السَّكَنِيَّةِ لِلصناعاتِ المُلَوِّثَةِ، ومُراقَبَةِ المُنْشَآتِ الصِّناعِيَّةِ والزِّراعِيَّةِ وَأَيَّةِ مَصادِرَ أُخْرى لِلتَّلَوُّثِ، وإلزامِ تلكَ المنشآتِ والمصادرِ -سواءَ ما كانَ منْها داخلاً في المُلْكِيَّةِ الخاصَّةِ أمِ العامَّةِ- باتِّباعِ أَساليبِ وَنُظُمِ الإنْتاجِ النَّظيفِ، كَوِحْداتِ مُعالَجَةِ الفضلاتِ الصناعيةِ، وَبِعَدَمِ السَّماحِ بِتَسَرُّبِ المُلَوِّثاتِ للبيئةِ المحيطةِ بِما يَتَعَدَّى الحدودَ المسموحَ بِها، وهذهِ الحدودُ يقومُ بِتَعْيينِها أَهْلُ الاخْتِصاصِ منَ العُلماءِ، بِحَيْثُ يُسمحُ فقطْ بالحدِّ الأَدْنى مِنَ الانْبِعاثاتِ والفَضَلاتِ التي لا تُؤَثِّرُ على التَّوازُنِ البيئِيِّ.

كما وتهتمُّ الدولةُ بإنشاءِ مصانعَ لإعادةِ تصنيعِ الفضلاتِ الصناعية المباحة واستِغْلالِها ثانيةً كَأَشْكالٍ جديدةٍ منَ المادةِ والطاقةِ، وهو ما يُسَمَّى بِإعادَةِ التَّدْويرِ، للتقْليلِ منْ كميَّةِ المُخَلَّفاتِ الصناعيةِ. وما يَتَبَقى بعدَ ذلكَ مِنْ هذهِ المُخَلَّفاتِ غَيْرِ القابِلَةِ لِلاسْتِغْلالِ أَوِ التَّدْوِيرِ، فَإِنَّهُ يَتِّمُ التَّخَلُّصُ مِنْهُ بالدَّفْنِ في المناطِقِ النَّائِيَّةِ. وَيَتِمُّ إنْشاءُ فريقٍ مِنَ العلماءِ لدراسةِ واستحداثِ سُبُلٍ جديدةٍ للتخلُّصِ منْ هذهِ المُخَلَّفاتِ غَيْرِ القابِلَةِ لِلاسْتِغْلالِ أَوِ التَّدْوِيرِ وإزالةِ خَطَرِها وضَرَرِها عَنِ الرَّعِيَّةِ.

وبما أنَّ التلويثَ البيئِيَّ منَ المُخالفاتِ الَّتي تَضُرُّ بالجَماعَةِ، فَإِنَّ قاضيَ الحِسْبَةِ في الدَّوْلَةِ الإسلاميةِ هوَ المسؤولُ عنْ مُراقَبَةِ المصانِعِ والمُنْشَآتِ، للحدِّ منَ الانْبِعاثاتِ الضَّارَّةِ بالبيئةِ، وَيُمْكِنُهُ أنْ يستعينَ بأهلِ العلمِ والمُخْتَصينَ بالبيئةِ للقيامِ بذلكَ، بلْ يَجِبُ عليهِ الاستعانةُ بهمْ لأنَّ ما لا يتمُّ الواجِبُ إِلا بِهِ فَهُوَ واجِبٌ. وَتُحَدَّدُ عُقوباتٌ تَعْزيرِيَّةٌ رادِعَةٌ بِحَقِّ أصحابِ المصانِعِ في حالِ تَعَدِّيهِم الحدَّ المسموحَ بِهِ منَ الانْبِعاثاتِ الصناعيةِ، ويُغْلَقُ المصنعُ إِنْ لَمْ تَرْدَعْهُ العُقُوباتُ وَاسْتَمَرَ في تلويثِ البيئَةِ.

والبيئةُ الطَّبيعِيَّةُ لا تُحَدُّ بِحُدودِ الدَّوْلَةِ، والمُخَلَّفاتُ المُلَوِّثَةُ منْ دولةٍ مُعَيَّنَةٍ قَدْ تؤثِّرُ على البيئةِ في الدُّوَلِ المُجاوِرَةِ، خُصوصًا إِذا انْتَقَلَتِ المُلَوِّثاتُ عبرَ الهواءِ أوْ مجارِي المِياهِ. ولذلكِ يجبُ على الدولةِ الإسلاميةِ مَنْعُ الدُّوَلِ المجاوِرَةِ مِنْ تَلْويثِ البيئةِ ومَنْعُها مِنْ إِلْقاءِ مُخَلَّفاتِها الصناعيَّةِ في أَراضي الدولةِ الإسلاميةِ، وَيُعْتَبَرُ أيُّ تجاوزٍ لهذهِ الشُّروطِ مِنْ قِبَلِ الدُّوَلِ المجاوِرَةِ تَعَدِّيًا على الدولةِ الإسلاميةِ ورَعاياها يَسْتَوْجِبُ إِعْلانَ الجِهادِ والحَرْبِ أوْ تَراجُعَ تلكَ الدُّوَلِ عَنِ التَّلْويثِ.

أَمَّا فيما يخصُّ الاتفاقياتِ والمعاهداتِ الإقليميةِ والدوليةِ بخُصوصِ التلويثِ الصِّناعِيِّ، كبروتوكولِ كيوتو الخاصِّ بِالاحْتِباسِ الحَرَارِيِّ والمُلْحَقِ باتِّفاقِيَّةِ تَغَيُّرِ المناخِ 2003م، واتفاقيةِ استوكهولم لِلْمُلَوِّثاتِ العُضْوِيَّةِ الثَّابِتَةِ سنة 2004م وغيرِها مِنَ الاتفاقياتِ، فَيُنْظَر، فما كانَ منْ هذهِ الاتفاقياتِ والمعاهداتِ تَحْتَ مِظَلَّةِ المُنَظَّماتِ الَّتي تقومُ على غيرِ أساسِ الإسلامِ أوْ تُطَبِّقُ أَحْكامًا غيرَ أَحْكامِ الإسلامِ، كَهَيْئَةِ الأُمَمِ المُتحدةِ ومحكمةِ العدلِ الدَّوْلِيَّةِ وصُندوقِ النَّقْدِ الدَّوْلِيِّ، والبنكِ الدَّوْلِيِّ، وكالمنظماتِ الإقليميةِ مثل الجامِعَةِ العربِيَّةِ وغيرِها، فإنه لا يجوزُ للدولةِ أَنْ تَشْتَرِكَ فيها إِنِ اشْتُرِطَ عليها أَنْ تَكُونَ عُضْوًا في هذهِ المنظماتِ. وَحَتَّى لَوْ لَمْ يُشْتَرَطْ على الدولةِ الإسلاميةِ أَنْ تَنْضَمَّ إِلى هذهِ المنظماتِ، فإِنَّ عَقْدَ اتفاقياتٍ ومعاهداتٍ مَعَ هذهِ المنظماتِ يُساهِمُ في تَقْوِيَتِها مَعْنَوِيًّا.

وذلكَ لأَنَّ الموضوعَ الذي قامَتْ عَلَيْهِ مثلُ هذهِ المُنَظَماتِ الدوليةِ والمُنظماتِ المحليَّةِ يُحَرِّمُهُ الشَّرْعُ، فهيئةُ الأُمَمِ تقومُ على أساسِ النِّظامِ الرأْسمالِيِّ وهو نظامُ كُفْرٍ، علاوةً على أنَّها أداةٌ في يدِ الدولِ الكُبرى ولا سِيَّما أميركا، تُسَخِّرُها مِنْ أَجْلِ فَرْضِ سيطَرَتِها على الدولِ الصُّغْرى، ومنها الدولُ القائِمَةُ في العالمِ الإسلاميِّ. لذلكَ نرى أنَّ الدولَ الكُبرى تُوَقِّعُ على الاتفاقياتِ التي تَضْمَنُ مصالِحَها على حسابِ باقي الدولِ فَقَطْ، وعلى سبيلِ المثالِ فإِنَّ أميركا رفضَتِ التوقيعَ على بروتوكولِ كيوتو الذي يَتَضَمَّنُ تخفيضَ انبِعاثاتِ الغازاتِ السَّامَةِ مِنْ قِبَلِ الدُّوَلِ الصِّناعِيَّةِ بِنِسْبَةِ 5.2 بالمائة، خوفًا منْ أَنْ تَتَأَثَّرَ صناعاتُها، عِلْمًا أنَّ أَميركا مَسؤُولَةٌ عنْ رُبْعِ كَمِّيَّاتِ الغازاتِ الصناعيةِ المُنْبَعِثَةِ في الجَوِّ.

وَلِذلِكَ يُعْمَلُ على هَدْمِ هذِهِ المنظماتِ بَدَلَ تَقْوِيَتِها بِعَقْدِ المعاهداتِ والاتفاقياتِ مَعَها، وَعَلَى استبدالِها بِمُنَظَّمَةٍ عالميَّةٍ جديدةٍٍ، لا يكونُ للدولِ العُظْمَى عَلَيْها هَيْمَنَةٌ وَلا سُلْطانٌ، وَلا تكونُ بمثابَةِ دولَةٍ عالميَّةٍ، بَلْ تقومُ هذهِ المُنَظَّمَةُ الجديدةُ على احترام قواعد متعارف عليها من جميع المجموعات البشرية، ويقرها الإسلام، مثل انصاف المظلوم ومنع الظلم وما يسمى بحصانة السفراء… وهكذا، ومن ثم َإِشاعَةِ العَدْلِ بَيْنَ البشريَّةِ جمعاءَ، بِمَا لَهَا مِنْ قُوَّةٍ مَعْنَوِيَّةٍ تَتَمَتَعُ بِها، وَمِنْ قُوَّةِ رَأْيٍ عامٍّ عالميٍّ يُؤَازِرُها وَيُوَلِّيها تَأْيِيدَهُ وَيَمْنَحُها احتِرامَهُ وَثِقَتَهُ، لِكَوْنِها منظمةً لا تَعْمَلُ لحسابِ دولةٍ مِنَ الدُّوَلِ، وَإِنَّما تعملُ لمصلحةِ البشريةِ جمعاءَ، وتكونُ مِثْلَ حِلْفِ الفُضُولِ الذي قامَ قَبْلَ البِعْثَةِ، حيث تعاهدوا فيه على رفع الظلم وإنصاف المظلوم، وقد حَضَرَهُ رَسولُ اللهِ ص وَقالَ عَنْهُ بَعْدَ البِعْثَةِ: “لَقَدْ شَهِدْتُ فِي دَارِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ جُدْعَانَ حِلْفًا مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهِ حُمْرَ النَّعَمِ، وَلَوْ أُدْعَى بِهِ فِي الإِسْلامِ لأَجَبْتُ”، رَواهُ ابنُ هشامٍ في سيرتِهِ. وَرَوى أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ عوفٍ (رضي الله عنه) عَنِ الرسولِ (صلى الله عليه وآله وسلم) قالَ: “شَهِدْتُ حِلْفَ الْمُطَيَّبِينَ مَعَ عُمُومَتِي وَأَنَا غُلامٌ، فَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي حُمْرَ النَّعَمِ وَأَنِّي أَنْكُثُهُ”، والحديثُ صَحَّحَهُ الألبانيُّ في السلسلةِ الصحيحةِ، والمقصودُ بِحِلْفِ الْمُطَيَّبِينَ في الحديثِ هُوَ حِلْفُ الفُضُولِ، لأنَّ أَصْحابَهُ هُمْ في الأصْلِ مِنْ جَماعَةِ المُطَيَّبِينَ، والرَّسولُ (صلى الله عليه وآله وسلم) لَمْ يَشْهَدْ حِلْفَ المُطَيَّبِينَ.

أَمَّا مُعاهداتُ واتفاقياتُ مَنْعِ التَّلَوُّثِ البيئِيِّ التي تعقِدُها دولةُ الإسلامِ معَ غَيْرِها منَ الدُّوَلِ خارِجَ مِظَلَّةِ المُنَظَّماتِ الدُّوَلِيَّةِ، فهيَ جائِزَةٌ إِنْ كانَ موضوعُ التعاقُدِ قَدْ أَجازَهُ الشَّرْعُ، وَكانَتْ هذِهِ المعاهداتُ لا تُؤَثِّرُ على كيانِ الدولةِ، ولا تُنْقِصُ مِنْ سُلْطانِها الداخلِيِّ والخارجِيِّ، ولا تجعلُ للكافرِ سُلطانًا عَليها، كأنْ تُخْرِجَ الموادَّ الخامَّ منَ البلادِ، أوْ تُسَبِّبَ إِقْفَالَ مصانعِ البلادِ أوْ ما شاكَلَ ذلكَ. وَإِنَّما تُحَدَّدُ المعاهداتُ بِما لا ضَرَرَ مِنْهُ وتُمْنَعُ مِنْ كُلِّ ما فيهِ ضَرَرٌ عملاً بالقاعِدَةِ الشرعيةِ “كُلُّ فَرْدٍ مِنْ أفرادِ المُباحِ إِذا كانَ يُؤَدِّي إلى ضَرَرٍ يُمْنَعُ ذلِكَ الفَرْدُ ويَبْقى الأَمْرُ مُباحًا”. وَهذِهِ القاعدةُ اسْتُنْبِطَتْ منْ مَنْعِ الرَّسولِ (صلى الله عليه وآله وسلم) أفرادَ الجيشِ أنْ يَخْرُجُوا مُنْفَرِدِينَ لَيْلاً وَهُوَ في طَريقِهِ إلى تبوكَ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ إِنَّما حَرَّمَ على الجيشِ الخروجَ مُنْفَرِدينَ لِما ثَبَتَ لَهُ فيهِ مِنْ ضَرَرٍ، فَكانَ الضَّرَرُ في هذا الأَمْرِ المُعَيَّنِ هوَ سَبَبُ تحريمِهِ، فكأَنَّهُ كانَ عِلَّةً. ووجودُ الضَّرَرِ في خُروجِ الشخصِ مُنْفَرِدًا في تلكَ الليلةِ وِمِنْ ذلكَ المكانِ حَرَّمَا خُروجَ الشَّخْصِ منفرداً هناكَ في تِلْكَ الليلةِ، وَلكِنْ ظَلَّ خُروجُ الشَّخْصِ مُنْفَرِدًا مُباحًا في غيرِ ذلكَ المكانِ وفي غيرِ تلكَ الليلةِ. وَإِذَنْ، وجودُ الضررِ لمْ يُحَرِّمْ ما أَباحهُ الشرعُ، وَإِنَّما وُجودُ الضررِ في فَرْدٍ منْ أَفْرادِهِ يُحَرِّمُ ذلكَ الفردَ ولكنْ يَظَلُّ الأَمْرُ مُباحًا.

والدليلُ على جَوازِ عقدِ المعاهداتِ البيئيةِ مَعَ الدولِ، هو دليلُ جوازِ عَقْدِ المعاهداتِ العامّ، كقولِهِ سبحانه وتعالى: (إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ) [النساء 90]، وقولِهِ سبحانه وتعالى: (وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ) [النساء92] وقَولِهِ سبحانه وتعالى: (وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ) [الأنفال72]، والميثاقُ في هذهِ الآياتِ هوَ المعاهدةُ. كما أنَّ الرسولَ (صلى الله عليه وآله وسلم) عَقَدَ معاهدةً مَعَ يُحَنَّةَ بْنِ رُؤْبَةَ، صَاحِبِ أَيْلَةَ، وعقدَ معاهدةً معَ بَني ضَمْرَةَ.

وتُطَبَّقُ في هذهِ المعاهداتِ الشروطُ التي تَضَمَّنَتْها، ويجبُ أَنْ يتقيَّدَ المسلمونَ بهذهِ الشُّروطِ لقولِهِ (صلى الله عليه وآله وسلم): “المسلمونَ عِنْدَ شُروطِهِم”، صَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ، على أنْ لا يكونَ هذا الشرطُ مُناقِضًا للإسلامِ، فإنْ كانَ مُناقِضًا للإسلامِ رُفِضَ لِقَوْلِهِ (صلى الله عليه وآله وسلم): “كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ”، رَواهُ ابنُ ماجه وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ، فيقومُ المسلمونَ بتنفيذِ هذهِ الشروطِ حسبَ ما وردتْ في نُصوصِ المعاهداتِ على أَنْ لا تُخالِفَ الإسلامَ.

2- نظافة مصادر المياه وجودة ماء الشرب:

الماءُ مادةٌ ضروريَّةٌ لا تقومُ حياةٌ بدونِها، ولا يستوي أيُّ كائِنٍ إنْ لم يتوَّفَر لهُ الماءُ الصالحُ، يقولُ الله سبحانه وتعالى: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ) [الأنبياء30]، وقال سبحانه وتعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ، يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [النحل].

وكما أنَّ الماءَ ضَروريٌّ لكُلِّ كائِنٍ حيٍّ، فهوَ ضروريٌّ لوجودِ الحياةِ الجماعيَّةِ واستمرارِها، لأنهُ مَرْفِقٌ منْ مَرافِقِ الجماعةِ، إنْ لمْ يتوَّفَر تفرَّقتِ الجماعةُ في طلبِهِ، لذلكَ جاءَ الشرعُ بمجموعةٍ منَ الأحكامِ الخاصَّةِ بهذا المَوْرِدِ الحيَوِيِّ، لِضَمانِ حِفْظِهِ وتوفيرِهِ صالِحًا لكُلِّ الرَّعِيَّةِ. فقدْ عَدَّ الإسلامُ الماءَ ملكيَةً عامةً لتمكينِ جميعِ أفرادِ الرَّعِيَّةِ مِنَ الانتفاعِ بِهِ، فعنْ أَبي خِدَاشٍ عنْ بعضِ أَصحابِ النبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قالَ: “غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ثَلاثًا أَسْمَعُهُ يَقُولُ: الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلاثٍ، فِي الْكَلإِ وَالْمَاءِ وَالنَّارِ”، رواهُ أبو داودٍ في سُنَنِهِ وصَحَّحَهُ الألْبانِيُّ، وفي رِوايةٍ أُخْرى:“النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلاثٍ”. وروى ابنُ ماجةَ بسندٍ صَحَّحَهُ الألبانيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رضي الله عنه) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) قَالَ: “ثَلاثٌ لا يُمْنَعْنَ: الْمَاءُ وَالْكَلأُ وَالنَّارُ”، ورَوى البُخارِيُّ في صَحيحِهِ أنَّ رسولَ اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) قالَ: “ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ” وَمِنْهُم: “رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِطَرِيقٍ يَمْنَعُ مِنْهُ ابْنَ السَّبِيلِ”، وروى أحمدُ في مُسندِهِ عنْهُ عليْهِ وآلِهِ أفضَلُ الصَّلاةِ والتَّسْليمِ: “لا يُمْنَعُ نَقْعُ مَاءٍ فِي بِئْرٍ”، والحديثُ صَحَّحَهُ حَمْزَةُ أَحْمَدُ الزَّيْنُ وأَخرجَهُ الحاكمُ وقالَ: “صحيحُ الإسناد”، وَذَكَرَ الشَّوْكانِيُّ في نيلِ الأوطارِ بسندٍ صحيحٍ عَنْ عُبادَةَ بنِ الصَّامِتِ أنَّ رسولَ اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) قَضَى بينَ أَهلِ المدينةِ في النَّخْلِ أنْ لا يُمْنَعَ نَقْعُ بِئْرٍ، وَقَضَى بَيْنَ أَهْلِ البادِيَةِ أنْ لا يُمْنَعَ فَضْلُ ماءٍ لِيُمْنَعَ الكَلأُ. ونَقْعُ البئرِ- الماءُ المُجْتَمِعُ فيها قَبْلَ أَنْ يُسْتَقَى.

ونلاحظُ أنَّ المسلمينَ قدْ أدركوا أهميةَ الماءِ منذُ نشوءِ الدولةِ الإسلاميةِ في المدينةِ، فقدْ روى الأمامُ أحمد بسندٍ صَحَّحَهُ أَحْمَدُ شاكِر عنْ عثمانِ بنِ عفانٍ (رضي الله عنه) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ لَمْ يَكُنْ فِيهَا بِئْرٌ يُسْتَعْذَبُ مِنْهُ إِلا رُومَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم): “مَنْ يَشْتَرِيهَا مِنْ خَالِصِ مَالِهِ فَيَكُونَ دَلْوُهُ فِيهَا كَدُلِيِّ الْمُسْلِمِينَ وَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ؟” فَاشْتَرَاهَا عثمانُ (رضي الله عنه) مِنْ خَالِصِ مَالِهِ. وقد نزلَ الرسولُ (صلى الله عليه وآله وسلم) عندَ رأْيِ الحُبابِ بن المنذرِ بأَنْ يُعَسْكِرَ الجيشُ في بَدْرٍ عندَ أَدْنى ماءٍ منَ القومِ، ثمَّ يُغَوِّرُوا ما وَراءَهُ منَ الآبارِ، ويَبْنُوا عليهِ حوضًا يَمْلَؤُوهُ ماءً حتى يشربَ جيشُ المسلمينَ ولا يشربَ المشركونُ.

والماءُ كَما هوَ لازمٌ للشُّرْبِ والطَّهْيِ والتنظيفِ فهو لازمٌ لريِّ المزروعاتِ وتربيةِ الحيواناتِ ولإقامةِ الصِّناعاتِ، ولكلِ نوعٍ مواصفاتٌ تختلفُ باختلافِ استخداماتِهِ.

وقد يتلوَّثُ الماءُ بفعلِ الإنسانِ نتيجةً لمِا يستخدمهُ منْ مَواد في الصناعةِ والزراعةِ، كالمعادن الثقيلة مثل الرَّصاصِ والزِّئْبَقِ، والكيماوياتِ والمُرَكَّباتِ الخَطِرَةِ مثل المبيداتِ الحشريةِ والمُخَصِّباتِ. وقد يتلوثُ الماءُ أيضًا نتيجةً لمَوادٍ طبيعيةِ المَنْشَأ، مثل معدنِ الزِّرْنِيخِ أو الكائناتِ الدقيقةِ المُسَبِّبَةِ للأمراضِ منْ بكتيريا وفيروساتٍ وطُفَيْلِيَّاتٍ كالكائناتِ أُحادِيَّةِ الخلِيَّةِ والدِّيدانِ. وهذهِ المُلَوِّثاتُ تجعلُ الماءَ غيرَ صالحٍ للاستخدامِ. ويمكنُ تشخيصُ بعضِ الملوثاتِ بسهولةٍ بتَقْييم طَعْمِ ورائحةِ ودرجةِ تَعَكُّرِ المياهِ، غيرَ أَنَّ اكتشافَ بعضِها يَتَطَلَّبُ اختباراتٍ خاصَّةً للكشفِ عمَّا إذا كانتِ المياهُ ملوثةً أم لا. وإذا تُرِكَتْ هذهِ الملوثاتُ دونَ معالجةٍ فمنَ المُمْكِنِ أنْ تُسَبِّبَ طائفةً كامِلَةً منَ الأمراضِ المُتعلقةِ بالماءِ، والتي تُلْحِقُ ضَرَرًا كَبيرًا بصحَّةِ الإنسانِ. وَوَفْقَ منظمةِ الصحةِ العالميةِ، فإِنَّّ أكثرَ منْ مليارِ نسمةٍ على مُستوى العالمِ محرومونَ منْ مياهِ الشُّربِ النظيفةِ، ويموتُ سَنَوِيًّا ما لا يَقِلُّ عنْ أربعةِ ملايينَ شخصٍ مُعظمُهُم منَ الأطفالِ بسببِ الأمراضِ الناتجةِ عنْ تلوُّثِ مياهِ الشُّرْبِ، كأمراضِ الحُمَّى التِّيفِيَّةِ والكوليرا وداءِ المُنْشَقَّاتِ (البَلْهارِسْيا) والزُّحَارُ (الدُّوسِنْطَّارْيا) وأَمْراضِ الإِسْهالِ الأُخْرى.

وقد أمرَ الإسلامُ بالحفاظِ على جودةِ المياهِ ونَظافَتِها، وحذَّرَ أشدَّ التحذيرِ منْ تلويثِ مصادرِ المياهِ، فعنْ معاذٍ بنِ جبلٍ (رضي الله عنه) قالَ: لقد سمعتُ رسولَ اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) ‏يقولُ: “اتَّقُوا الْمَلاعِنَ الثَّلاثَ: الْبَرَازَ فِي الْمَوَارِدِ وَالظِّلِّ وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، رواهُ ابنُ ماجةَ في سُنَنِهِ بسَنَدٍ حَسَّنَهُ الألبانيُّ، وقالَ (صلى الله عليه وآله وسلم): “لا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ”، رواهُ مسلمٌ في صحيحِهِ، وروَى ابنُ ماجةَ بسندٍ صَحَّحَهُ الألبانيُّ عنْ جابرِ بن عبدِ اللهِ (رضي الله عنه) أنَّهُ قالَ: “أَمَرَنَا النَّبِيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أَنْ نُوكِيَ أَسْقِيَتَنَا وَنُغَطِّيَ آنِيَتَنَا”، وذلكَ حِفْظًا لِمَا تحويهِ هذهِ الآنيةُ منَ الماءِ.

ولذلكَ كانَ منَ الواجبِ على الدولةِ الإسلاميةِ أنْ تهتمَّ بنظافةِ مصادرِ المياهِ ومُراقَبَةِ جَوْدةِ ماءِ الشُّرْبِ وخُلُوِّهِ منَ الملوِّثاتِ، عنْ طَريقِ إِنْشاءِ مختبراتٍ خاصةٍ لهذا الهدفِ، وإقامةِ مَحَطَّاتٍ لمُعالجَةِ المياهِ وتَطْهيرِها منَ المُلَوِّثاتِ، لأنَّ الرَّاعِيَ -وهوَ الإمامُ- مَسْؤُولٌ عنْ رَعِيَّتِهِ، وَانطِلاقًا مِنَ القاعدةِ الشرعيةِ الواسعةِ القاضيةِ بأنْ لا ضَرَرَ وَلا ضِرارَ، وَتَطْبيقًا للأحاديثِ السابقةِ التي تُحَرِّمُ تلويثَ المياهِ العامةِ التي هيَ مِلْكٌ لكافةِ المسلمينَ. وَيَتَوَلَّى جهازُ الحسبةِ في الدولةِ الإسلاميةِ مراقبةَ المياهِ وجودَتِها وتقريرِ عقوبةِ الأفرادِ أوِ الشركاتِ والمصانعِ التي تُلَوِّثُ مصادرَ المياهِ بحيثُ تكونُ العقوبةُ رادِعَةً ومُزيلةً للتَّلَوُّثِ الحاصلِ.

3- الحفاظ على الغابات والأحراش:

تُشَكِّلُ الغاباتُ والأحراشُ الطبيعيةُ رئَةً طبيعيةً مُكَمِّلَةً لدورةِ الحياةِ على الأرضِ، فالنباتاتُ تقومُ بالتقاطِ ثاني أكسيدِ الكربونِ منَ الجوِّ، وامتصاصِ الماءِ والموَّادِ الأساسيةِ منَ التربةِ، وتُحَوِّلُها عنْ طريقِ التمثيلِ الكلوروفيلِيِّ إلى أُكسجين تُطْلِقُهُ في الجوِّ، وإلى موادَ غذائيةٍ تختَزِنُها في الورقِ والثَّمَرِ. ولذلكَ كانتِ الغاباتُ والأحراشُ ضروريةً لبقاءِ الحياةِ واسْتِواءِ نظامِ الطبيعةِ مُتَّزِنًا، حيثُ إنَّ الإنسانَ والحيوانَ بِحاجةٍ إلى هذا الأُكسجين والموادِّ الغذائيةِ، وأَنَّ بعضَ الحيواناتِ تحتاجُ هذه الغاباتِ كأوساطٍ بيئيةٍ تعيشُ فيها. لذلكَ كانَ الحفاظُ على الغاباتِ والأحراشِ لازمًا للحفاظِ على الدورةِ الحياتِيَّةِ، وكانَ على الدولةِ الإسلاميةِ أَنْ تهتمَّ بحمايةِ هذهِ الغاباتِ والأحراشِ منَ القَطْعِ أو الإزالَةِ، وتحمِيَ الكائناتِ الحيَّةِ فيها منَ الصيدِ أوِ التهجيرِ، ما دام هذا لازماً لبقاء الدورة الحياتية الطبيعية مكتملَةً صحيحةً.

وَتُعْتَبَرُ الأحراشُ الطبيعيةُ والغاباتُ من الأَعْيانِ التي تمنعُ طبيعةُ تكوينِها اختصاصَ الأفرادِ بحيازَتِها، ولذلكَ تكونُ منَ الملكياتِ العامَّةِ، ولا يجوزُ لغيرِ الدَّولةِ أنْ يحمِيَ ما هُوَ لعُمومِ الناسِ، لقولِهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما رواهُ أَبو داودٍ في سُنَنِهِ وصحَّحَهُ الألبانيُّ: “لا حِمَى إِلاَّ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ”، أي لا حِمَى إلا للدولَةِ. وللدولةِ أَنْ تحمِيَ منَ الملكياتِ العامةِ ما تحتاجُهُ لمصالحِ المسلمينَ، والدليلُ على ذلكَ أَنَ النبيَّ (صلى الله عليه وآله وسلم) حَمَى النَّقيعَ -هوَ موضعٌ معروفٌ بالمدينةِ- لِخَيْلِ المسلمينَ، كما رَوى أَبو عُبَيْدٍ عنْ ابنِ عمر (رضي الله عنه)، وكذلكَ حَمَى أبو بكرٍ (رضي الله عنه) الرَّبَذَةَ لإبِلِ الصدقةِ، وحَمَى عمر (رضي الله عنه) الشَّرَفَ والرَّبَذَةَ.

والحفاظُ على الدورةِ الحياتيةِ وميزانِ الطبيعةِ بإنشاءِ محمياتٍ طبيعيةٍ وغاباتٍ مِنْ مصالحِ المسلمينَ، لذلكَ تحمي الدولةُ ما يكفي منْ هذهِ المحمياتِ لهذا الهدفِ، وتمنعُ قَطْعَ هذهِ الغاباتِ أوِ الصيدَ فيها. ويكونُ القرارُ بحمايةِ أَرْضٍ مُعينةٍ دونَ أُخْرى راجِعًا لتقديرِ الخليفةِ وَفْقَ ما يَراهُ منْ مصلحةِ المسلمينَ، ولا يُلْتَفَتُ إلى الضغوطِ الدوليَّةِ المُتَذَرِّعَةِ بحمايةِ البيئةِ لتحديدِ ما يُحْمى منْ أراضي الدولةِ الإسلاميَّةِ. وَتُراعى أَيْضًا في حِمايَةِ الأَراضِي وَزِراعَةِ الغاباتِ قَضِيَةُ مُقاوَمَةِ التَّصَحُّرِ، وَتُشَجِّعُ الدولةُ رَعِيَّتَها كذلكَ على زراعةِ المناطقِ التي تُعاني منْ خطرِ التَّصَحُّرِ منعًا لامتدادِهِ.

4- الصرف الصحي:

الصرفُ الصحيُّ هوَ الإدارةُ السليمةُ بيئيًّا وصحيًّا للنفاياتِ، وهوَ يَشْمَلُ تصريفَ مياهِ المجاري والأمطار… ومعالجة مُخَلَّفاتِ الصناعةِ والزراعةِ على نَحْوٍ يحمي البيئةَ وصحةَ الرعيةِ منْ تأثيراتِ هذهِ الفضلاتِ.

وتكمنُ أهميةُ الصرفِ الصحيِّ في الضررِ الجَسِيمِ الذي يمكنُ أنْ يُسَبِّبَهُ سوءُ الإدارةِ في هذا المجالِ على التوازُنِ البيئيِّ وصِحَّةِ الجماعةِ، فالتقديراتُ تُشيرُ إلى أَنَّ  88% منَ العبءِ العالميِّ للأمراضِ يُعْزَى إلى إمداداتِ المياهِ غيرِ المأْمونةِ وانعدامِ الصرفِ الصحيِّ والنظافةِ الصحيةِ. ويعيشُ 2.6 مليارِ شخصٍ في العالمِ -منهمْ مِليارُ طفلٍ على وجهِ التقريبِ- في ظلِّ انعدامِ القواعدِ الأساسيةِ للصرفِ الصحيِّ. وَتُشِيرُ التقاريرُ الغربيةُ إلى أَنَّ طفلاً واحدًا يُفارِقُ الحياةَ كلَّ عشرينَ ثانيةً نتيجةَ رَداءَةِ الصرفِ الصحيِّ، أيْ ما يقاربُ 1.5 مليونَ وفاةٍ سنوياً. وقدْ اعتبرتِ المجلةُ الطبيةُ البريطانيةُ في استطلاعٍ أجرتهُ معَ مجموعةٍ منَ المختصينَ أَنَّ الإنجازَ الصحيَّ الأهمَّ مُنْذُ سنةِ 1840م هوَ الصَّرْفُ الصحيُّ، وقدْ فاقَ في الأهميةِ اكتشافَ المُضَادَّاتِ الحيويةِ وجميعَ إِنجازاتِ القرنِ العشرين الطبيةَ.

لذلكَ كانَ منَ الواجبِ على الدولةِ أَنْ تُهَيِّئ شبكاتٍ للصرفِ الصِّحِّيِّ في التجمعاتِ السَّكَنِيَّةِ لتصريفِ مياهِ المجاري والفضلاتِ، وأنْ تقومَ أيضًا بإنشاءِ مراكزَ لعلاجِ هذهِ الفضلاتِ، بِدَفْنِها أو حرقِها أوْ إعادَةِ تدويرِ النفاياتِ غَيْرِ النجسَةِ منها واستغلالها مُجَدَّدًا، منْ بابِ رعايةِ الشؤونِ ومنعِ الضررِ. ومن هذا البابِ أيضًا ينبغي أنْ تكونَ المزابلُ ومراكزُ مُعالجةِ الفضلاتِ بعيدةً عنْ التجمعاتِ السكنيةِ ومواردِ المياهِ.

أمَّا بالنسبةِ لإعادةِ تدويرِ الفضلاتِ النجسَةِ كالبَرَازِ والبَوْلِ وغيرِها وتحويلِها إلى موادَّ نقيةٍ لاستعمالِها مُجَدَّدًا، فلا يجوزُ شرعًا، لأنَّ النجاساتِ لا يحلُّ الانتفاعُ بها مُطْلَقاً، لا بالاستعمالِ ولا بالبيعِ ولا بالإهداءِ ولا بالإرثِ، ولا تُعدُّ مالاً محترماً مُقوَّماً شرعاً، باستثناءِ جِلْدِ الميتَةِ بعدَ دباغِهِ، لورودِ النصِّ باستثنائهِ، فقدْ جاءَ في السُّنَنِ الكبرى لِلْبَيْهَقِيِّ أنَّ رسولَ اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) قالَ: “طَهُورُ كُلِّ إِهَابٍ دِبَاغُهُ”، وَقالَ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ رُوَاتَهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ.

وعليهِ فإنَّ ما تقومُ بهِ بعضُ الدولِ منْ تَقْطِيرِ الأَبوالِ والعِذَرِ كمياهِ مجاري المُدُنِ لِتَسْتَخْرِجَ مِنْها الماءَ المُقَطَّرَ لاستعماله والانتفاع به هو حرامٌ لا يجوزُ للمسلمينَ أنْ يفعلوهُ، بل الواجب التخلص من هذه النجاسات بدفنها أو حرقها… وإذا رأت الدولة الإسلامية أن التخلص منها بعد تحويلها إلى مواد أساسية هو أفضل للبيئة وإبعاداً للضرر عن الرعية، كتحويلها إلى مياه مقطرة ثم إعادتها للبحار أو دفنها، إذا رأت ذلك، فإنه يجوز للدولة هذا الفعل بالفضلات النجسة للتخلص منها وليس لاستغلالها أو استعمالها. وذلك لأن الحرمة واقعة على الانتفاع بالنجاسة، أما مجرد تكريرها للتخلص منها دون الانتفاع بها، بل لإزالة الضرر الناتج عنها، فلا حرمة فيه.

5- الهندسة الصحية للبيئة السكنية:

إنَّ هندسةَ المُدُنِ والتجمعاتِ السكنيةِ في الدولةِ الإسلاميةِ يجبُ أَنْ تُراعي صحةَ الرعيةِ وراحَتَهُم، وذلكَ بالحدِّ منَ التَّلَوُّثِ وَالضجيجِ والضوضاءِ بأَنْ تكونَ البيوتُ بعيدةً عنِ المصانعِ وورشاتِ العملِ المختلفةِ، وأنْ تكونَ الطرقُ السريعةُ والقطاراتُ والمطاراتُ معزولةً عنِ البيوتِ والسُّكانِ بحواجزَ صَوْتِيَّةٍ.

وعلى الدولةِ أيضًا أنْ تمنعَ الأفرادَ منْ إصدارِ الضجيجِ في أوقاتِ الراحةِ كساعاتِ الليلِ، وقدْ قالَ لُقْمَانُ لابنِهِ وهوَ يَعِظُهُ: (وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) [لقمان 19]. وتقومُ الدولةُ بهذا المنعِ إزالةً للضررِ الواقعِ بالرعيةِ جَرَّاءَ هذهِ الضوضاءِ، ويتولَّى المحتسبُ مسؤوليةَ مُراقبةِ وعلاجِ هذا الجانبِ كَوْنَهُ منَ المخالفاتِ التي تضُرُّ حَقَّ الجماعةِ.

وَقَدْ نَقَلَ الحافِظُ ابنُ حَجَرٍ في الفتحِ عَنْ عُمَرَ بْنِ شَبَّةَ فِي “أَخْبَارِ الْمَدِينَةِ” بِإسْنَادٍ لَهُ إِلَى أَبِي مَوْدُودٍ قَالَ: “رَأَى عُمَر بْنُ الْخَطَّابِ كِيرَ حَدَّادٍ فِي السُّوقِ فَضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ حَتَّى هَدَمَهُ”، ولا يَخْفَى أَنَّ الكيرَ -وَهُوَ الزِّقُّ الَّذِي يَنْفُخُ فِيهِ الْحَدَّادُ أَوْ حانوتُ الحَدَّادِ- يُسَبِّبُ الأَذَى وَيُلَوِّثُ الهَوَاءَ بِدَخَنِهِ وَخُبْثِهِ وَضَجِيجِهِ، وَلِهذا أزالَهُ أميرُ المُؤْمِنِينَ عُمَرُ مِنَ السوقِ لأَنَّهُ مَكَانٌ عَامٌّ يَؤُمُّهُ النَّاسُ.

وتهتمُّ الدولةُ بأنْ تُصَمَّمَ هندسةُ المُدُنِ والتجمعاتِ السكنيةِ بشكلٍ يَسْمَحُ بالتهوِئَةِ السَّليمَةِ، ويمنعُ اكتظاظَ السُّكانِ، وَيُسَهِّلُ عَمَلِيَّةَ الصرفِ الصحيِّ وتنظيفَ الشوارعِ وإزالةَ النفاياتِ.

ويجبُ على الدولةِ أنْ تُراعي المشلولينَ والعميانَ وأصحابِ الإعاقاتِ المختلفةِ بتسهيلِ المواصلاتِ والطُّرُقِ ومُلائَمَتِها لحاجاتهمُ الخاصَّةِ، وخاصةً في المؤسساتِ العامةِ كالمدارسِ وبناياتِ الدولةِ، وهذا منْ رعايةِ الشؤونِ الواجبةِ على الإمامِ. وكذلكَ على الدولةِ أَنْ تَهْتَمَّ بإنشاءِ المُتَنَزَهاتِ والملاعبِ الآمنةِ للأطفالِ وبقيةِ السكانِ بحيثُ لا يتعرضُ الأطفالُ لمخاطرِ اللعبِ في الأماكنِ غيرِ الآمنةِ.

[يتبع]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *