الطريقة العلمية وقصورها: من الاختزال التجريبي إلى النظام السببي، القصور المعرفي للطريقة العلمية التجريبية (2)
ساعتين مضت
المقالات
26 زيارة
يوسف الساريسي – فلسطين
نظرية المعرفة الصحيحة:
في هذا السياق يمكن النظر إلى الطريقة العقلية في البحث بوصفها منهجًا يقوم على قواعد التفكير السليم وقوانينه وشروطه الأساسية، وهي: الحواس والواقع الخارجي والدماغ الصالح للربط والمعلومات السابقة، والتي يبني عليها الإنسان تفسيره وحكمه على الواقع. ومن خلال هذا التكامل يستطيع العقل أن يصل إلى الحكم على وجود الأشياء وبعض صفاتها اعتمادًا على الحس المباشر بها أو من خلال الآثار الدالة عليها وذلك بصورة استدلالية يقينية، دون الحاجة إلى تجربة مخبرية مباشرة.
كما أن هذا المنهج لا يقفز فوق الواقع، بل يبدأ منه، مستنداً إلى مقدمات عقلية أولية لا يقوم التفكير بدونها، مثل البدهيات الواضحة، والأصليات، ومبدأ السببية، ومبدأ التلازم. بوصفها أسسًا مشروعة وصحيحة في تأليف الدليل وفي بناء المعرفة والاستدلال، عبر استدلالات عقلية صارمة.
الاستدلال بالنظام السببي:
بناء على فهم حقيقة السببية والنظام السببي ندرك أن العلاقة بين السبب والنتيجة ليست مجرد تكرار اعتاد العقل على ملاحظته، كما يقول التصور التجريبي الهيومي، بل هي علاقة حقيقية قائمة داخل الواقع نفسه، نابعة من طبيعة الأشياء وخصائصها. فالسبب ليس مجرد حدث يسبق حدثًا آخر زمنيًا، بل هو عنصر مؤثر يمتلك قدرة حقيقية (طاقة سببية) على إحداث أثر معيّن عند توفر الشروط المناسبة وانتفاء الموانع. فالنار مثلًا لا تحرق الخشب لأننا اعتدنا رؤية الاحتراق بعد النار فقط، بل لأن في النار خاصية مؤثرة هي الحرارة، وفي الخشب قابلية للاحتراق، وعند تحقق شروط التفاعل باجتماع الأسباب والشروط المناسبة وغياب الموانع يحدث الأثر أو النتيجة بصورة منتظمة وحتمية.
ولبلورة معنى النظام السببي بصورة أدق، لا بد من التفريق بين نوعين من السببية الطبيعية، لأن الخلط بينهما يؤدي إلى اضطراب فهم العلاقة بين السبب والنتيجة. وهذان النوعان هما: السببية البسيطة، والنظام السببي. وتفصيلهما كالتالي:
أ- السببية البسيطة
الأشياء بطبيعتها تميل إلى البقاء على حالتها المستقرة (مبدأ الاستقرار)، وتقاوم أية عملية تغيير لوضعها، والعامل المغير الذي يستطيع تغيير وضع وحالة هذه الأشياء هو السبب، وذلك عند اكتسابه طاقة (قدرة) مؤثرة في لحظة معينة يستطيع بها نقل الأشياء التي فيها قابلية التأثر -أي لها خواص مناسبة- من حال إلى آخر، ويحتاج السبب ليكون فعالا إلى التعاون مع عوامل أخرى تساعده على التأثير، وهي “الشروط”، ويعقب عملية التأثير السببي حدوث النتيجة (المسبَّب) حتما. فأساس التأثير السببي هو وجود الطاقة السببية، وبنفادها ينتهي تأثير السبب، في حين أن هذا غير لازم للشرط.
ب- النظام السببي
أما النظام السببي فهو أوسع من مجرد علاقة خطية بسيطة بين سبب ونتيجة. فالنظام يتكون من مجموعة من الأجزاء ومن روابط تجمع هذه الأجزاء معا بطريقة معينة، وفق ترتيب وتنظيم (برمجة) تحقق غاية أو تقوم بوظيفة محددة. والأشياء في أصلها لا تميل إلى الانتظام تلقائيًا، بل تميل إلى التفكك والفوضى، وعندها ميل للانفلات والتحرر من النظام والتقييد، وبالتالي فهي لا تملك دافعا ذاتيا تلقائيا لتتعاون فيما بينها للانتظام وتشكيل الروابط، لذلك فوجود المنظومة ابتداء بحاجة إلى سبب فاعل يجمع أجزاءه ويرتبها وينظمها ليؤدي الوظيفة التي أرادها لها الفاعل.
والفرق بين النظام العادي والنظام السببي أن النظام السببي لا يقتصر على كونه منظومة مرتبة، بل يحمل أيضًا قدرة تأثيرية تمكّنه من إحداث آثار وتغييرات في غيره ويؤدي وظيفة أو عملا محددا. فالبناء المشيد هو نظام، والطاولة نظام، وقناة المياه نظام وهكذا. ومن الأمثلة على الأنظمة السببية السيارة والثلاجة، وهناك الأنظمة الحية كجسم الإنسان والدماغ. فالسيارة مثلًا ليست مجرد مجموعة قطع متفرقة، بل نظام سببي مترابط تعمل أجزاؤه بصورة منسقة لأداء وظيفة الحركة.
وبهذه البلورة لواقع السببية والنظام السببي يصبح بالإمكان بناء استدلالات عقلية يقينية مبنية على النظام السببي من حيث هو أحد تجليات الطريقة العقلية في التفكير والبحث، دون الحاجة إلى إجراء تجربة مخبرية مباشرة لإثبات علاقة السبب بالنتيجة كما تشترط المدرسة التجريبية.
فالاستدلال بالنظام السببي هو طريقة يمكن من خلالها تحديد واقع العلاقة السببية بصفتها علاقة مؤثرة فعلية لا مجرد عادة ذهنية، وبذلك يصحح أولا المفهوم التجريبي للسببية واعتماد المفهوم المنبثق من الطريقة العقلية. فالاستدلال بالنظام السببي يقوم على فهم طبيعة العلاقة الحقيقية بين الأسباب والنتائج، وليس على مجرد ملاحظة التكرار. وثانيا يصبح العقل قادرًا على الانتقال من ملاحظة الأثر إلى معرفة السبب المناسب له، ومن فهم النظام إلى الاستدلال على وجود المنظِّم، لأن انتظام الأجزاء وترابطها ووظيفتها لا يمكن تفسيره تفسيرًا صحيحًا بمجرد المصادفة أو التكرار.
ومن هنا يلتقي هذا المفهوم المبلور للنظام السببي مع فلسفة القوى أو القدرات التي ترى أن الموجودات تمتلك خصائص وقوى حقيقية تجعلها قادرة على إنتاج آثار معينة عند تحقق الظروف والشروط المناسبة. ويلتقي مفهوم النظام السببي أيضا مع ما توصلت إليه فلسفة الأنظمة المعاصرة، التي ترى أن الظواهر المعقدة لا يمكن فهمها فقط عبر تحليل الأجزاء المفردة، بل عبر فهم العلاقات والبنية والتنظيم الداخلي الذي يربط الأجزاء داخل نظام كلي. فالواقع ليس مجرد عناصر منفصلة، بل أنظمة سببية مترابطة تتفاعل فيها القوى والتأثيرات ضمن بنى منظمة تؤدي وظائف محددة. ولذلك فإن تفسير الظاهرة لا يتحقق فقط بدراسة العنصر المفرد، بل بفهم النظام السببي الكامل الذي تنتظم داخله العلاقات والانتقالات والتغذية الراجعة والشروط والموانع.
ومن خلال مفهوم النظام السببي يُتوصّل إلى منهج في الاستدلال يتجاوز الفصل التقليدي بين الطريقة التجريبية والطريقة العقلية. فلا تُرفض التجربة أو المختبر، بل تُعَدّان أدوات مهمة لفهم أجزاء الواقع وعلاقات التأثير الجزئية، لكن يُرفض اختزال المعرفة كلها في حدود الملاحظة الحسية المباشرة. ويرفض تحويل التجربة إلى المصدر الوحيد للمعرفة.
فالعقل — وفق منهج النظام السببي الاستدلالي — لا يقتصر دوره على تسجيل التكرار التجريبي، بل يستطيع عبر منهج محدد يقوم على خطوات واضحة تبدأ بتحليل البنية الداخلية للأنظمة ثم استبعاد البدائل غير الكافية للوصول إلى يقين سببي استدلالي دون الحاجة إلى تجربة مخبرية مباشرة. وهذا اليقين لا يقوم على مجرد العادة الذهنية، بل على فهم الضرورة الواقعية للعلاقة السببية التي تجعل الأثر غير قابل للتفسير إلا بوجود سبب معين يملك خصائص مناسبة.
ومن ثم يصلح هذا المنهج الاستدلالي للتعميم، من خلال صلاحيته لتفسير الأسباب الجزئية داخل العالم ومطابقته للواقع إلى الانتقال إلى بحث السؤال الوجودي الأعمق: ما الذي يفسر أصل وجود هذه الأنظمة نفسها؟ وما الذي جعل الكون قائمًا على هذا الانتظام الدقيق والقوانين المنظمة والعلاقات السببية المترابطة؟ فإذا كانت الأنظمة السببية داخل الكون تحتاج إلى تنظيم وقوانين وتحديد دقيق، فإن السؤال لا يبقى مقتصرًا على “كيف تعمل الأشياء؟” بل يصبح: من الذي أوجد أصل هذا النظام السببي نفسه؟ وكيف نشأت هذه القوانين والقدرات والعلاقات المنظمة التي يقوم عليها الكون كله؟
وبذلك يصبح المنهج الاستدلالي للأنظمة السببية محاولة لبناء نظرية معرفة عقلية تتجاوز الحصرية التجريبية، دون أن تنكر قيمة العلم والتجربة، ويصبح هذا المنهج طريقًا عقليًا يعيد الاعتبار للعقل، ويكشف أن الواقع هو بناء منظم قائم على أسباب وقوانين وأنظمة مترابطة، الأمر الذي يقود العقلَ بصورة طبيعية إلى البحث عن المبدأ الأول الذي أسّس هذا النظام وأوجده.
خطوات الاستدلال بالنظام السببي
يقوم الاستدلال بالنظام السببي على تصور الواقع بوصفه مجالًا تتداخل فيه السببية البسيطة مع الأنظمة السببية المترابطة، بحيث لا تُفهم الظواهر على أنها أحداث منفصلة أو علاقات ميكانيكية بسيطة، بل بوصفها إما نتائج سببية مباشرة أو عناصر داخل أنظمة ذات بنية داخلية وعلاقات تنظيمية مترابطة.
وانطلاقًا من هذا التصور، يتجاوز العقل مستوى الوصف الظاهري للوقائع إلى تحليل بنيتها الداخلية، والعلاقات التي أسهمت في إنتاجها، سواء كانت علاقات سببية مباشرة أو علاقات بنيوية داخل أنظمة متكاملة. ويشمل ذلك دراسة ترابط عناصر النظام، وطبيعة الشروط اللازمة لظهور الأثر واستمراره، بما يسمح بالانتقال من سؤال “ما الذي حدث؟” إلى “كيف حدث؟”، ثم إلى “وفق أي بنية سببية تحقق هذا الحدث”.
ومن هنا يصبح الاستدلال بالنظام السببي طريقة عقلية لفهم الواقع بصورة أشمل من التفسير الاختزالي الذي يقتصر على دراسة الأجزاء منفصلة عن البنية الكلية للنظام.
ويمكن تلخيص خطوات هذا الاستدلال فيما يلي:
-
ملاحظة الأثر أو الظاهرة الموجودة في الواقع.
-
وتحديد طبيعة السبب أو الفاعل المرتبط بالأثر.
-
والتمييز بين السببية البسيطة والنظام السببي المنظَّم.
-
وتحليل العلاقات والترابط بين أجزاء النظام ووظائفه.
-
وحصر التفسيرات أو الفرضيات الممكنة لبيان سبب الظاهرة.
-
وتقويم الفرضيات وفق كفايتها التفسيرية لجميع عناصر الأثر والنظام دون نقص أو تناقض.
-
واستبعاد التفسيرات غير الكافية أو غير المنسجمة مع طبيعة الأثر.
-
وتحديد الصفات اللازمة في السبب أو الفاعل القادر على إنتاج هذا الأثر أو النظام.
وبذلك يتشكل الاستدلال بالنظام السببي بوصفه منهجًا عقليًا منظمًا لفهم العلاقات بين الأسباب والنتائج، وتحليل الظواهر والأنظمة المختلفة، والانتقال من ملاحظة الواقع إلى تفسيره تفسيرًا سببيًا منظمًا منسجمًا مع طبيعة الأشياء وخصائصها والعلاقات التي تحكمها، بحيث يُفهم الواقع بوصفه شبكة من أنظمة سببية مترابطة لا مجرد وقائع منفصلة أو تكرارات عشوائية.
ويعتمد هذا المنهج على أن العقل قادر —من خلال تحليل النظام والعلاقات بين أجزائه— على إدراك حقيقة التأثير السببي، واستبعاد التفسيرات غير الكافية، ثم استنتاج صفات السبب الفاعل المناسبة لطبيعة الأثر أو النظام الموجود. وبهذا يتجاوز الاستدلال بالنظام السببي مجرد تسجيل التكرار التجريبي، ليتجه إلى فهم البنية الواقعية للأنظمة والعلاقات السببية التي تحكمها، بما يجعل التفسير أكثر اتساقًا مع طبيعة الواقع وترابطه.
وبذلك يتبين أن الاستدلال بالنظام السببي ليس منهجًا محصورًا في تفسير الظواهر الجزئية أو العلاقات البسيطة، بل هو إطار عقلي عام يمكن تطبيقه على مختلف مستويات الواقع، سواء في الأنظمة الطبيعية أو الحيوية أو أنظمة الدماغ والتفكير واللغة، وكذلك في الظواهر الاجتماعية والتحقيق الجنائي وتحليل الآثار وبعض حوادث التاريخ. ويقوم هذا المنهج على فكرة أساسية مفادها أن انتظام الظواهر وترابط عناصرها داخل أنظمة ذات بنية ووظيفة محددة يتيح فهمها وفق القواعد الاستدلالية نفسها، مع اختلاف درجة التعقيد لا اختلاف طبيعة المنهج.
وانطلاقًا من ذلك، يصبح تحليل الأنظمة السببية مدخلًا عامًا لفهم الواقع بصورة أعمق، بما يتيح توسيع نطاق تطبيقه ليشمل مختلف أنواع الظواهر والأسئلة التي تحتاج إلى تفسير. ومن هنا يمكن توظيف هذا المنهج في دراسة القضايا الوجودية الكبرى بوصفها امتدادًا طبيعيًا له، بدءًا من تحليل بنية الكون ونظامه العام، وفق نفس القواعد الاستدلالية التي تحكم فهم سائر الأنظمة.
الثورة الداخلية في فلسفة العلم ضد الاختزال التجريبي
لا يقتصر نقد حدود الطريقة العلمية الاختزالية على الاعتراضات الخارجية، بل ظهر خلال العقود الأخيرة تيار نقدي واسع من داخل فلسفة العلم نفسها. فقد أدت دراسة الأنظمة المعقدة في الفيزياء والأحياء والعلوم المعرفية إلى إعادة النظر في الفرضية الاختزالية التي تفترض أن فهم الأجزاء المعزولة يكفي لتفسير البنية الكلية للواقع. ومن هنا برزت عدة مدارس واتجاهات فكرية تشترك في التأكيد على أن النظام لا يُفهم دائمًا من خلال تفكيكه إلى عناصره الأولية، بل من خلال دراسة العلاقات والبنية والتنظيم الذي يربط هذه العناصر داخل منظومة واحدة.
أولًا: مدرسة ستانفورد وفلسفة القوى
يمثل هذا الاتجاه عدد من فلاسفة العلم المعاصرين، وفي مقدمتهم نانسي كارترايت وجون دوبري. فقد قدمت كارترايت في كتابيها «كيف تكذب قوانين الفيزياء»و«العالم المنقّط» نقدًا مؤثرًا للتصور الذي يتعامل مع القوانين العلمية بوصفها أوصافًا كلية وشاملة للواقع. وترى أن القوانين التي تُكتشف في البيئات المخبرية المعزولة تعمل غالبًا ضمن شروط محددة، وأن الواقع الطبيعي أكثر تعقيدًا من أن يُختزل في مجموعة من العلاقات المعزولة عن سياقها.
وفي السياق نفسه، انتقد جون دوبري في كتابه«فوضى الأشياء»النزعة الاختزالية التي تفترض أن فهم الأجزاء يكفي لفهم الكل، مؤكدًا أن الأنظمة الحية والطبيعية تمتلك خصائص تنظيمية لا يمكن تفسيرها بالكامل بردّها إلى مكوناتها الأولية. فالمنظومة ليست مجرد مجموع عناصرها، بل شبكة من العلاقات التي تمنحها خصائص جديدة لا تظهر عند دراسة العناصر منفردة.
وتنتهي هذه المدرسة إلى نتيجة مهمة، وهي أن تفسير النظام لا يتحقق دائمًا بالانتقال من الجزء إلى الكل، بل يقتضي دراسة البنية الكلية والعلاقات المنظمة التي تمنح الأجزاء معناها ووظيفتها داخل المنظومة.
ثانيًا: مدرسة الانبثاق والتنظيم الكلي في الفيزياء
برز هذا الاتجاه بصورة واضحة في أعمال الفيزيائي الحائز على جائزة نوبل روبرت لافلين، ولا سيما في كتابه «كون مختلف: إعادة ابتكار الفيزياء من الأعلى إلى الأسفل». وقد انطلق من ملاحظة أن كثيرًا من الظواهر الفيزيائية الكبرى لا يمكن تفسيرها تفسيرًا كافيًا من خلال دراسة الجسيمات الأولية وحدها، لأن خصائص جديدة تظهر عندما تنتظم هذه الجسيمات داخل بنى كلية أكثر تعقيدًا.
ومن هنا برز مفهوم الانبثاق بوصفه أحد المفاهيم الأساسية في الفيزياء المعاصرة، حيث تصبح بعض خصائص النظام ناتجة عن هندسة تنظيم الأجزاء وعلاقاتها، لا عن خصائص الأجزاء المفردة وحدها. ووفق هذا التصور، فإن فهم الواقع يتطلب النظر إلى مستويات التنظيم المختلفة، لا الاقتصار على المستوى الأدنى فقط.
ثالثًا: نظرية الأنظمة العامة
أما في مجال البيولوجيا ونظرية الأنظمة، فقد وضع لودفيج فون برتالانفي الأساس النظري لما عُرف بـ«نظرية الأنظمة العامة»، والتي عرضها بصورة منهجية في كتابه «نظرية الأنظمة العامة: الأسس والتطور والتطبيقات». وقد انطلق برتالانفي من دراسة الكائنات الحية ليبين أن الأنظمة المعقدة لا تعمل وفق نموذج سببي خطي بسيط، بل ضمن شبكات من العلاقات المتبادلة والتغذية الراجعة والتفاعل المستمر بين الأجزاء. ولذلك فإن فهم النظام لا يتحقق بمجرد تحليل مكوناته، بل يتطلب فهم البنية الكلية التي تمنحه هويته ووظيفته واستقراره.
وتكشف هذه النظرية أن الكل ليس مجرد مجموع أجزائه، بل منظومة تمتلك خصائص تنظيمية ووظيفية تنشأ من العلاقات التي تربط بين عناصرها المختلفة.
الخطوة الإضافية: من وصف النظام إلى البحث عن المنظِّم
تكشف هذه المدارس الثلاث، رغم اختلاف منطلقاتها، عن نتيجة مشتركة ذات أهمية كبيرة، وهي أن الواقع لا يظهر بوصفه تجمعًا عشوائيًا لعناصر مستقلة، بل بوصفه منظومات مترابطة ذات تنظيم داخلي ووظائف محددة وخصائص كلية لا يمكن اختزالها بالكامل إلى مكوناتها الأولية. كما تكشف عن حدود التفسير الاختزالي الذي يكتفي بتحليل الأجزاء دون الالتفات إلى البنية التي تنتظم داخلها.
غير أن هذه الاتجاهات، على أهميتها، تظل في معظمها محصورة في وصف طبيعة الأنظمة المعقدة وكيفية عملها. فهي تفسر التنظيم، وتبين خصائص البنية الكلية، لكنها لا تتناول بصورة مباشرة السؤال المتعلق بأصل هذا التنظيم نفسه ولا بشرط إمكان وجود هذه الأنظمة من الأساس.
ومن هنا تأتي الخطوة المنهجية التي نعتمدها، فإذا كانت فلسفة العلم المعاصرة قد انتهت إلى أن الكون لا يُفهم بوصفه مجرد تجمع لعناصر منفصلة، بل بوصفه نظامًا مترابطًا ومنظمًا وقائمًا على علاقات ووظائف كلية، فإن السؤال التالي يصبح: ما الذي يفسر أصل هذا النظام نفسه؟ وما السبب القادر على تفسير وجوده وانتظامه وقابليته للفهم العقلي؟
وبذلك لا تمثل هذه المدارس نهاية الطريق التفسيري، بل تمثل نقطة انطلاق نحو البحث التأسيسي. فهي تكشف عن وجود النظام الكلي وتبرز خصائصه التنظيمية، أما هذا البحث فينتقل خطوة إضافية، فيسعى إلى تفسير أصل وجود هذا النظام نفسه، والبحث عن السبب التأسيسي القادر على تفسير إمكانه وانتظامه وقابليته للفهم بوصفه منظومة سببية كلية مترابطة.
خلاصة:
إن أزمة الفكر المادي الحديث لم تكن في منجزاته العلمية التجريبية، بل في عقيدته المادية، وتحويل التجربة العلمية من أداة جزئية لفهم بعض الظواهر إلى مرجعية معرفية شاملة حاولت اختزال الوجود كله في حدود التجربة المخبرية والقياس الحسي. إن المنهج التجريبي الاختزالي الحديث، رغم نجاحه الكبير في فهم كثير من الظواهر الطبيعية، أثبت مع تطور العلوم قصوره عن تفسير الأنظمة المعقدة والبنى المنظمة والسببية الواقعية تفسيرًا كاملًا.
وقد أدى هذا التحول إلى بروز اتجاهات فلسفية وعلمية معاصرة أعادت الاعتبار لمفاهيم النظام والبنية والسببية والوظيفة، وأظهرت حدود التفسير الاختزالي في التعامل مع المنظومات المعقدة. ولكن هذه الاتجاهات، رغم نجاحها في الكشف عن قصور الاختزال، غالبًا ما توقفت عند وصف النظام وتحليل خصائصه دون الانتقال إلى السؤال التأسيسي عن أصل وجود هذا النظام وشروط إمكانه.
وفي هذا السياق جاءت منهجية الاستدلال بالنظام السببي بوصفها إطارًا عقليًا ومعياريًا لتحليل الأنظمة والظواهر، لإعادة بناء العلاقة بين العقل والواقع على أسس أكثر انسجاماً مع طبيعة الوجود. فهي لا ترفض العلم ولا التجربة، بل تضعهما ضمن مجالهما الطبيعي بوصفهما أدوات أساسية لفهم الظواهر داخل النظام، دون اختزال جميع مستويات المعرفة في حدود المنهج التجريبي وحده. وتؤكد هذه المنهجية سلطة العقل الحاكمة والمستقلة -من خلال تحليل الأنظمة السببية- في تحليل المنظومات، وحصر الاحتمالات، واستبعاد التفسيرات القاصرة، للوصول إلى يقين تفسيري مكتمل، يتجاوز مجرد الوصف التجريبي الجزئي، ويتجه إلى فهم البنية التفسيرية الأعمق للواقع.
ولا يقتصر تطبيق هذه المنهجية على دراسة الكون وحده، بل يمكن توظيفها في مجالات متعددة،منها الحياة واللغة والفكر والتنظيمات البشرية والتحقيق الجنائي وغيرها من الأنظمة المعقدة. غير أن أهم تطبيقاتها يتمثل في دراسة الكون بوصفه المنظومة السببية الكلية التي تحتوي سائر الأنظمة الجزئية؛ إذ يقود تحليل بنيته وانتظامه وقابليته للفهم إلى البحث عن الأساس التفسيري الذي يفسر أصل وجوده وإمكانه وانتظامه واستمراره.
ومن هنا يبدأ البرهان التأسيسي لهذا الموضوع؛ لا من افتراضات غيبية مسبقة، بل من تحليل الواقع بوصفه نظامًا سببيًا منظمًا، ثم تتبع متطلبات التفسير العقلي حتى الوصول إلى الأصل التأسيسي الذي تتوقف عليه إمكانية النظام الكوني وانتظامه وقابليته للفهم والتفسير.انتهى
1448-04-01