التضخم كابوس اقتصادي في الرأسمالية والسياسة النقدية في الإسلام حل له
3 ساعات مضت
المقالات
33 زيارة
أم بدر
لم يبقَ التضخم ظاهرة رقمية تظهر في نشرات البنوك المركزية فحسب، بل أصبح من أكثر المشكلات الاقتصادية التصاقاً بالحياة اليومية للناس؛ إذ تنخفض القوة الشرائية للدخل، وتتآكل المدخرات، وترتفع كلفة الغذاء والسكن والطاقة والخدمات، ويجد أصحاب الدخول الثابتة أنفسهم أمام واقع اقتصادي أشد قسوة من الواقع الذي تعكسه الأرقام المجردة. ومن هنا اكتسبت السياسة النقدية موقعاً مركزياً في إدارة الاقتصاد الحديث، فأصبح البنك المركزي يرفع أسعار الفائدة أو يخفضها، ويغيّر شروط الائتمان والسيولة، ويتدخل في الأسواق المالية، بهدف التأثير في الطلب والأسعار والنمو.
وتقوم الرؤية الرأسمالية المعاصرة، في صورتها السائدة، على استقلال البنوك المركزية نسبياً، واستهداف استقرار الأسعار، وفي كثير من الاقتصادات على هدف تضخم محدد قريب من 2%. ويظهر ذلك بوضوح في سياسة البنك المركزي الأوروبي، الذي يعلن أن استقرار الأسعار يتحقق باستهداف تضخم قدره 2% في الأجل المتوسط، ويستخدم أسعار الفائدة وغيرها من الأدوات لتحقيق ذلك. كما يقرّ الخطاب الاقتصادي السائد بأن التضخم قد ينشأ من توسع نقدي مفرط، أو صدمات في العرض، أو ارتفاع تكاليف الطاقة، أو زيادة الطلب.
أما الإسلام فلا يرى المشكلة النقدية منفصلة عن طبيعة النظام الاقتصادي والسياسي الذي تنتظم فيه النقود والملكية والإنتاج والتوزيع. فهو يعالج موضوع النقود، والصرف، ونظام الذهب، وإصدار النقود، وسعر الصرف، ضمن منظومة واحدة، ويجعل الذهب والفضة أساساً للنظام النقدي الإسلامي. ويؤكد أن التضخم ليس مجرد خلل دوري يمكن علاجه برفع الفائدة أو خفضها، بل يرتبط التضخم في جوهره بالنظام النقدي الورقي الإلزامي وبانفصال النقد عن قيمة مادية ثابت.
مفهوم التضخم وموقع السياسة النقدية
التضخم، في التعريف الاقتصادي العام، هو ارتفاع مستمر في المستوى العام للأسعار بما يؤدي إلى انخفاض القوة الشرائية لوحدة النقد. وليس المقصود مجرد ارتفاع سعر سلعة واحدة، فقد ترتفع سلعة بسبب نقص محصول أو اضطراب في الإمدادات دون أن يكون ذلك تضخماً عاماً بالمعنى الكلي.
وتشير الأبحاث الاقتصادية الحديثة إلى تعدد مصادر التضخم. فصندوق النقد الدولي يميز بين التضخم الناتج من توسع نقدي يفوق نمو الاقتصاد، وبين ضغوط الطلب، وبين صدمات العرض وارتفاع تكاليف الإنتاج والطاقة. وهذا التمييز مهم؛ لأنه يبين أن التضخم لا يمكن تفسيره دائماً بعامل واحد. كما أن البنك المركزي الأوروبي أشار في 2026 إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة الناجم منى الحرب والاضطرابات الجيوسياسية يمكن أن ينتقل إلى أسعار السلع والخدمات ويؤثر في التضخم الأساسي وتوقعات الأسعار.
ومن هنا تأتي السياسة النقدية. فعندما يرى البنك المركزي أن التضخم مرتفع بصورة مستمرة، يستطيع رفع أسعار الفائدة؛ فيصبح الاقتراض أكثر كلفة، فتضعف بعض أشكال الإنفاق والاستثمار، ويقل الضغط على الطلب. والعكس يحدث عند خفض الفائدة، إذ يصبح التمويل أرخص، فيزداد الاقتراض والاستثمار والاستهلاك، وهو ما يمكن أن يدعم النشاط الاقتصادي عندما يكون التضخم منخفضاً والطلب ضعيفاً.
ويمكن تبسيط آلية الانتقال على النحو الآتي:
ارتفاع الفائدة ← ارتفاع كلفة الاقتراض ← انخفاض بعض أشكال الاستهلاك والاستثمار ← تراجع الطلب الكلي ← انخفاض الضغوط في الأسعار.
لكن هذه الآلية ليست سحرية. فإذا كان التضخم ناتجاً أساساً عن نقص الطاقة أو الغذاء أو تعطل سلاسل الإمداد، فإن رفع الفائدة لا ينتج النفط ولا يفتح الموانئ ولا يزيد المحاصيل. ولذلك تضطر البنوك المركزية إلى الموازنة بين هدف استقرار الأسعار وخطر إضعاف النشاط الاقتصادي والتوظيف.
التفسير الرأسمالي للتضخم
لا توجد «رأسمالية» واحدة في كل تفاصيلها، لكن المدرسة الاقتصادية السائدة داخل الاقتصادات الرأسمالية المعاصرة تتعامل مع التضخم بوصفه مشكلة قابلة للإدارة من خلال مزيج من السياسة النقدية والمالية وسياسات جانب العرض. وتَعُدّ البنوك المركزية استقرار الأسعار هدفاً رئيساً، بينما تستخدم أسعار الفائدة وإدارة السيولة والتواصل مع الأسواق لتوجيه توقعات الأُسر والشركات.
ويقدم صندوق النقد الدولي تفسيراً مركباً: ففترات التضخم المرتفع الطويلة قد تنتج عن سياسة نقدية متساهلة، عندما تنمو الكتلة النقدية أسرع من قدرة الاقتصاد على إنتاج السلع والخدمات؛ وفي الوقت نفسه يمكن لصدمات العرض، مثل ارتفاع النفط، أن ترفع الأسعار، كما يمكن لزيادة الطلب بسبب سياسات توسعية أن تخلق ضغوطاً في الأسعار.
وهذا يعني أن العلاج الرأسمالي لا ينحصر في أداة واحدة. ففي حالة تضخم الطلب، تكون الفائدة أداة مهمة. وفي حالة صدمة العرض، قد تحتاج الدولة إلى معالجة الاختناقات في الإنتاج والطاقة وسلاسل الإمداد، وقد تستخدم تدابير مالية أو تنظيمية. وقد ظهر ذلك في بيانات البنك المركزي الأوروبي خلال 2026، حين ربط البنك ارتفاع التضخم بصدمة الطاقة الناجمة من الحرب، وفي الوقت نفسه استخدم أسعار الفائدة لتثبيت توقعات التضخم على المدى المتوسط.
غير أن هذه المعالجة تواجه مفارقة أساسية: الأداة النقدية التي تكبح التضخم قد تضر بالنشاط الاقتصادي. فرفع الفائدة يقلل الطلب، لكنه يرفع أيضاً كلفة التمويل على الأسر والشركات والحكومات. وإذا كان الاقتصاد يعاني أصلاً من ضعف الإنتاج، فقد يتحول علاج التضخم إلى علاج للطلب على حساب الاستثمار والتوظيف.
نقض الإسلام للنظام النقدي الرأسمالي
تحتلمسألة النقد مكانة أساسية ضمن النظام الاقتصادي الإسلامي، فالنقود، ونظام الذهب، وفوائد نظام الذهب، والنقود الورقية، وإصدار النقود، وسعر الصرف كلها أساسيات ومتعلقات باقتصاد الدولة..ففكرة أن النقد ليس مجرد ورق تضع الدولة عليه اسماً وقيمة قانونية، بل ينبغي أن يرتبط بأساس نقدي من الذهب والفضة، هي إحدى الأحكام الأساسية في السياسة النقدية التي تشكّل حلاً جذرياً للعديد من المشكلات الاقتصادية.
فالإسلام جعل الذهب والفضة أساساً للنقد، مع جواز استعمال وسائل تبادل أخرى بحيث تكون نائبة عن مقدار معلوم من الذهب أو الفضة، لا نقداً إلزامياً منفصلاً عن أصل مادي ثابت. أما بالنسبة للنقود الإلزامية المعاصرة فهي تعتمد في قوتها على الجهة المصدرة لها والثقة بالنظام النقدي، ما يجعل ذلك أحد أسباب عدم الاستقرار النقدي.
مثلاً يمكن عزوُ السبب الأعمق للتضخم الحاصل بعد الحرب الأوكرانية إلى النظام النقدي المكشوف الذي لا يستند إلى قيمة ذاتية أو إلى أصل ثابت من السلع والخدمات، إضافة إلى التعويم النقدي العالمي وإمكانية التوسع في إصدار النقد.
ومن منظور الإسلام فإن المشكلة لا تبدأ عندما يرتفع مؤشر الأسعار، بل قبل ذلك: تبدأ عندما يصبح إصدار النقد أداة مرنة في يد الدولة والنظام المصرفي، ويمكن توسيع الكتلة النقدية دون قيد مادي صارم. وعندئذ يمكن أن ينشأ انفصال بين كمية النقود وبين الاقتصاد الحقيقي، فتتراجع القوة الشرائية للنقد.
الفائدة والائتمان في الرؤية الرأسمالية ومنظور الإسلام
تعتمد السياسة النقدية الحديثة بدرجة كبيرة على سعر الفائدة. فالفائدة هي أداة لضبط تكلفة الاقتراض، وبالتالي للتأثير في الطلب والاستثمار. وفي أوقات التضخم، يكون رفع الفائدة أحد أشهر الإجراءات المتبعة. وقد رفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة في يونيو 2026 بمقدار 25 نقطة أساس، مبرراً ذلك بضغوط التضخم المرتبطة بالطاقة والحرب، مع تأكيده هدف استقرار التضخم عند 2% في الأجل المتوسط.
إلا أن الاسلام ينظر إلى الفائدة من زاوية شرعية واقتصادية مختلفة؛ فالربا محرم في الإسلام، ومن ثَم لا يمكن بناء السياسة النقدية الإسلامية على سعر فائدة ربوي. وفي التصور الاقتصادي الإسلامي يجب أن يكون التعامل النقدي قائماً على أحكام الصرف والذهب والفضة، ويمنع الربا في القروض والمعاملات المالية.
وهنا يظهر الاختلاف الجوهري: الرأسمالية تستخدم الفائدة أداةً لإدارة الدورة الاقتصادية، بينما النظام الإسلامي يلغي الفائدة من أصلها، ويبحث عن إدارة النشاط الاقتصادي عبر تنظيم الملكية والنقد والإنفاق والإنتاج والتجارة، لا عبر سعر فائدة ربوية.
السياسة النقدية بين إدارة التضخم وإدارة النظام الاقتصادي
تكمن إحدى أهم نقاط الخلاف في تعريف المشكلة نفسها. فالبنك المركزي الرأسمالي يرى أن مهمته الأساسية هي استقرار مستوى الأسعار، ولهذا يحدد هدفاً رقمياً ويعدل أدواته للوصول إليه. أما الإسلام فيرى أن معالجة التضخم لا ينبغي أن تكون مجرد استهداف لمؤشر الأسعار، لأن ارتفاع الأسعار قد يكون نتيجة اختلالات أعمق في بنية النظام الاقتصادي.
وهنا يبرز الفرق بين «إدارة الظاهرة» و«إزالة السبب». فقد يستطيع البنك المركزي خفض التضخم برفع الفائدة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنه أزال أسباب هشاشة النظام النقدي أو الديون أو المضاربة أو الاختلالات الدولية. وفي المقابل، قد يكون علاج صدمة العرض بالسياسة النقدية وحدها محدوداً.
لماذا لا يرى الإسلام التضخم مشكلة نقدية فقط؟
لأن الاسلام لا ينطلق من النظر إلى الاقتصاد باعتباره مجرد أرقام نقدية، بل من «السياسة الاقتصادية» التي تحدد علاقة الدولة بالملكية والإنتاج والتوزيع. فالمشكلة الاقتصادية الأساسية ليست ندرة السلع والخدمات، وإنما توزيع الثروة وتمكين الناس من إشباع حاجاتهم.
وهذا يغير زاوية النظر إلى التضخم. فإذا ارتفعت الأسعار بينما بقيت الدخول ثابتة، فإن الضرر لا يتساوى بين الناس. فصاحب الثروة المالية الكبيرة قد يستطيع امتصاص ارتفاع الأسعار، بينما العامل وصاحب الدخل المحدود يتضرران بصورة أكبر. ومن ثم تصبح العدالة في التوزيع جزءاً من علاج الأزمة الاقتصادية.
فالنظام الاقتصادي الإسلامي يربط بين المِلكيات الثلاث: المِلكية الفردية، والمِلكية العامة، ومِلكية الدولة، وبين التوازن الاقتصادي في المجتمع، كما أن الإسلام يجعل إشباع الحاجات الأساسية للناس من مقاصد الرعاية الاقتصادية للدولة.
وعليه، فالحل لا يقتصر على إعادة قيمة النقد، بل يشمل تنظيم ملكية الموارد العامة ومنع الاحتكار وتطبيق أحكام الزكاة والإنفاق العام وإدارة الثروة بما يحقق إشباع الحاجات الأساسية.
الذهب والفضة من حيث هما حل نقدي أوجبتهالشريعة الاسلامية
يمثل الذهب والفضة حجر الزاوية في التصور الاسلامي، فيكون النقد الأساسي من الذهب والفضة، ويمكن أن توجد نقود ورقية نائبة عنهما. ودليل ذلك أن الدنانير الذهبية والدراهم الفضية كانت موجودة قبل الإسلام، وكانت تأتي من الروم وفارس، ولم يبدأ الإسلام باختراعها من الصفر. فأقرّ النبي ﷺ التعامل بها، ثم استمر التعامل بالدينار والدرهم في الدولة الإسلامية، إلى أن ضُربت النقود الإسلامية بصورة مستقلة في عهد عبد الملك بن مروان. وقد جعل النبي ﷺ الذهب والفضة محلًا لأحكام الصرف والربا والزكاة باعتبارهما من الأثمان، ولذلك فهما ليسا مجرد سلعتين عاديتين في النظام المالي الإسلامي. فعن عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ: “الذهب بالذهب، والفضة بالفضة… مثلًا بمثل، سواء بسواء، يدًا بيد”
فنظام الذهب يحقق قدراً أكبر من الاستقرار النقدي، ويحد من قدرة الحكومات والبنوك المركزية على إصدار النقد بلا قيد مادي. كما أن ثبات الأساس النقدي يساعد في استقرار سعر الصرف والتجارة الخارجية.
وهذا ليس مجرد اقتراح فني لعلاج التضخم، بل هي جزء من منظومة تشريعية سياسية شاملة: تغيير طبيعة النقد يعني تغيير علاقة الدولة بالتمويل، وعلاقة المصارف بالائتمان، وعلاقة التجارة الدولية بالعملات، وحدود قدرة الدولة على التوسع النقدي.
فنظرة الإسلام لا تعتمد على “خفض البنك المركزي الإصدار النقدي”، بل تفرض الانتقال إلى نظام نقدي مختلف في الأساس.
هل الذهب يمنع التضخم بصورة مطلقة؟
إن النقد الذهبي يمنع نمطاً أساسياً من التضخم الناتج من الإصدار غير المنضبط للنقد، لكن الاقتصاد الحديث يبين أن الأسعار يمكن أن ترتفع لأسباب أخرى، مثل الحروب والكوارث ونقص الإنتاج وتغير تكاليف النقل والطاقة والضرائب واختلالات السوق. وعليه، لا ينبغي صياغة المسألة بطريقة مبسطة تقول إن «الذهب يمنع كل ارتفاع للأسعار». ولكن الأدق هو أنجعل الذهب أساساً للنقد يفرض قيداً على الإصدار النقدي ويحد من قدرة السلطة النقدية على زيادة الكتلة النقدية بصورة منفصلة عن أصل مادي.
وهذا يختلف عن نظام العملات الورقية الإلزامية، حيث تستطيع السلطات النقدية إدارة السيولة بأساليب أكثر مرونة. وهذه المرونة هي في الوقت نفسه مصدر قوة في إدارة الأزمات، ومصدر خطر إذا أسيء استخدامها.
الرأسمالية بين المرونة النقدية ومشكلة الديون
من نقاط قوة النظام النقدي الرأسمالي من منظور أنصاره، قدرته على الاستجابة للأزمات. فعندما يقع ركود حاد، يستطيع البنك المركزي خفض الفائدة وتوفير السيولة وشراء الأصول، ويمكن للحكومة زيادة الإنفاق العام. وقد استخدمت الاقتصادات الحديثة هذه الأدوات في أزمات متعددة.
لكن الوجه الآخر المخفي هو تراكم الديون. فالائتمان الرخيص يمكن أن يؤدي إلى توسع كبير في الاقتراض، وقد تتضخم أسعار الأصول والعقارات والأسهم، ثم تظهر مشكلات عند رفع الفائدة أو عند انكماش السيولة. فالنظام الربوي والمالي الرأسمالي يولدان أزمات متكررة، ومعالجة أزمة بأدوات النظام نفسه قد تؤجل المشكلة بدلاً من اقتلاعها.
ولكن بالمقابل حسب أحكام الاسلام فإن تحريم الربا ليس حكماً منفصلاً عن النظام الاقتصادي، بل جزء من منظومة تمنع بعض أشكال الاستغلال المالي وتعيد توجيه النشاط نحو الاقتصاد الحقيقي.
مقارنة مباشرة بين الرؤيتين
يمكن تلخيص الفروق في خمسة محاور:
-
تعريف المشكلة:
الرأسمالية السائدة ترى التضخم ارتفاعاً عاماً ومستداماً في الأسعار يحتاج إلى ضبط توقعاته ومصادره النقدية والطلبية والعرضية. أما الاسلام فيعزوه، بدرجة أكبر، إلى طبيعة النظام النقدي الورقي وإلى اختلالات النظام الاقتصادي الرأسمالي.
-
أداة العلاج:
الرأسمالية تعتمد على سعر الفائدة، وإدارة السيولة، والتواصل مع الأسواق، والسياسة المالية وسياسات العرض. أما المنظور الإسلامي فيحرّم الفائدة الربوية ويعتمد على نظام نقدي أساسه الذهب والفضة، مع أحكام الملكية والإنفاق والتجارة.
-
إصدار النقد:
في النظام الرأسمالي تملك السلطات النقدية مساحة واسعة لإدارة عرض النقود والائتمان. في نظام الإسلام يكون إصدار النقد مقيداً بالذهب والفضة، بما يحد من التوسع النقدي غير المرتبط بأصل مادي.
-
وظيفة الدولة:
في الرأسمالية تختلف وظيفة الدولة باختلاف المدرسة الاقتصادية والدولة، لكن البنك المركزي يركز أساساً على الاستقرار النقدي، بينما تترك قطاعات واسعة للسوق. وفي نظام الإسلام تكون الدولة «راعية» وتدير الملكيات العامة وتضمن إشباع الحاجات الأساسية، ضمن أحكام الشريعة.
-
الحل النهائي:
الرأسمالية تسعى عادة إلى إصلاح السياسة النقدية والمالية داخل النظام القائم. أما الشريعة الإسلامية فترى أن الإصلاح الجزئي لا يكفي، وأن الحل يتطلب تغيير نطام الحكم بشكل كاملوتطبيق النظام الاقتصادي الإسلامي.
التضخم وغلاء المعيشة من منظور سياسي
لا يمكن فهم التضخم بمعزل عن السياسة الدولية. فالعِملة ليست مجرد وسيلة دفع داخلية؛ إنها جزء من منظومة القوة الدولية. فبالرغم من تحول العملة من قاعدة الذهب إلى العملات الورقية إلا أنها أصبحت لها قيمة بنفوذ الدول الكبرى،وما نراه اليوم من هيمنة الدولار على النظام النقدي الدولي أكبر دليل على ذلك.
وفي المقابل، ترى الاقتصادات الرأسمالية أن العملات الورقية المرنة تسمح بامتصاص الصدمات الخارجية وتسهيل التجارة الدولية وإدارة الأزمات. إلا أن هيمنة عملة دولية واحدة تمنح الدولة المصدرة لها مزايا سياسية ومالية كبيرة، وتؤثر في أسعار الطاقة والتجارة والتمويل العالمي.
ومن هنا تصبح مسألة التضخم مسألة سيادية أيضاً: من يملك إصدار النقد؟ من يحدد سعر الفائدة؟ من يتحمل أثر انخفاض قيمة العملة؟ ومن يستفيد من النظام المالي العالمي؟
نقد المعالجة الرأسمالية من داخل واقعها
لا يصح القول إن السياسة النقدية الرأسمالية «لا تعمل» على الإطلاق، فرفع الفائدة يمكن أن يخفض الطلب والتضخم، وقد نجحت بنوك مركزية في إعادة التضخم نحو أهدافها في فترات مختلفة، كما أن استهداف التضخم يوفر إطاراً واضحاً للتوقعات.
لكن المشكلة تظهر عندما تكون أسباب التضخم خارج نطاق السياسة النقدية. فإذا ارتفعت أسعار الطاقة بسبب حرب أو نقص إمدادات، فإن رفع الفائدة لا يزيد كمية الطاقة. وإذا تعطلت سلاسل التوريد، فإن الفائدة لا تنتج السلع الناقصة. ولهذا تعترف البنوك المركزية نفسها بوجود صدمات عرضية، وتستخدم السياسة النقدية بصورة حذرة لتجنب تحويل الصدمة المؤقتة إلى تضخم مستمر. كما أن الفائدة المرتفعة لها تكلفة اجتماعية: ارتفاع أقساط القروض، تراجع الاستثمار، ضعف سوق العقارات، وزيادة عبء خدمة الدين..
الحل الإسلامي لأزمة التضخم
الحل الذي يقدمه نظام الاسلام متماسك داخلياً باعتباره منظومة: نقد من الذهب والفضة، ومنع الربا، وتنظيم الملكية، وحماية الملكية العامة، وإدارة الدولة للموارد العامة، وتحقيق التوازن الاقتصادي … وسيقول قائل: كيف يمكن الانتقال من نظام العملات الورقية الحالي إلى نظام ذهبي؟ وكيف يحصل تمويل الاستثمار طويل الأمد من دون القائدة؟ ونقول: إن الانتقال من النظام النقدي الورقي الإلزامي إلى نظام الذهب والفضة لا يكون بمجرد استبدال قطع ذهبية بالأوراق النقدية القائمة، وإنما من خلال إعادة بناء النظام النقدي على أساس الذهب والفضة، وربط إصدار النقد بالغطاء المعدني، مع معالجة العملة القائمة عند قيام الدولة الإسلامية وفق آلية تحفظ حقوق أصحابها. ولا تنظر الدولة إلى كمية الذهب المطلوبة بصفة مجرد احتياطي مقابل كل أشكال الكتلة النقدية الحديثة، بل بصفتها أساسًا لإصدار النقد ومنع التوسع النقدي غير المنضبط. وعلى الصعيد الدولي، تحصل العودة إلى الذهب والفضة بما هي وسيلة لإنهاء التبعية للعملات المهيمنة، وخاصة الدولار، وإيجاد أسعار صرف أكثر استقرارًا.
أما الاستثمار، فلا ترى الدولة أن عدم فرض الفائدة على القروض يؤدي إلى تعطيل التنمية، بل تستبدل بالتمويل الربوي صيغ الاستثمار والتجارة والشراكة والمضاربة والإجارة، بحيث يرتبط العائد بالنشاط الاقتصادي الحقيقي. وفي أوقات الأزمات، لا تعتمد الدولة على إصدار نقود غير مغطاة لتوفير السيولة، وإنما على موارد الدولة وبيت المال والذهب والفضة والتمويل المشروع، بما يحول دون تحويل معالجة أزمة السيولة إلى أزمة تضخمية أشد.
إن الرأسمالية المعاصرة تمتلك أدوات مبتكرة لإدارة التضخم: أسعار الفائدة، إدارة السيولة، استهداف التضخم، السياسة المالية، وسياسات جانب العرض. وقد أثبتت هذه الأدوات قدرتها على التأثير في الطلب والتوقعات والأسعار، لكنها لا تملك دائماً السيطرة على صدمات العرض والطاقة والحروب والاختلالات الهيكلية، كذلك معالجة التضخم داخل النظام الرأسمالي لا تقتلعه من جذوره، لأن النظام النقدي نفسه قائم على العملات الورقية الإلزامية والفائدة والائتمان والتوسع النقدي. أما نظام الاسلام فيقدم منظومة متكاملة من نظام نقدييقوم على الذهب والفضة، ويلغي الربا، وينظم الملكية العامة والفردية، ويوجه الدولة نحو ضمان الحاجات الأساسية وتحقيق التوازن الاقتصادي. فهو يرى أن التضخم ليس قضية تقنية تخص البنك المركزي وحده، بل قضية سيادة ونظام ودولة. فالعملة، في هذا التصور، ليست مجرد أداة تبادل، وإنما جزء من بنية القوة الاقتصادية والسياسية للدولة، وعليه فالعلاج الحقيقي يبدأ من تغيير الأساس النقدي والاقتصادي الذي ينتج الاختلال وعدم التوازن وتبديله ليحل محله نظام اقتصادي إسلامي متكامل.
1448-04-30