العدد 83 - السنة السابعة شوال 1414هـ, اذار 1994م

حكم المزارعة

السؤال:

أ- يحصل أن يشتري شخص قطعة أرض واسعة في الصحراء ثم يقوم بحفر بئر ماء فيها تكلفه الآلاف من الدنانير، ثم يقوم بتقطيع أرضه قطعاً كثيرة صغيرة، ويعرض هذه القطع على الفلاحين لاستئجارها ويتعهد لهم بتزويدهم بالماء من بئره ولكن بالثمن، فهل يجوز استئجار قطع الأراضي هذه؟

ب- وقد يعرض صاحب الأرض أرضه كلها بما فيها البئر على الفلاحين لاستئجارها دفعة واحدة فهل هذه العملية جائرة؟

جـ- وقد يقوم صاحب الأرض أحياناً ببناء بيوت حماية بلاستيكية في أرضه، ثم يعرض أرضه هذه للإيجار، فهل يجوز استئجار هذه الأرض ذات البيوت البلاستيكية؟

الجواب:

أ- إجارة الأرض البيضاء ـ أي التي لا شجر فيها ـ تسمى مزارعة، وأما إجارة الأرض السوداء ـ أي ذات الشجر ـ فتسمى مساقاة. أما المزارعة فحكمها التحريم، وأما المساقاة فحكمها الجواز.

أما الدليل على حرمة المزارعة أو إجارة الأرض البيضاء فما رواه رافع بن خديج -رضي الله عنه- قال «نهي النبي -صلى الله عليه وسلم- عن كراء المزارع» رواه البخاري ومسلم وأحمد. ولأحمد من طريق رافع ولابن حبان من طريق جابر كلاهما بلفظ «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى عن كراء الأرض». وقد أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صاحب الأرض أن يزرع أرضه أو أن يهبها لشخص آخر ليزرعها، وإلا حبسها وأبقاها معه على حالها، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله: «من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه فإن أبى فليمسك أرضه» رواه البخاري ومسلم وأحمد. هذا هو حكم إجارة الأرض، وهو تحريم المزارعة، لهذا نقول إنه لا يحل لصاحب الأرض هذه أن يؤجر الفلاحين قطع الأراضي، ولا يحل للفلاحين استئجار هذه القطع ما دامت بيضاء غير مشجّرة.

إن القول أن صاحب الأرض أن صاحب الأرض قد تكلّف كثيراً بحفر بئر الماء وأنه حوّل الجرداء إلى أرض تسيل فيها المياه وأنه لهذا السبب يريد تأجير أرضه وبيع المستأجرين من ماء البئر لزراعتها وأن الأرض لولا الماء لما استأجرها أحد، وبالتالي القول بأن هذه الحالة حالة جديدة لا ينطبق عليها حالة إجارة الأرض أو المزارعة المحرمة، فإنا نجيب هؤلاء بأن تحريم إجارة الأرض جاء في النصوص عاماً فيشمل الأرض البعلية كما يشمل المروية دون فارق بينهما، فالأرض البعلية يحرم تأجيرها للزراعة، والأرض المروية يحرم تأجيرها للزراعة، فالأرض هذه موضوع السؤال داخلة في حكم التحريم.ونضيف إلى ما سبق القول أنه لا يصح القول إن المستأجر لم يستأجر أرضاً فحسب وإنما استأجر أرضاً وماء، أو استأجر أرضاً ذات ماء سال في الأرض بفعل الإنسان، وأن هذه الحالة تجعل الإجارة جائزة، لا يصح القول هذا لسببين: الأول أن عقد الإجارة قد وقع على عين الأرض دون الماء، ولذا فإن العقد هنا عقد مزارعة وليس عقد استئجار الأرض والماء، فالماء هنا غير داخل في العقد، وثانياً إن صاحب الأرض يؤجر الأرض ثم يعرض تزويدها بالماء بالثمن أي يقوم ببيع الفلاحين الماء بيعاً، والبيع غير الإجارة، فشراء الماء من صاحب الأرض لا يجعل إجارة الأرض جائزة، وحتى لو عرض صحاب الأرض تزويد الأرض بالماء مجاناً دون ثمن فصارت الأرض مروية بالماء فإن إجارة هذه الأرض تبقى هي هي حراماً، إضافة إلى وجود نهي عن إجارة الأرض وعن الماء أيضاً وذلك فيما رواه جابر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من كان له فضل أرض أو ماء فليزرعها أو ليزرعها أخاه ولا تبيعوها، فسألت سعيداً: ما لا تبيعوها؟ الكراء؟ قال: نعم» رواه أحمد والبيهقي. فهنا دخل الماء مع الأرض في حكم النهي عن الكراء، أي عن الزراعة والإجارة. ولكنا نقول لصاحب الأرض إن أمامك خيارين اثنين فحسب: 1- إما أن تهب أرضك للفلاحين مجاناً ثم تقوم ببيعهم الماء بالسعر الذي يناسبك ويتحملوه فتستفيد من ذلك. 2- وإما أن تهبهم الأرض مجاناً وتقدم لهم الماء دون أخذ ثمنه على أن تصبح بتقديم الماء شريكاً لهؤلاء الفلاحين في ناتج الأرض، أي أنت تقدّم الماء وهم يقدّمون الجهد والبذار وما يلزم، ويكون الربح على ما تشترطون، فتأخذ أنت الربع أو الثلث مثلاً وهم يأخذون الباقي. ولا يكون للأرض حصة، ولا يُراعى كونها مملوكة لك عند تقدير نسبة الأرباح، وما سوى ذلك فلا يجوز لأن حكم إجارة الأرض البيضاء حرام سواء منها ما كانت بعلية أو مروية.

ب- يجوز استئجار بئر الماء ويجوز أن يدخل في عقد الإيجار ما حول البئر من الأرض مما يلزم لها فحسب، ولا يجوز أن يدخل في عقد الإيجار ما يزيد عن حاجة البئر من الأراضي المحيطة بها، فالبئر تحتاج إلى نصب مضخة والمضخة تحتاج إلى غرفة لها، وإلى غرفة لحزن النفط، وإلى غرف للعمال وما إلى ذلك، فما يكفي من الأرض لذلك وأمثاله يدخل في عقد الإيجار، وما يزيد عن ذلك مما يؤخذ للزراعة فلا يجوز، نه في هذه الحالة يكون المستأجر قد استأجر البئر واستأجر أيضاً أرضاً زراعية للزراعة، والثاني لا يجوز.

جـ- الأرض المقامة عليها بيوت بلاستيكية يجوز استئجارها لأن واقع الإجارة هنا هو استئجار البيوت البلاستيكية، وليس الأرض وإن كانت هذه البيوت مقامة على هذه الأرض، تماماً كمن يستأجر بيتاً أو يستأجر مصنعاً، فإن الإجارة تقع على البيت وعلى المصنع، وليس على الأرض المقامين عليها، فالإجارة وقعت على العين المقامة على الأرض، وليس على الأرض ذاتها، ولكن هذه الإجارة جائرة بشرط أن تكون الأرض بمجملها، أو غالبيتها مبنية بهذه البيوت ومخصصة لها، لا أن تكون الأرض مثلاً عشرين دونماً مقاماً عليها بيت واحد أو بيتان من البلاستيك مساحة البيت الواحد نصف دونم، فيدّعى المستأجر أنه استأجر البيت أو البيتين، وهو في الحقيقة يكون قد استأجر الأرض البيضاء للزراعة، وتكون عملية استئجار بيوت البلاستيك في هذه الحالة حيلة للقيام بعملية المزارعة المحرمة، ولهذا فإنا نقول أنه ينبغي أن تكون المساحة المغطاة ببيوت البلاستيك تشكل غالبية الأرض المستأجرة أو كلها، ولا تشكل المساحة غير المغطاة بهذه البيوت إلا الجزء اليسير منها حتى تصح العملية، وإلا كانت حراماً لا يجوز .

ملاحظة:

عند الحديث عن مسألة فقهية خلافية (أي اختلف الأئمة الأعلام على حكمها) المطلوب شرعاً عدم تأثيم الذي يخالف رأيك ما دام يلتزم بحكم شرعي استنبطه إمام مشهود له بالإمامة. وجل ما يقال لصاحب الرأي الفقهي المخالف هو: إنك تقلد الرأي الأضعف، ويجدر بك أن تتركه لتتبع الرأي الأصح الذي هو كذا… وتشرح له ما تراه أنت أنه الأصح. أما إذا كان الطرف الآخر لا يتبع رأياً شرعياً مطلقاً، بل هو يتبع هواه أو يتبع قوانين الكفر، فعندئذٍ يجب أن يكون الهجوم على مسلكه عنيفاً لأنه مرتكب منكر.

ومسألة تأجير الأرض للزراعة مسألة خلافية، فالذي يقلّد إماماً يحرّم ذلك بصبح الحكم في حقه حراماً. أما الذي يقلد إماماً يبيح ذلك فيبقى الحكم في حقه مباحاً، إلا إذا تبنّى خليفة المسلمين رأياً شرعياً معيناً يلزم به الرعية فيصبح هو الحكم في حقهم.

وجمهور الأئمة يحرمون تأجير الأرض للزراعة إذا كانت الأجرة شيئاً مما تنتج الأرض، وهم يجيزون هذا التأجير إذا كانت الأجرة نقداً كالذهب والفضة، لورود إجماع من الصحابة على ذلك يخصص الأحاديث الواردة في النهي.  

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *