قراءة في رؤية الصين الاستراتيجية والتحول في سياستها الدولية
ساعتين مضت
المقالات
24 زيارة
مُناجي محمد
أبدأ بمقدمة يستدعيها فهم التحولات الاستراتيجية الكبرى التي تشهدها الصين، إذ لا بد من الوقوف على الأسباب الكامنة والظروف والفرص الاستراتيجية والجيوستراتيجية وراء ظهور الصين على المسرح الدولي قوةً كبرى، ونمو قوتها الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية والسياسية وطموحها الدولي، حتى أصبح لها تأثيرها الخاص اليوم على الموقف الدولي والسياسة الدولية، ولقد أصدر مؤخرا مكتب الإعلام التابع لمجلس الدولة الصيني في 17 حزيران/يونيو 2026 ورقة بيضاء بعنوان “بناء نظام حوكمة عالمية أكثر عدلاً وإنصافاً: مبادئ الصين ومقترحاتها وإجراءاتها”، ترجمت الرؤية الاستراتيجية للصين ونظرتها العالمية المستقبلية.
لم يكن صعود الصين إلى قوة دولية حدثا معزولا عن البيئة الدولية والظروف الجيوسياسية التي يمر بها الموقف الدولي وأزمات النظام الدولي الغربي الأمريكي الحادة، ولكن نمت هذه القوة وتراكمت عبر لحظات تاريخية مفصلية، أهمها نهاية الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفيتي وظهور الأحادية القطبية الأمريكية، وفي سكرة النصر على الاتحاد السوفيتي كان الشغل والهم الاستراتيجي الأمريكي هو بناء الإمبراطورية والسيطرة على أدوات الهيمنة لإدارة العالم بصفة القطب الواحد المهيمن، وما كانت تلك الأدوات إلا مصادر الطاقة والمواد الخام والموارد الطبيعية الأولية، وكانت الجغرافية الإسلامية وثرواتها وبحر نفطها وغازها وإسلامها الكامن المتجذر الذي استعاد حيويته الاستراتيجية، هي الشغل والهم الاستراتيجي الأمريكي، فكانت حروب أمريكا في الخليج وأفغانستان والقرن الإفريقي حروبا استراتيجية لبناء إمبراطوريتها وتكريس هيمنتها الأحادية والتي سوقت لها، إنشاءً لنظام عالمي جديد، شَكَّلَ هذا الظرف الدولي الاستثنائي فرصة ولحظة استراتيجية تاريخية للصين. ففي غمرة انشغال أمريكا بمغامراتها لبناء إمبراطوريتها بنت الصين اقتصادها على نحو هادئ ومستمر، وطورت بنيتها التحتية وقدراتها التصنيعية وأنشأت قاعدتها التكنولوجية، عبر تطوير نظامها التعليمي وتنمية قدرات مراكز البحث والاختبار والابتكار وتقويتها. ورغم أن هذه اللحظة التاريخية بدت لحظةً للهيمنة الأمريكية، فإنها وفرت للصين بيئة خارجية مناسبة لمكاسب استراتيجية صافية من الاحتواء والعقوبات الأمريكية، وساعد على ذلك تبني بكين في هذه المرحلة نهجاً حذراً مستلهماً من مقولة دنغ شياو بينغ (مهندس إصلاحات الصين الحديثة):”أخفِ قدراتك وانتظر وقتك”، وكان الهدف هو تجنب الصدام المباشر مع القوة المهيمنة الأمريكية. عطفا على ذلك وفي ظل هزيمة المنظومة الشيوعية وتفكك دول المعسكر الشرقي الأوروبي وانتهاء الحرب الباردة، استكانت أمريكا إلى تقدير استراتيجي موغل في الخطأ، مفاده أن دولة الصين الشعبية الاشتراكية سيكون مصيرها كمصير دول المعسكر الاشتراكي الأوروبي وأن التفكك سيطال منظومة الحكم والدولة الاشتراكية الصينية، في تجاوز تام لحقيقة الصين من كون منظومتها الهجينة أقرب إلى اشتراكية الدولة الرأسمالية منها إلى اشتراكية الدولة في المنظومة الشيوعية، فضلا عن الاختلافات الثقافية والحضارية بين الشرق الصيني والشرق الأوروبي.
