العدد 84 - السنة السابعة ذو القعدة 1414هـ, نيسان 1994م

كمال أتاتورك ويهود الدونمة

حصل في الفترة الأخيرة زيارات بين مسؤولين إسرائيليين ومسؤولين أتراك. وصار حديث عن دور تركيا في السوق الشرق الأوسطية المقترحة (بتخطيط يهودي) والمقال التالي كتبه عرفان نظام الدين في جريدة الحياة في 14 و15 و16 نيسان 94. وقد اقتبسه من كتاب «فرقة الدونمة بين اليهودية والإسلام» تأليف الباحث الدكتور جعفر هادي حسن:

في المقدمة يشير الباحث إلى أن فرقة الدونمة هي من الفرق الدينية الجديرة بالبحث والدرس لأنها باطنية أنشأها قبل أكثر من ثلاثة قرون حاخام يهودي اسمه شبتاي صبي ادعى بأنه المسيح المخلص ثم تظاهر بالإسلام في ما بعد وتبعه كثير من المؤمنين به على ذلك فأصبحوا يظهرون الإسلام ويبطنون عقيدة غيره. وظلوا على هذه الحال إلى وقتنا الحاضر بعد أن لعبوا دوراً خطيراً في تاريخ تركيا الحديث ولا سيما بالنسبة إلى إسقاط الخلافة الإسلامية والدعوة إلى العلمانية وإلغاء الحرف العربي وتبني الحرف اللاتيني في اللغة التركية.

ويروي الكتاب قصة شبتاي صبي وأخباره التي وصلت إلى السلطان الذي استدعاه إلى أدرنة واستقبله بحضور مفتي الدولة وطبيبه الخاص جدعون الذي كان يهودياً ثم أظهر إسلامية (اسحق زفيري واسمه الإسلامي مصطفى حياتي زاده). واقترح السلطان على مدّعي النبوة أن يختبر صحة مدعاة وذلك بأن يجرده من ملابسه ثم يجعله هدفاً للسهام، فإذا لم تثقب السهام جسمه فهو صادق في ما يدعي وإذا ثقبته فهو إذن رجل كاذب ودجال. وعندما سمع شبتاي بذلك أنكر أن يكون المسيح، وقال عن نفسه أنه مجرد حاخام فقير وليس له مزايا على غيره. ولكن السلطان لم يصدقه وقال له أنه أثار القلاقل والاضطرابات في الدولة العثمانية، وأنه كان يريد أن ينتزع جزءاً منها وهو أرض فلسطين، ولذلك فإنه يجب أن يعاقب على ذلك.

وعندما عرض على شبتاي الإسلام ـ ويقال أن طبيب السلطان الخاص هو الذي دبر هذا الأمر ـ كان جوابه بأنه يسعده أن يكون مسلماً اختياراً ومن دون إكراه من أحد. وأظهر إسلامه أمام الحاضرين وقبل منه السلطان ذلك(؟!) فأدخل الحمام وأبدلت ثيابه ولبس العمامة وأعطي اسماً إسلامياً وهو محمد عزيز أفندي أو (عزيز محمد أفندي) وأعطي لقباً تشريفياً وهو قابجي باشي (حارس أبواب القصر)!! وخصص له راتب شهري وعُيّن له أستاذ يدرسه اللغة العربية وأصول الإسلام، وأظهرت زوجته ساره إسلامها (في نهاية العام 1666) وانتشر الخبر بين أتباعه فأيده بعضهم وارتد عليه بعضهم الآخر. أما هو فعاش مع أتباعه في أدرنة ومنهم ممثلة قبائل إسرائيل الاثنتي عشرة، وكان هؤلاء أظهروا الإسلام كما أظهره هو لكنهم كانوا يسلكون سلوكاً مزدوجاً يخفي ويبطن حتى قيل أنه كان يضع التوراة في يد القرآن في اليد الأخرى، لكنه عندما كان يؤدي الصلاة كان يتهيأ لها بطريقة يهودية ويقول لجماعته أنهم إذا لم يتبعوا الإسلام فإنه لن يتمكن من خلاصهم وقيادتهم إلى أورشليم… (القدس).

الدونمة كلمة تركية أطلقها الأتراك المسلمون على أتباع شبتاي الذين تظاهروا بالإسلام، وهي تعني المتحولين عن دينهم أو المرتدين عنه. وكان عددهم قليلاً في حياة شبتاي وكان أكثرهم من دول البلقان. وفي العام 1673 أظهر ما يقرب من 300 عائلة من أتباع شبتاي إسلامهم في سالونيك ثم هاجروا إلى تركيا وانضمت إليهم مجموعة من بولندا ليصبح عددهم في بداية هذا القرن حوالي 20 ألف نسمة. وعلى رغم التزامهم الظاهري بالإسلام إلا أنهم يمقتونه. ففي المجتمع الإسلامي يذهبون إلى المساجد ويؤدون الصلاة ويصومون ويحيون بعض الشعائر الأخرى، إلا أن العبادة الحقيقية تكون معابدهم التي لا يدخلها غيرهم. ويكون معبدهم وسط الحي الذي يسكون فيه حتى لا يلفتوا نظر الآخرين. ولكل فرد من أفراد الدونمة اسمان أحدهما إسلامي يعرف به في المجتمع الإسلامي والآخر خاص يعرف به بين أبناء فرقته، وهو اسم يهودي. وهم في الغالب يتفقون على زواج أولادهم عندما يكونون في بطون أمهاتهم ويعتقدون بأن المرأة إذا تزوجت من غير الدونمة تذهب إلى النار.

وأثارت تصرفات الدونمة الشكوك من قبل الحكومة العثمانية. ففي العام 1859 أمر حسني باشا حاكم سالونيك بإجراء تحقيق مع الدونمة فوجد من جملة ما وجد مدارس خاصة بهم تدرس الإسلام بشك مشوّه، جرت تحقيقات في فترات لاحقة كما كان العلماء المسلمون لا يصدقونهم في إسلامهم.

وفي مطلق القرن الحالي استقر الكثير من الدونمة في استنبول، كما كان لهم دور بارز في الحياة السياسية والاقتصادية لتركيا الحديثة وإسقاط الخلافة من خلال مشاركتهم الفعالة في جمعية الاتحاد والترقي التي قادت الانقلاب على السلطان عبد الحميد الثاني. وأكد الباحثون في تاريخ هذه الجمعية والمعاصرون لها دور اليهود والدونمة في نشاطها وتأثيرهم فيها. ويذكر الباحث أن هذا لا يعني بالضرورة أن الأعضاء المسلمين كانوا واعين لذلك أو عارفين به. وأشارت وثيقة بريطانية رسمية إلى أن مؤسس جمعية الاتحاد والترقي في سالونيك كان يهودياً كما تبين بعد الثورة بقليل (1908) عندما أنشأت الجمعة مركزها في القسطنطينية أن أعضاءها القادة كانوا ماسونيين، وأن اليهود. زوّدوا هذه الحركة بالأموال وأحكموا السيطرة عليها.

وقال السيد رشيد رضا في مقال له عن هذه القضية (مجلة «المشرق») أن بعض زعماء جمعية الاتحاد والترقي يريد أن تبقى الدولة في أيديهم يديرونها كما يقررون فيما بينهم وإبراز حزبهم في وزارات الباب العالي وسائر المصالح يؤيدهم في ذلك طائفة من ضباط الجيش. وأنهم يديرون نظام حزبهم في المجلس بطريقة تجعله آلة في أيدي من فيه من زعماء الجمعية كطلعت بك ورحمي بك وجاويد بك وخليل بك ومن يليهم من النفوذ كجاهد بك وإسماعيل حقي بك. وأن هؤلاء الزعماء كلهم من الماسونيين يجتهدون في نشر مبادئهم بين رجال الحكومة وضباط الجيش. وقد يكون هذا تمهيداً للفصل بين السياسة والدين وتجريد السلطان من صفة الخلافة الإسلامية ودعم إعطاء فلسطين لليهود بعد أن رفض السلاطين وآخرهم عبد الحميد أي تنازل في هذا المجال. على رغم كل أشكال التهديد والترغيب والترهيب، وكان أبرزهم عمانويل كراسو وهو محام من سالونيك وكان الرئيس الأكبر للمحفل الماسوني، ويمنح الملجأ ومركز لقاء أعضاء جمعية الاتحاد والترقي بعيداً عن أعين جواسيس السلطان عبد الحميد!!

فمن بين اليهود الذين برزوا بعد الانقلاب على الإمبراطورية والخلافة أبرا هام جلتت الذي كان أصدر جريدة في مصر اسمها «لافارا» يحارب فيها السلطان عبد الحميد الذي أطلق عبارته الشهيرة لعتاة الصهاينة: «أقطع يدي ولا ـنازل عن فلسطين».وأصبح بعد الانقلاب عضواً في مجلس الأمة التركي وأستاذاً في جامعة استنبول. وكان من الداعين إلى تغيير الحرف العربي في اللغة التركية إلى الحرف اللاتيني (وهو ما تبناه أتاتورك) والواضعين لأسس هذا التغريب الذي أريد منه فصل تركيا عن العالم الإسلامي. وكان هناك سيطرة على عدد من الصحف بينها «تركيا الفتاة» و«شفق» و«عثمان نيتشرلريه» التي كان يرأس تحريرها اليهودي الاشكنازي سامو هشبورغ.

ومن نتائج التأثير اليهودي الذي يشير إليه الدكتور حسن، ما صرح به طلعت باشا، وهو أحد أقطاب لجنة الاتحاد والترقي، إلى مراسل صحيفة ألمانية صهيونية وهو «أن تركيا تؤيد توطين اليهود في فلسطين، وأن القيود الحالية سترفع وستكون الهجرة دون قيد أو شرط في حدود استيعاب البلد للمجموعة المهاجرة، وسيكون لليهود حكومتهم نظامهم الاقتصادي وثقافتهم الخاصة ضمن الإطار العام للقانون العثماني».

ومن أعضاء الدونمة البارزين ووجوه الماسونيين في تلك الفترة طلعت بك وجاويد بك وكانا يسيطران على جيوش تركيا، وماليتها. ورمزي بك أحد قواد الجيش الذي أصبح فيما بعد رئيساً لمساعدي السلطان محمد رشاد الخامس وأخوه شفيق كان المسؤول عن السلطان عبد الحميد في سالونيك بعد خلعه. أما بالنسبة إلى كمال أتاتورك فيشير الباحث إلى نصين يشيران إلى انتمائه إلى فرقة الدونمة أحدهما جاء في دائرة المعارف اليهودية. وهذا نصه لقد أكد الكثير من يهود سالونيك أن كمال أتاتورك كان اصله من الدونمة، وهذا هو أيضاً رأي الإسلاميين المعارضين لكمال أتاتورك ولكن الحكومة تنكر ذلك. أما النص الآخر فقد جاء فيه: كان محمد جاويد بك وكمال أتاتورك من أعضاء الدونمة المتحمسين والنشيطين، وأن بعض الأتراك كانوا يعرفون أنه كان منهم فحاولوا استعمال هذا الانتماء ضده من أجل القضاء عليه سياسياً لكنهم لم يفلحوا في ذلك «وأن مجموعة من قادة حزب «تركيا الفتاة» عبدوا الله في الظاهر ولكنهم في الحقيقة كانوا يؤمنون في دخيلة أنفسهم بأن شبتاي صبي هو نبيهم الحقيقي».

وهناك تفاصيل وقصص وروايات أخرى وردت في كتاب «فرقة الدونمة بين اليهودية والإسلام» للدكتور جعفر هادي حسن وفي كتب ودراسات أخرج ووثائق بريطانية رسمية، ولكن لا مجال للتوسع في عرضها هنا لأن الأساس كان نشر بعض الآراء والتعليقات على تركيا ودورها ولا سيما بعد تبادل الزيارات مع إسرائيل، وإثارة موضوع موقع تركيا في السوق الشرق أوسطية المقترحة. 

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *