حق السُكنى في الشريعة الإسلامية
7 ساعات مضت
المقالات
49 زيارة
أحمد الأمين – العراق
أولاً: حق السُكنى في الشريعة الإسلامية
يعد الحق في السكنى أحد أهم الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للإنسان إذ يعد توفير المسكن الملائم عنصراً جوهرياً من عناصر ضمان الكرامة الإنسانية، فالمسكن ضرورة أساسية من ضرورات المعيشة الصحية السوية، معنى السكن لغةً: (سَكَنَ) الشَّيْءُ وَ(السَّكِينَةُ) الْوَدَاعُ وَالْوَقَارُ، وَ(سَكَنَ) دَارَهُ يَسْكُنُهَا، سكَن في المكانِ: أقام به واستوطنه كان يسكُن الرِّيفَ قال تعالى: {وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ}، أسكنه في المكان: جعله يسكُنه أو يقيم فيه ويستوطنه “أسكنت أخي في منزلي، قال تعالى: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ} ويسمى المَسْكَن بيتاً، قال تعالى: {وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا}.
ثانياً: تعريف حق السكنى اصطلاحاً:
يقصد بالمسكن البيت الذي يقيم فيه الإنسان بصفة دائمة أو موقتة، وهو المكان الطبيعي الذي يأوي إليه الشخص ليقيه من حر الصيف وبرد الشتاء وعيون المارة، وهو موضع أسراره ومستقر عائلته، ولا ريب أن حاجة الإنسان إلى المسكن من الأمور الأساسية في حياته، وهو من نِعم الله عز وجل على الإنسان، يقول الله تعالى:﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۢ بُيُوتِكُمۡ سَكَنٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ ٱلۡأَنۡعَٰمِ بُيُوتٗا تَسۡتَخِفُّونَهَا يَوۡمَ ظَعۡنِكُمۡ وَيَوۡمَ إِقَامَتِكُمۡ وَمِنۡ أَصۡوَافِهَا وَأَوۡبَارِهَا وَأَشۡعَارِهَآ أَثَٰثٗا وَمَتَٰعًا إِلَىٰ حِينٖ﴾، ومعنى قَوْله تَعَالَى: “جَعَلَ لَكُمْ” مَعْنَاهُ صَيَّرَ، وَكُلُّ مَا عَلَاكَ فَأَظَلَّكَ فَهُوَ سَقْفٌ وَسَمَاءٌ، وَكُلُّ مَا أَقَلَّكَ فَهُوَ أَرْضٌ، وَكُلُّ مَا سَتَرَكَ مِنْ جِهَاتِكَ الْأَرْبَعِ فَهُوَ جِدَارٌ، فَإِذَا انْتَظَمَتْ وَاتَّصَلَتْ فَهُوَ بَيْتٌ. وَهَذِهِ الْآيَةُ فِيهَا تَعْدِيدُ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى النَّاسِ فِي الْبُيُوتِ، فَذَكَرَ أَوَّلًا بُيُوتَ الْمُدُنِ وَهِيَ الَّتِي لِلْإِقَامَةِ الطَّوِيلَةِ. وَقَوْلُهُ: “سَكَناً” أَيْ تَسْكُنُونَ فِيهَا وَتَهْدَأُ جَوَارِحُكُمْ مِنَ الْحَرَكَةِ، وَقَدْ تَتَحَرَّكُ فِيهِ وَتَسْكُنُ فِي غَيْرِهِ، إِلَّا أَنَّ الْقَوْلَ خَرَجَ عَلَى الْغَالِبِ”. فذكر تَبَارَكَ وَتَعَالَى تَمَامَ نِعَمِهِ عَلَى عَبِيدِهِ، بِمَا جَعَلَ لَهُمْ مِنَ الْبُيُوتِ الَّتِي هِيَ سَكَنٌ لَهُمْ، يَأْوُونَ إِلَيْهَا، وَيَسْتَتِرُونَ بِهَا، وَيَنْتَفِعُونَ بِهَا سَائِرَ وُجُوهِ الِانْتِفَاعِ، أي إن الله سبحانه وتعالى قد جعل البيوت أياً كان نوعها سكناً يفيء إليها الناس، يشعرون فيها بالراحة، ويأمنون على عوراتهم وحرماتهم.
ثانياً: أهمية حق السكنى
يحتل توفير المسكن الملائم قمة سلم الأولويات الضرورية للإنسان في أي مجتمع، فهو لا يقل أهمية عن حاجة الإنسان إلى الطعام والشراب، كما أنه ضروري لتحقيق الاستقرار المجتمعي الذي يستطيع الفرد من خلاله أن يؤدي دوره المأمول في المجتمع، لذلك فإن السكن الملائم يعد من الحقوق الأساسية للإنسان، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِيلٗا﴾.
وحفظ الإسلام للإنسان حق السكنى، بل وكفل له الأمن في مسكنه لأنه مأواه ومكمن سره ومكان راحته وطمأنينة نفسه، فالسكنى من الأمور الأساسية لضمان حياة كريمة، تبعده عن عوارض الكون كحر الصيف وبرد الشتاء، وقد ضَمِن الإسلام هذا الحق لكل سكان الدولة الإسلامية من المسلمين وأهل الذمة، فكفل ذلك الحق لكل فرد من أهل الذمة كما يكلفه تماماً لكل فرد من المسلمين، ولكل إنسان الحق في السكنى سواء أكان بالتملك أم الاستئجار أم التبرع، ولو موقوفاً كمسكن لابن السبيل، أو كمسجد لمضطر؛ لأن أهل الصُفة اتخذوا مسجد النبي ﷺ مقراً مؤقتاً لهم؛ لفقرهم؛ وعدم استطاعة بيت المال توفير مساكن لهم. ولا يجوز ترك أسرة أو فرد من غير إيواء في مسكن، لأن ذلك سيؤدي إلى ضرر في نفسه، وماله، وعبادته، وعرضه، ويشق عليه ومن معه من أسرته، ودفع الضرر عنه واجب، والوجوب يقع عليه أولا بدفع ذلك الضرر عن نفسه وأهله بتملك مسكن، أو باستئجاره، أو الحصول عليه بتبرع؛ فإن عجز تعيّنالوجوب على الدولة أن تؤويه وأسرته، وهو فرض كفاية على المجتمع، ويأثمون جميعا بتركه.
وحفظاً لهذا الحق قررت الشريعة الإسلامية حرمة المسكن لكل فرد تحت سيادتها، فإذا ما توافر للفرد مسكن فلا يجوز لأحد أن يعتدي على حرمة ذلك المسكن، بل ولا يجوز لأحد أن يدخل مسكناً إلا بإذن صاحبه، قال تعالى:﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدۡخُلُواْ بُيُوتًا غَيۡرَ بُيُوتِكُمۡ حَتَّىٰ تَسۡتَأۡنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَىٰٓ أَهۡلِهَاۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ﴾، وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ رضي الله عنها قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “مَنْ اسْتَأْذَنَ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، فَلْيَرْجِعْ”.
ثالثاً: دور الدولة في الإسلام بتأمين المسكن
يعد الإسلام الدين الوحيد الذي وضع القواعد الأساسية التي تشمل كل جوانب الحياة الإنسانية، وليس المادية فقط، فهو ينظم الجوانب الروحية والخلقية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية بشكل متكامل ومترابط، بما يكفل للمجتمع الذي يسلك المنهج الإسلامي عقيدةً وسلوكاً السعادة والطمأنينة في الحياة وتحقيق التقدم الاقتصادي والاجتماعي المطلوب. ولقد وضع الإسلام في الجانب الاقتصادي قواعد وكفل حقوقًا وقرنها بضوابط وحدود، فقد كفل الإسلام لكل فرد بعينه إشباع الحاجات التي لابد للإنسان من حيث هو إنسان أن يشبعها، وهي المأكل والملبس والمسكن، وحث الفرد على التمتع بالطيبات والأخذ من زينة الدنيا بقدر ما يستطيع، فهو يضمن حق العيش لكل فرد بعينه. وأتاح له الرفاهية في الحياة. ودور الدولة في الإسلام هو رعاية مصلحة الناس عملاً بحديث النبي ﷺ (كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ، فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْؤُولٌ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ زَوْجِهَا، وَهِيَ مَسْؤُولَةٌ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ، وَهُوَ مَسْؤُولٌ، أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ).
وتتحمل الدولة مسؤولية توفير المساكن لكل فرد من أفرادها. لذلك قررت الشريعة الإسلامية حق المسكن لكل أفراد الدولة، فلكل إنسان حق في السكنى، بالتملك أو بالاستئجار أو بالتبرع، ومنحتهم حق بناء المساكن وتملكها وتأجيرها للغير.
ومن الشواهد التاريخية على ذلك ما ذكر عن الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى- أنه كتب إلى عماله: “أن اقضوا عن الغارمين”، فكُتب إليه: “إنا نجد الرجل له المسكن والخادم، وله الفرس، وله الأثاث في بيته”، فكتب عمر: “لابد للرجل من المسلمين من مسكن يأوي إليه رأسُه، وخادم يكفيه مهنته، وفرس يجاهد عليه عدوه، وأثاث في بيته، ومع ذلك فهو غارم، فاقضوا عنه ما عليه من الدين”. ففي هذا الخبر يأمر أمير المؤمنين عمر بقضاء الديون عن الغارمين وإن كانوا يملكون المسكن والأثاث والخادم والفرس، وهو مظهر عظيم من مظاهر الرحمة والمواساة، والاهتمام بشؤون الرعية، وهكذا يتصرف الأئمة العادلون بأموال الأمة، حيث يغنون بها فقيرها ويجبرون به كسيرها، ويفكون بها أسيرها، ويقضون به عن معسرها، ويسدون به خلة معوزها.
لا بل وصل دور الدولة واهتمامها بمصالح الناس إلى أبعد من ذلك، فقد تتكفل الدولة بإصلاح جدار بيت في ولاية بعيدة لأحد الرعايا. ومما يروى عن الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- (أنه كان يتابع أمور المسلمين ويفتح الأبواب على مصراعيها لسماع أخبارهم، فقد كان بريد عمر بن عبد العزيز لا يعطيه أحد من الناس إذا خرج كتاباً إلا حمله، فخرج بريد من مصر فدفعت إليه فرتونة السوداء مولاة ذي أصبح كتاباً، تذكر فيه أن لها حائطاً قصيراً، وأنه يُقتحم عليها فيُسرق دجاجها، فكتب: “بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله أمير المؤمنين إلى فرتونة السوداء مولاة ذي أصبح، بلغني كتابك وما ذكرتِ من قِصَر حائطك وأنه يُدخل عليك فيُسرق دجاجكِ، فقد كتبتُ كتاباً إلى أيوب بن شرحبيل – وكان أيوب عامله على صلاة مصر وحربها – آمره بأن يبني لك ذلك يحصنه لك مما تخافين إن شاء الله”، وكتب إلى أيوب بن شرحبيل: “من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى ابن شرحبيل، أما بعد: فإن فرتونة مولاة ذي أصبح كتبت تذكر قِصَر حائطها، وأنه يُسرق منه دجاجها وتسأل تحصينه لها، فإذا جاءك كتابي هذا فاركب أنت بنفسك إليه حتى تحصّنه لها”، فلما جاء الكتاب إلى أيوب ركب ببدنه حتى أتى الجيزة يسأل عن فرتونة حتى وقع عليها، وإذا هي سوداء مسكينة، فأعلمها بما كتب به أمير المؤمنين وحصّنه لها).
وإذا عجزت الدولة بمواردها المختلفة عن كفالة هذا الحق للمحتاجين من رعاياها، فإن المسؤولية تقع على عاتق الأغنياء في المجتمع، فعليهم أن يقوموا بإيفاء حاجات الفقراء والمحتاجين من الطعام والشراب واللباس والمأوى. يقول ابن حزم الأندلسي -رحمه الله تعالى-: (وَفُرِضَ عَلَى الأَغْنِيَاءِ مِنْ أَهْلِ كُلِّ بَلَدٍ أَنْ يَقُومُوا بِفُقَرَائِهِمْ، وَيُجْبِرُهُمْ السُّلْطَانُ عَلَى ذَلِكَ، إنْ لَمْ تَقُمْ الزَّكَوَاتُ بِهِمْ، وَلاَ فِي سَائِرِ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَيُقَامُ لَهُمْ بِمَا يَأْكُلُونَ مِنْ الْقُوتِ الَّذِي لاَ بُدَّ مِنْهُ، وَمِنْ اللِّبَاسِ لِلشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وَبِمَسْكَنٍ يَكُنُّهُمْ مِنْ الْمَطَرِ، وَالصَّيْفِ وَالشَّمْسِ، وَعُيُونِ الْمَارَّةِ. وَبُرْهَانُ ذَلِكَ: قَوْلُ اللَّهِ تعالى: ﴿فََٔاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلۡمِسۡكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِۚ﴾، وَقَالَ تعالى: ﴿وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗا وَبِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡجَارِ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡجَارِ ٱلۡجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلۡجَنۢبِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخۡتَالٗا فَخُورًا﴾، فَأَوْجَبَ تَعَالَى حَقَّ الْمَسَاكِينِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، وَمَا مَلَكَتْ الْيَمِينُ مَعَ حَقِّ ذِي الْقُرْبَى وَافْتَرَضَ الإِحْسَانَ إلَى الأَبَوَيْنِ، وَذِي الْقُرْبَى، وَالْمَسَاكِينِ، وَالْجَارِ، وَمَا مَلَكَتْ الْيَمِينُ، وَالإِحْسَانُ يَقْتَضِي كُلَّ مَا ذَكَرْنَا، وَمَنْعُهُ إسَاءَةٌ بِلاَ شَكٍّ).
ويجب عيناً على كل مسلم قادر له فضل سكن، واطلع على وضع أسرة بلا مسكن أن يؤويها إن لم يقم به غيره، ويكون الإيواء مدة مؤقتة لدفع ضرر الاضطرار؛ لأن الدوام ضرر بالمتبرع، إلا إن رضي أو استمر الاضطرار ممن آواهم واستمرت قدرته على إيوائهم؛ ولأن هذا هو ابن سبيل، وابن السبيل مؤقت لا دائم، وسواء كان هذا الفرد أو الأسرة موافقاً في الدين أم مخالفاً؛ لأن دفع الضرر الواقع والمتوقع عن الأنفس والأعراض والأموال واجب مطلق لا يُقَدَّرُ بمن يوافق في الدين، وذلك لعموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، ولقوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾فهذه إباحة، والأُوْلَى أمر، ولعموم الأمر في قوله تعالى:﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾، فلم يخصص مسلماً من غيره، ووصْفُ ابن السبيل يشمل من لم يجد مأوى، سواء أكان فرداً أم أسرةً؛ لأن السبيل هو الطريق: وهذا مثله، فوجب بنص الآية الإحسان إلى ابن السبيل، ولا إحسان مع تركه في الشارع مع ولده وأسرته أو حتى منفرداً، بل هو من الإساءة والمخالفة لنص الأمر بالإحسان.
رابعاً: الحقوق الشرعية المتعلقة بالمسكن
نظراً لما للمسكن من أهمية في حياة الإنسان فقد أقرت الشريعة الإسلامية حق السكنى لكل فرد في المجتمع كما مر بنا، وأقرت أيضاً بالحقوق التي ترتبط بهذا الحق، وسنوضح تلك الحقوق وفق الآتي:
-
الحق في حرية اختيار المسكن واستعماله
لكل إنسان كامل الحرية في اختيار مكان سكناه، ونوعية المسكن، وذلك حسب إمكاناته المادية ومستواه الاجتماعي، وله أيضاً كامل الحرية في اختيار الأثاث الذي يراه مناسباً لهذا المسكن، بما يتفق وذوقه الخاص شريطة عدم الإسراف والتبذير، وما يحقق له راحته، ولكل إنسان الحق في استعمال مسكنه بالشكل الذي يروق له، لا يقيده في ذلك إلا مراعاة القواعد والضوابط الشرعية القاضية أنه لا ضرر ولا ضرار، فيتعين عليه استعمال مسكنه بطريقة لا تلحق ضرراً بجيرانه، أو تسبب لهم إزعاجاً من أي نوع.
-
عدم دخول المسكن بغير إذن صاحبه
وهذا تقرير لحرمة المسكن، وتأكيد لعدم انتهاكها، فقد منع الإسلام اقتحام المسكن دون إذن صاحبه مهما كانت منزلة المقتحم، فمن حق كل إنسان ألا يدخل أحد في مسكنه إلا بإذنه ورضائه، لأن مسكن الشخص موضع أسراره ومستقر عائلته، فأي دخول بغير إذن يكون اعتداء على الشخص ذاته وعلى حرمة مسكنه، وهو لا يجوز، لقول الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدۡخُلُواْ بُيُوتًا غَيۡرَ بُيُوتِكُمۡ حَتَّىٰ تَسۡتَأۡنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَىٰٓ أَهۡلِهَاۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ فَإِن لَّمۡ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَدٗا فَلَا تَدۡخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤۡذَنَ لَكُمۡۖ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ٱرۡجِعُواْ فَٱرۡجِعُواْۖ هُوَ أَزۡكَىٰ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ﴾.
نستدل من هاتين الآيتين الكريمتين على أنهما قررتا حرمة المسكن على أتم وجه وأكمله قبل أن تعرف الدساتير والإعلانات العالمية لحقوق الإنسان ذلك بأربعة عشر قرناً من الزمان، فلا يجوز أن يدخل شخص بيت غيره دون إذنه، وحتى إذا لم يجد أحداً من سكان المنزل فليس له الدخول حتى يحصل على إذن بالدخول من صاحب المنزل؛ لأن المنزل مستودع أسرار الشخص فلا يجوز اقتحامه والاطلاع على هذه الأسرار ولو كان صاحبه خارجه لعمل أو قضاء حاجة. ولقد زادت هذه الآية النهي عن دخول البيوت دون إذن أصحابها تأكيداً، فأمرت الداخل بالرجوع إذا طلب منه صاحب البيت ذلك فقال تعالى: ﴿وَإِن قِيلَ لَكُمُ ٱرۡجِعُواْ فَٱرۡجِعُواْۖ هُوَ أَزۡكَىٰ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ﴾. ولقد بلغ من حرص الإسلام على تأكيد حرمة المسكن، ومنع الدخول فيه دون إذن صاحبه أنه سبحانه وتعالى أرشد المسلمين أن يعلموا أطفالهم الذين لم يبلغوا الحلم آداب الاستئذان، فقال تعالى:﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسۡتَٔۡذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ وَٱلَّذِينَ لَمۡ يَبۡلُغُواْ ٱلۡحُلُمَ مِنكُمۡ ثَلَٰثَ مَرَّٰتٖۚ مِّن قَبۡلِ صَلَوٰةِ ٱلۡفَجۡرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ ٱلظَّهِيرَةِ وَمِنۢ بَعۡدِ صَلَوٰةِ ٱلۡعِشَآءِۚ ثَلَٰثُ عَوۡرَٰتٖ لَّكُمۡۚ لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ وَلَا عَلَيۡهِمۡ جُنَاحُۢ بَعۡدَهُنَّۚ طَوَّٰفُونَ عَلَيۡكُم بَعۡضُكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ﴾.
-
عدم الاستيلاء على المسكن دون مسوغ شرعي
إذا ملك الإنسان مسكناً، فإن ملكيته له تكون مصونة شرعاً، فلا يجوز لأي شخص أن يعتدي على هذه الملكية بالاستيلاء، أو الإتلاف بالهدم وغيره، إلا إذا كان ذلك من قبل الحاكم، واقتضته مصلحة عامة كتوسعة طريق يتضرّر المارّة من ضيقه ونحوه، مع تعويض المالك.
وصفوة القول: إن الإسلام أعطى الإنسان حقّ السكنى، وأضفى على المسكن حرمة وحصانة، لأنه مستودع أسراره ومستقر عائلته، فلا يجوز لأحد أن يتجسس عليه، ولا أن يدخل مسكنه دون إذنه.
فالسُكنى حاجة أساسية لكل إنسان، ومن ضروريات الحياة الكريمة له. فالدولة مُلزَمة توفيرَ المساكن للكل، مع بقية الحاجات الأساسية والضرورية لحياة الإنسان. وهذا ما جاء به الإسلام وورد في الشريعة الإسلامية. وهو مغاير تماماً لما أخذت به الدساتير الوضعية، والسبب في هذا الاختلاف هو اختلاف النظر إلى دور الدولة، فدور الدولة في الإسلام هو رعاية مصالح الناس وحفظها بما يتفق وينسجم مع مقاصد الشريعة الإسلامية.
1448-04-30