العدد 174 -

السنة الخامسة عشرة رجب 1422هـ – تشرين الأول2001م

الأزَمات الاقتصادية واقعها ومعالجاتها من وجهة نظر الإسلام (5)

         ثالثاًالمشكلة الاقتصادية نتيجة توزيع الثروة.

         كما قلنا إن معالجة الأزمات الاقتصادية النقدية وميزان المدفوعات لا تكفي لحل المشكلة الاقتصادية لأن العلاج ليس موازنة حسابية مجردة، فقد تتساوى الإيرادات والمدفوعات لكن يساء توزيع الثروة. بمعنى أن الإنتاج يكون واسعاً مزدهراً ولكن تذهب معظم السلع والخدمات لشريحة قادرة من الأمة دون أخرى، كما أن الأزمات عادة تخلف بطالة وفقراً بالإضافة إلى المديونية فحل مشكلة المديونية لا يحل بالضرورة مشكلة البطالة والفقر، وقد أوجد الإسلام حلاً شافياً لهذه المشكلة على النحو التالي:

         1 ـ  إيجاد فرص عمل نتيجة السياسة الاقتصادية التي ذكرناها في الزراعة والتجارة والصناعة، وكذلك نتيجة إنشاء المشاريع الواجبة على الأمة بالإنفاق عليها من بيت المال وإن لم يكف فمن الضرائب على أغنياء المسلمين وهذا يحتم وجود المشاريع في جميع الحالات.

         2 ـ  ضمن الإسلام إشباع الحاجات الأساسية لكل فرد في الدولة، وهذه الحاجات هي المأكل والملبس والمسكن المعروف لمثله في مثل بلده طبقاً للنصوص الشرعية الواردة. وقد ضمن الإسلام هذه الحاجات بالكيفية التالية:

         أ ـ  جعل العمل فرضاً على القادرين من الذكور إذا كان ينقصه شيء من الحاجات الأساسية.

         ب ـ  فرض النفقة للأنثى مطلقاً، قادرة على الكسب أم عاجزة عنه، وللعاجز من الرجال إذا كان فقيراً سواء كان عاجزاً عن الكسب فعلاً كأن كان غير قادر على العمل أم كان عاجزاً حكماً كأن كان قادراً على العمل ولكن لا يجده وتفصيل ذلك:

         النفقة فرضت على الزوج لزوجته، وللأولاد الصغار على أبيهم، وللوالدين على أولادهم وعلى القريب الوارث لقريبه وكل ذلك بنصوص شرعية صريحة.

         والنفقة المذكورة تحصلها الدولة جبراً ممن فرضت عليه وتعتبر مقدمة على سائر الديون، فحكم النفقة أولاً يحصل ولا تقبل فيه دعوى الإعسار وحكم الدين تقبل فيه دعوى الإعسار. وبذلك يكون جميع رعايا الدولة في الإسلام قد ضمنت حاجاتهم الأساسية المذكورة عن طريق النفقة إلا في حالتين:

         1 ـ  إن كان ليس له قريب وارث.

         2 ـ  إذا عجز من تجب عليهم النفقة عن النفقة.

         وفي هذه الحالة تكون النفقة على بيت المال أي على الدولة (من ترك كلاً فإلينا ومن ترك مالاً فلورثته) والكَل الضعيف الذي لا ولد له ولا والد.

         وهذه النفقة مستحقة على بيت المال في حال الوجود والعدم لأنها واجبة على بيت المال والمسلمين، أما بيت المال فظاهر، وأما المسلمون (أيما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة الله تبارك وتعالى). فتفرض ضرائب إن لم يوجد في بيت المال وإذا خيف يقترض ثم يسدد، ولذلك تسدد حاجة الفقراء في جميع الحالات من النفقة ثم الزكاة ثم بيت المال من الواردات الأخرى ثم من الضرائب على أغنياء المسلمين.

         والنفقة أو الضرائب تؤخذ عن ظهر غنى أي مما يفضل من الحاجات الأساسية للمكلف وكذلك عن حاجاته الكمالية أي عيشه المعتاد، ثم يؤخذ مما زاد عن ذلك. وبهذه الكيفية تضمن الحاجات الأساسية للرعايا وبالتالي تعالج مشكلة البطالة والفقر.

         كذلك فإن الدولة في الإسلام تضمن الحاجات الأساسية للرعية كلها وهي: الأمن، والتطبيب، والتعليم، حسب النصوص الشرعية الواردة في ذلك وبالكيفية السابقة.

         ومن الجدير ذكره أن واردات بيت المال في الإسلام غالباً ما تكفي لسد الحاجات المذكورة بدون فرض ضرائب على أغنياء المسلمين لأجلها، إنما وضع الشرع هذه الأحكام معالجة لكل مشكلة تحدث في أي مكان وأي زمان، فإذا حدث ولم تكف واردات بيت المال الدائمية فرضت ضرائب على الأغنياء بقدرها.

         ولتكون الصورة واضحة فإني أجمل أدناه واردات بيت المال الدائمية في دولة الخـلافة في الإسلام.

         واردات بيت المال الدائمية:

         الفيء كله، والجزية، والخراج، وخمس الركاز، والزكاة، والأموال الخاصة بالدولة، وكذلك ما يأخذه العاشر من المعاهدين والحربيين، والأموال الناتجة عن الملكية العامة، والأموال الموروثة عمن لا وارث له، مال الغلول من الحكام وموظفي الدولة ومال الكسب غير المشروع ومال الغرامات ومال المرتدين والضرائب.

         مما سبق يتبين كيف يعالج الإسلام الأزمات الاقتصادية معالجة تضمن للناس السعادة والعيش الكريم في حياتهم الدنيا فضلاً عن حياتهم الأخرى.

      «الخـلاصـة»

         ـ  الأزمة الاقتصادية تعني الاضطراب الشديد في تدبير أمور الدولة المالية الذي يحتاج لبذل جهد وإفراغ وسع لإزالته.

         ـ  الأزمة الناتجة عن النقد تحدث في التعامل بنظام الصرف بالذهب لهيمنة الدولة، صاحبة نقد الرصيد، السياسية والاقتصادية على الدول الأخرى. وتحدث كذلك في نظام الورق الإلزامي لأنه طريق لتقلبات الأسعار والمضاربات بين الدول والمؤامرات المالية التي تؤدي إلى القلق السياسي والاقتصادي والانهيار في أسواق المال.

         ـ  أما العلاج فهو الرجوع إلى نظام القاعدة الذهبية فهو الذي يحفظ استقرار أسعار الصرف والازدهار الاقتصادي.

         ـ  والأزمة الناتجة عن ميزان المدفوعات لخلل فيه تؤدي إلى المديونية إذا لم يحسن تنشيط الاقتصاد ذاتياً وأسيء استعمال القروض، خاصة وأن القروض طريق خطر لبسط النفوذ وطريق خطر كذلك بسبب الربا وهو حرام.

         ـ  اللجوء إلى صندوق النقد الدولي يفاقم المشكلة لأنه يحلها كمعادلة حسابية مجردة يطلب زيادة الضرائب وتخفيض العملة وتجميد الأجور والرواتب أو تقليلها ورفع الدعم وغلاء الأسعار وتصميم مساعداته إلى مشاريع لا تنمي ثروة الدولة بقدر ما تجعله لا ينفك عن المساعدات والقروض فيدخل البلد في مصيدة المديونية بلا فكاك وأقصى ما يفعله للدولة التي تسير على برنامجه هو إعادة جدولة ديونها وليس إلغاءها، كذلك يسهل لها أخذ قروض جديدة فتتراكم بذلك ديونها ولا تجد مخرجاً منها كما هو حادث مع جميع الدول المتعاملة معه.

         ـ  حل أزمة المديونية يتم بعدم دفع الفوائد لأنها ربا وأن يتحمل تسديدها من شاركوا في الحكم خلالها من فائض أموالهم، كذلك عدم أخذ قروض البتة. يضاف إلى ذلك رسم سياسة سليمة في الزراعة والصناعة والتجارة واستغلال ثروات البلد الطبيعية. وكذلك إنشاء المشاريع الواجبة على الأمة وبيت المال بالإنفاق عليها أولاً من بيت المال فإن لم يكف فرضت ضرائب على أغنياء المسلمين بقدرها من فائض أموالهم.

         ـ  حل أزمة البطالة والفقر نتيجة إساءة توزيع الثروة أو عدم كفايتها يتم بإيجاد فرص العمل للقادرين عن طريق المشاريع التي تنشئها الدولة وكذلك فرض النفقة للذكور غير القادرين وللإناث على رحمهم المحرم فإن لم يوجد فالدولة هي مسؤولة عنهم بإعطائهم ما يكفيهم لسد حاجاتهم الأساسية من بيت المال فإن لم يكف فمن الضرائب على أغنياء المسلمين من فائض أموالهم.

         ـ  تضمن الدولة الحاجات الأساسية للأمة بمجموعها كما ضمنتها لهم أفراداً، والحاجات الأساسية للأفراد هي: المأكل والملبس والمسكن بالمعروف والحاجات الأساسية للأمة بمجموعها هي: التعليم والتطبيب والأمن وتشبع هذه الحاجات في الحالتين سواء كان في بيت المال مال أو لم يوجد فمن الضرائب.

         واردات بيت المال الدائمية وملحقاتها هي: الأنفال والغنائم والفيء والخمس والخراج والجزية والملكيات العامة بأنواعها وأملاك الدولة من أرض وبناء ومرافق ووارداتها والعشور ومال الغلول من الحكام وموظفي الدولة ومال الكسب غير المشروع ومال الغرامات وخمس الركاز والمعادن ومال من لا وارث له، ومال المرتدين وأموال الصدقات ـ الزكاة ـ ثم الضرائب. وهذه عادة تكفي لاحتياجات الدولة خاصة بإحسان الأعمال الاقتصادية.

         ـ  ودولة الخـلافة القائمة قريباً ـ إن شاء الله ـ هي التي بيدها الحل الناجع لجميع المشاكل اقتصادية كانت أو غيرها لأنها دولة السيادة فيها للشرع والسلطان للأمة ولها خليفة واحد يتبنى الأحكام الشرعية ويبايع على كتاب الله وسنة رسوله فيراقب الله في جميع أعماله هو والأمة فتنتظم الحياة كما أرادها الله سبحانه وتزدهر في جميع شؤونها.

         ( ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز ) (الحج/40) q

[انتهى]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *