مع القرآن الكريم: من صفات الفاسقين
3 ساعات مضت
المقالات
34 زيارة
خليفة محمد – الأردن
بسم الله الرحمن الرحيم
قال تعالى:
(… وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ * الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) [سورة البقرة:26-27].
وقفنا في عدد سابق مع الآية السادسة والعشرين من سورة البقرة، التي خُتمت بقوله تعالى: (وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ)وقلنا إنّ الفسق هو الخروج من الأصل كخروج الطير من البيضة بعد أن يكسرها، فالخروج عن أحكام الشرع هو الفسق، فالفاسقون الذين يُضِلُّهم الله سبحانه وتعالى بآياته وأمثالهم هم الخارجون عن أحكامه التي أمر بها، وهذا لا يعني بأيِّ حالٍ أنّ الله سبحانه يُجبِرُ الضالّين على الضلال، ولا المهتدين على الاهتداء، لكنّ الله تعالى يُكافئُ كل عاملٍ بعملِه في الدنيا، فمن اختار الهدى إلى طريق الله المستقيم هيّأ الله سبحانه وتعالى له سُبُل الهداية، ومن خرج عن أحكام الله تعالى واختار الضلال فإنّ الله سبحانه يهيّئ له أسباب الضلال.
ونقف في هذا العدد مع الآية السابعة والعشرين، التي تذكرُ بعضاً من صفات المنافقين، وتذكر عاقبتهم. فأوّل هذه الصفات أنّهم ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، والنقضُ هو الـحَلُّ بعد الإبرام والفسخُ بعد الالتزام، والعهد هو الوصية والاتفاق، والمعاهدة والتعاهد هما الاتفاق، أما الميثاق فهو أخصّ من العهد وأبلغ، فهو أشدّ توثيقاً من العهد.
أمّا عهد الله فهو عام يشمل كل عهود الله، وقد ذكر الله في القرآن الكريم عهوداً على خلقه وألزمهم تنفيذها وعدم نقضها، فمن ذلك قوله تعالى: (وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْت بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى)[الأعراف:172]، أخذه على جميع بني آدم -عليه السلام- أنْ يُقرّوا بربوبيّته بما فطرهم عليه من عجز طبيعي واحتياج مطلَق إليه سبحانه، ومن ذلك عهده للنبيين أنْ يبلّغوا رسالة الله سبحانه، فقال تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا) [الأحزاب:7]، ومنه الميثاق الذي أخذه سبحانه وتعالى على الذين أوتوا الكتاب ليبيّنوه للناس ولا يكتموه، فقال سبحانه: (وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ) [آل عمران:187].
ويشمل عهدُ الله سبحانه وتعالى أوامرَه لعباده ونواهيَه لهم، التي تقتضي السمع والطاعة، فقال سبحانه وتعالى: (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ) [طه:115]، أي أمرناه ونهيناه فنسي وعصى، وقال سبحانه وتعالى: (وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) [المائدة: 7]، فالميثاق الذي أخذه الله سبحانه وتعالى على المؤمنين برسالة محمد ﷺ هي أوامره ونواهيه التي تقتضي السمع والطاعة بعد إيمانهم به سبحانه وتعالى.
فأبرز صفة من صفات الفاسقين نقضهم لعهد الله سبحانه وتعالى بالكفر بعد الإشهاد الذي أشهدهم به على أنفسهم وأرسل إليهم الرسول يبلّغهم أوامره ونواهيه، وكذلك عصيانهم لأوامره وارتكابهم لما نهى عنه، فالكفر بالله تعالى فسق، وعصيان أوامره فسق، والفاسقون يكونون قد سلكوا طريقاً من طرق الضلالِ الموجِبِ للمَدّ في الإضلال. وقد قال بعض المفسرين إنّ المراد بالفاسقين المتصفين بهذه الصفات هم اليهود، والأرجح أنها تشمل عموم الفاسقين حتى لو نزلت في اليهود وفي غيرهم من المشركين، لأنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فحكم الإضلال تعلّق بالمشتق (الفاسقين) وهو اسم فاعل، وتعليق الحكم بالمشتقّ يؤذن بِعِلّيّة مصدر الاشتقاق كما تقرّر في الأصول، ومصدر الاشتقاق هو الفسق، فكلّ من اتّصف بهذه الصفة فهو مستحقّ للمدّ في الإضلال، ويشمل اليهود وغيرهم.
قوله تعالى: (وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ) هذه هي الصفة الثانية من صفات الفاسقين المستحقّين للإضلال؛ وهي أنّهم يقطعون ما أمر الله سبحانه وتعالى به أنْ يُوصَلَ، وما أمر الله به أنْ يُوصَل عامّ، لأنّ (ما) اسم موصول من ألفاظ العموم في اللغة، فيشمل صلة الأرحام وصلة الأقارب وبرّ الوالدين والإحسان إلى الجار وإكرام الضيف، وكلّ ما فيه صلة، ويشمل الصلة بالله سبحانه وتعالى بطاعته، والصلة برسوله ﷺ بطاعته. فكلّ من يقطعُ شيئاً مما أمر الله به أنْ يُوصَل عامداً مدركاً لما يفعل فهو من الفاسقين المستحقّين للإضلال.
قوله تعالى: ( وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ) أصل “فسد”في لسان العرب تَعَذُّرُ المقصود وزَوالُ المنفعة، فإن كان فيه ضرر كان أبلغ، ويشمل إيقاع الأذى بالآخرين سواء أكان بالقول أم بالفعل، كما يشمل الشرك لأنه إفساد للفطرة وتحويل لما يجب أنْ يكون عليه الإنسان، كما يشمل المعاصيَ كلَّها أيضاً، وعليه فإنّ كل مفسدٍ هو من الفاسقين المستحقّين للإضلال.
قوله تعالى: (أُولَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) وصف لأصحاب تلك الصفات أو بعضها بالخسران، قال الطبري: “الخاسرون: جمع خاسر، وهم الناقصون أنفسهم وحظوظهم بمعصيتهم اللهَ من رحمته، كما يخسر الرجل في تجارته؛ بأنْ يُوضَعَ من رأس ماله في بيعه، وكذلك الكافر والمنافق خسر بحرمان الله إياه رحمتَه”.
وقد ورد ذمُّ هذه الصفات في مواضع من القرآن الكريم، فمن ذلك قوله تعالى: ( وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ )[الرعد: 25]، وأخبر سبحانه أنّ لهم اللعنة ولهم سوء الدار، وفي كليهما: اللعنة وسوء الدار خسارة ما بعدها خسارة. وفي المقابل مدح الله سبحانه وتعالى الذين يوفون بعهد الله، ويَصِلون ما أمر الله به أنْ يُوصَل فقال سبحانه: (أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ* الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ* وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ) [الرعد: 19-21]، فقد مدحهم ووعدهم بحسن العاقبة فقال سبحانه عنهم: ( أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ* جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ* سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) [الرعد: 22-24].
ونختم وقفتنا هذه مع القرآن الكريم بالإشارة إلى أكثر الناس نقضاً للعهود والمواثيق؛ وهم اليهود، فقد وصفهم الله سبحانه وتعالى في مواضع كثيرة في القرآن بنقض العهود وتكرار ذلك منهم، فمن تلك المواضع قوله تعالى: (أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ) [البقرة:100]، وحالُهم اليوم في الغدر والمكر والخديعة يشهد بذلك.
1448-04-30