ثم مع سقوط الاتحاد السوفيتي وانتفاء الحواجز الشيوعية تهيأت الشروط الليبرالية لاستعادة السطوة والهيمنة الرأسمالية على الاقتصاد والسياسة والحياة، وكان من مخرجات هذه الليبرالية الجديدة القديمة “النيوليبرالية”عولمة النموذج الليبرالي الغربي وإلغاء كل القيود ورفع كل الحواجز عن التجارة العالمية (تجارة الشركات الرأسمالية) ترجمتها اتفاقية الجات ومنظمة التجارة العالمية التي أبرمت سنة 1995، وجراء هذه العولمة الاقتصادية شهد العالم توسعاً غير مسبوق في التجارة الدولية، وانتقال الإنتاج الصناعي إلى مناطق أقل تكاليف وقيودا، وقد استفادت الصين من هذه الموجة عبر جذب الاستثمارات الأجنبية وتطوير قدراتها الصناعية وكفاياتها ومهاراتها الفنية، وبدأ دور الصين في الاقتصاد العالمي يتنامى حتى وصفت بمعمل العالم، وتكرس ذلك مع انضمامها لمنظمة التجارة العالمية سنة 2001، وترسخ بعد ذلك فترة 2003-2008 مع تضاعف صادراتها الصناعية، وأصبح تعبير “الصين مصنع العالم”مستخدماً ورائجا على نطاق واسع في تقارير المؤسسات الدولية والصحف الاقتصادية، فتحولت الصين بذلك من دولة من دول الأطراف في سلسة الإنتاج الرأسمالي الغربي إلى دولة محورية رئيسة في سلاسل الاقتصاد العالمي.
ومع هذه الطفرة الصينية بدأ انتقال مركز الثقل الاقتصادي نحو آسيا، عبر ارتفاع مساهمة آسيا في الإنتاج والتجارة العالمية، وكانت الصين من أكبر المستفيدين، ساعدها على ذلك قيادتها السياسية وسوقها الداخلية الضخمة وقاعدتها الصناعية الواسعة واستثماراتها المكثفة العالية في البنية التحتية والتعليم والتكنولوجيا.
ثم كانت الألفية الثالثة وظهور أعراض تآكل النظام الدولي الغربي الأمريكي واستنزافه وحدّة أزمات المنظومة الرأسمالية الغربية، والتي شكلت فيها الأزمة المالية العالمية لسنة 2008 نقطة انعطاف استراتيجية وتحول عميق في الاستراتيجية الصينية، فقد شكّل شبه عزلة الصين عن الاقتصاد العالمي وآلياته ومؤسساته حمايةً لها من التداعيات الكارثية لأزمة الديون المالية الغربية 2008، وساعدتها كذلك احتياطياتها النقدية الضخمة، وقطاعها المصرفي الذي تهيمن عليه الدولة، مع مدخرات محلية مرتفعة، وقدرة واسعة على تعبئة الاستثمار العام وتحفيز الطلب الداخلي، ولذلك لم تنظر الصين لأزمة عام 2008 بصفتها مجرد امتحان اقتصادي قاس، بل باعتبارها لحظة كشفت حدود النموذج المالي الغربي، وعززت ثقة النخبة الصينية بقدرة نموذجها على الصمود (تحكم الدولة المركزي في المالية والإنتاج والتجارة)، وشكلت نقطة تحول دفعتها من استراتيجية الاندماج في النظام الدولي إلى التفكير بصورة أكثر طموحاً في المشاركة في إعادة تشكيله، فأطلقت سنة 2013 مبادرة الحزام والطريق إيذاناً بتحول الصين من قوة اقتصادية إلى فاعل جيو–سياسي عالمي، كما كانت أزمة الدولة الأمريكية السياسية والاستراتيجية والعسكرية عاملا داعما، جراء الانقسام الرأسمالي وتداعياته السياسية والثقافية وتصاعد الاستقطاب الداخلي الأمريكي وانعكاساته على الدولة وسياستها الدولية، ثم انتكاسات القوة العسكرية الأمريكية التي كشفت حدود القدرة والقوة الأمريكية ومحدوديتها في الحفاظ على الهيمنة المنفردة، ثم مع إدارة ترامب وتحطيمه لجاذبية القيادة الأمريكية غربيا، استثمرت بكين في أزمة الدولة الأمريكية عبر توسيع قاعدتها الصناعية والتكنولوجية والمالية وعلاقاتها الدولية، وتحويل ثقلها الاقتصادي إلى نفوذ جيو–سياسي لتنتقل من قوة مستفيدة من النظام الدولي الغربي إلى قوة تنازع على إعادة تشكيل قواعده.
عزز ذلك الثورة الرقمية والتكنولوجية فمع صعود الاقتصاد الرقمي باتت القوة لا تقاس بالإنتاج الصناعي فقط،ولكن أيضاً بالذكاء الاصطناعي والاتصالات والبيانات وأشباه الموصلات، ولقد أدركت الصين مبكراً أن المنافسة المستقبلية ستكون على التكنولوجيا والمعايير، لذلك كثفت الاستثمار في البحث العلمي لتطوير تكنولوجيتها الصينية الخاصة لتقليل الاعتماد على التقنيات الأجنبية في المجالات الحساسة تحديدا، وغزت بها أسواق العالم.
لم يكن صعود الصين وليد قوتها الذاتية وحدها، بل جاء أيضاً ثمرة التآكل التدريجي للنظام الدولي الذي أرسته أمريكا وقادته بعد الحرب العالمية الثانية ثم بعد نهاية الحرب الباردة، وكانت ركائزه هي التفوق الاقتصادي الغربي، وعلى رأسه الاقتصاد الأمريكي والتفوق العسكري تحت قيادة أمريكا، والمؤسسات الدولية الخادمة للنظام ثم العولمة الاقتصادية. وخلال عقود عززت هذه العناصر بعضها بعضاً؛ فالقوة العسكرية وفرت المظلة الأمنية لأمريكا والغرب، والمؤسسات نظمت جزءاً كبيراً من العلاقات الاقتصادية الدولية وشكلت الأدوات الناعمة للإكراه وفرض الهيمنة الغربية، والعولمة أحكمت ارتباط اقتصادات دول العالم بالاقتصاد الغربي.
ولكنّ العقود الأخيرة شهدت تغيرات أضعفت ركائز النظام الدولي الغربي، فقد تقلصت الحصة النسبية للغرب من الاقتصاد العالمي مع صعود اقتصادات آسيوية، وتزايدت المنافسة في مجالات التكنولوجيا والصناعة، وبرزت قوى إقليمية أكثر استقلالاً في قراراتها، كما تعرضت بعض المؤسسات الدولية لانتقادات تتعلق بالتمثيل والشرعية، وتصاعَد خطاب التعددية القطبية، وفي الوقت نفسه دخلت العولمة مرحلة أكثر تعقيداً، فبدل أن تكون أداة لتعميق الاعتماد على الاقتصاد الغربي أصبحت أيضاً أداة وساحة للتنافس مع الغرب، ما دفع إلى إعادة النظر في سلاسل الإمداد، وأمن التكنولوجيا، والموارد الحيوية، والاعتماد على الخارج، وباتت العولمة وفلسفتها وقواعدها محل إشكال وجدل، واقتُرحت السياسات الحمائية ومعها العقوبات وحرب الرسوم الجمركية بدائلَ منها، وهو ما أعاد الاعتبارات الجيو–سياسية إلى قلب الاقتصاد العالمي.
ومع خلخلة ركائز النظام الدولي الغربي برز كذلك تحول في مفهوم القوة، فبعد أن كان النفوذ يرتبط أساساً بالقدرة العسكرية والمالية، أصبحت التكنولوجيا ومعداتها وبياناتها، وأشباه الموصلات، والذكاء الاصطناعي، والمعايير التقنية، والبنية التحتية الرقمية، أدواتٍ مركزيةً في التنافس الدولي، وأصبحت الحرب السيبرانية تتصدر الاشتغالات الاستراتيجية للدول. ومع هذا التحول باتت القواعد التي صيغت في منتصف القرن العشرين غير كافية لمعالجة كثير من القضايا الجديدة، ما فتح نقاشاً واسعاً حول تحديثها أو إعادة صياغتها، وهكذا بدأ التجاذب والاستقطاب السياسي حول استمرار النظام الغربي الأمريكي بشكله الحالي أو تعديله وإعادة تشكيله، مع دعوة أمريكا للحفاظ عليه مع إصلاحه وتكييفه مع المستجدات.
وفي الطرف الآخر الذي تصدرته الصين بدأ الحديث عن إعادة توزيع النفوذ داخل مؤسسات النظام الدولي أو إنشاء أطر جديدة تعكس التغيرات في الاقتصاد العالمي وموازين القوة الجديدة، ولقد انعكس هذا التحول الاستراتيجي لموقف الصين من دولة تسعى للاندماج في النظام الدولي الغربي إلى دولة تطمح إلى إعادة تشكيله. فهذا التحول الاستراتيجي الصيني لا يقرأ على أنه مجرد صعود لقوة اقتصادية جديدة، ولكنه تحول استراتيجي تدريجي تراكمي في رؤية الصين لذاتها ولموقعها في النظام الدولي والموقف الدولي.
لقد مثلت الأزمة المالية العالمية لعام 2008 نقطة تحول في العقل الاستراتيجي الصيني، فقد استنتجت بكين أن النموذج الغربي بات لا يتمتع بالهيمنة الفكرية والاقتصادية التي كان يتمتع بها بعد الحرب الباردة، ومنذ ذلك الحين أصبحت الصين لا تكتفي بالاستفادة من مزايا النظام الدولي، بل بدأت في بناء أدوات نفوذ مستقلة، منها مبادرة الحزام والطريق ومؤسسات مالية جديدة (بنك بريكس) وتوسيع الحضور والنفوذ التكنولوجي وتعزيز النفوذ الجيو-ستراتيجي في الجنوب العالمي (إفريقية وأمريكا اللاتينية ودول آسيا…)، وكانت هذه الخطوات تعبيرا عن انتقال الصين من الاندماج إلى التأثير، تلتها مرحلة محاولة إعادة تشكيل النظام الدولي الغربي.
ولقد كانت بداية هذا العقد لحظة مفصلية في التحول الاستراتيجي الصيني، فمنذ 2020 توالت الأوراق البيضاء التي تترجم الرؤية الاستراتيجية الصينية وتكشف أن بكين انتقلت من مرحلة الاندماج في النظام الدولي إلى مرحلة صياغة رؤية بديلة لإدارته وإعادة تشكيل قواعده، فباتت الصين لا تكتفي بالمطالبة بحصة أكبر داخل النظام القائم، بل باتت تعرض معايير وقواعد ومؤسسات ومفاهيم تعكس رؤيتها الاستراتيجية وخصائص من ثقافتها الصينية منافسة للنموذج الغربي. ففي الورقة البيضاء لعام 2021 “الصين: ديمقراطية ناجحة”أعادت بكين تعريف الديمقراطية من خارج النموذج الليبرالي الغربي، وقدمت ما سمته “ديمقراطية المسار الكامل؛ وهي قدرة النظام على تحقيق مصالح الشعب والتنمية والاستقرار”، وكانت بداية تمرد على الهيمنة المعيارية لأمريكا والغرب. وفي ورقتها البيضاء لعام 2023 “مجتمع المستقبل المشترك للبشرية: مقترحات الصين وأفعالها”أعلنت بكين بصورة أوضح رؤيتها للنظام الدولي، وضمّنتها انتقادا للنظام الدولي القائم، وشككت في شرعية المرجعية الفكرية التي قام عليها ذلك النظام بعد الحرب الباردة. وفي الورقة البيضاء الخاصة بالحزام والطريق لعام 2023 فقد صدرت الصين مبادرتها للعالم،لا بصفتها مشروع بنية تحتية، بل بصفتها جيوستراتيجية لإعادة تشكيل شبكات التجارة والتمويل والاتصال العالمية وفق رؤية صينية. وكذلك الورقة البيضاء لعام 2025 “الأمن القومي في العصر الجديد”التي ركزت بكين على توصيف العالم تحت قيادة أمريكا وبحسب نظامها الدولي بالمضطرب والمتقلب، وربطت الأمن الصيني بالتحولات البنيوية التي يجب أن يخضع لها النظام الدولي لحماية مسار الصعود الصيني، وأن الإشكال مع أمريكا والغرب هو في هيكل العلاقات وقواعد النظام، وليس مجرد خلاف ظرفي يمكن تسويته. وتمثل الأوراق البيضاء الأخيرة لهذا العام 2026 التعبير الأكثر وضوحا عن سعي الصين إلى إعادة تشكيل النظام الدولي، فقد تجاوزت الحديث عن التنمية الداخلية والمحيط الإقليمي الآمن، بل جاء الحديث الصيني عن بناء نظام حوكمة عالمية وعن الأمن العالمي والتنمية العالمية والحضارة العالمية وبناء مجتمع يهدف لمستقبل مشترك للبشرية.
وفي تحولها الاستراتيجي تسعى الصين كذلك لإعادة الصياغة الثقافية للمفاهيم وإعادة تشكيل المعايير والقواعد لتكون مدخلها لتشكيل النظام الدولي بحسب رؤيتها ومصالحها، فتسعى إلى إزاحة مركز مفهوم القوة والأمن من ارتباطهما بالقوة العسكرية الصلبة نحو توسيع مفهوم القوة والأمن ليشمل التكنولوجيا والبيانات والمعايير الصناعية والرقمية والقدرات السيبرانية،من حيث هي أوراق للقوة والأمن والردع، ثم التأكيد على وضع الصين ومكانتها من حيث هي مركز ثقل عالمي في هذه القضايا التي تمس أمن العالم، ما يؤهلها لأن تكون طرفا في صياغة القواعد والمعايير وإعادة تشكيل النظام الدولي بصفتها فاعلا جيو–سياسيا فيه.
فالصين ترى في إعادة تشكيل البيئة الدولية عاملا حاسما في إعادة تشكيل النظام، بحيث تصبح موازين القوة الجديدة نتيجة طبيعية لتغير القواعد، وهو تصور يجد جذوره في التراث الثقافي الصيني أكثر مما تفسره النظريات الغربية، فالصين تعيد توظيف مفاهيم ثقافتها الخاصة بلغة عصرية. يلفت هنري كيسنجر لهذا الأمر في تحليلاته الأخيرة إلى أن الصين تنطلق من مفهوم مختلف للنظام الدولي، وتستلهم رؤيتها الاستراتيجية من فكرة التوازن في التاريخ الآسيوي، حيث لا ينبغي أن تفرض قوة واحدة إرادتها على الجميع.
إن التاريخ السياسي الصيني الذي يجد جذوره في حكم السلالات الإمبراطورية المتعاقبة، والثقافة السياسية الصينية التي تجد تأسيسها وتأصيلها في الكونفوشيوسية من حيث هي منظومة فكرية وأخلاقية وسياسية أسسها كونفوشيوس في القرن السادس قبل الميلاد، وقد شكّلت الكونفوشيوسية لأكثر من ألفي عام الأساس الثقافي والسياسي والإداري للدولة والمجتمع والثقافة الصينية، ولا يزال أثرها واضحاً في الثقافة والسياسة والإدارة في الصين، حتى بعد سقوط حكم السلالات سنة 1912 وقيام الجمهورية وتبني الدولة النظام الاشتراكي. فالعقل الاستراتيجي الصيني متشبع بتاريخه السياسي وثقافته السياسية الصينية. ومِن أعطاب تحليل المسألة الصينية إغفال الخصوصية الثقافية والحضارية والسياسة الصينية.
ومن التأثير الأكثر وضوحاً في الاستراتيجية الصينية المعاصرة والذي يجد جذوره في فلسفة الحرب عند “صن تزو” (أشهر منظّر عسكري في التاريخ الصيني، ويُنسب إليه تأليف كتاب “فن الحرب”، الذي يُعد من أكثر الكتب تأثيراً في الفكر العسكري والاستراتيجي والسياسي الصيني)، والذي لا ينظر إلى الحرب باعتبارها اختباراً للقوة، بل باعتبارها اختباراً للعقل، فمقولته الشهيرة “أسمى مراتب الحرب هي إخضاع العدو دون قتال”، فهي ليست دعوة إلى تجنب الصراع،ولكن إلى إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية بحيث تصبح المواجهة المباشرة غير ضرورية، وهي فلسفة الاستراتيجية الصينية اليوم.
فالعقل الاستراتيجي الصيني فعّالة فيه خلفيته الثقافية وسياسته الخاصة وموجهة له، وهو يفكر في إعادة ترتيب عناصر الواقع لتشكيل البيئة الدولية الخادمة لأهدافه، حتى يصبح الهدف الذي يريده هو النتيجة الطبيعية لصيرورة الأحداث. ولهذا تبدو الصين أقل اهتماماً بإعلان الانتصارات الكبرى، وأكثر اهتماماً بتشكيل البيئة والاتجاهات بعيدة الأمد. فهي لا تسأل كيف تهزم الولايات المتحدة، بقدر ما تبحث عن كيفية جعل بنية الاقتصاد العالمي وشبكات التجارة والتكنولوجيا والتمويل تتطور بطريقة تجعل انتقال مركز الثقل إلى آسيا والصين نتيجة طبيعية.
ومن هنا يمكن قراءة الأوراق البيضاء الأخيرة بوصفها وثائق لإعادة تعريف وتشكيل قواعد النظام الدولي أكثر من كونها أوراقاً لاصطدام استراتيجي مع القوة المهيمنة، فالأوراق تركز على إعادة بناء نظام الحوكمة العالمية، وتوسيع دور الجنوب العالمي، وتعزيز استخدام العملات المحلية، وتطوير المؤسسات المتعددة الأطراف، وصياغة معايير جديدة في التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي. وجميعها تصب في هدف واحد؛ إعادة تشكيل البيئة الحاضنة للنظام الدولي الغربي القائم وتغييرها.
وضمن سعيها لإعادة تشكيل البيئة الدولية، وبناء على قناعة بكين بأن الغرب بات لا يمثل الأغلبية السكانية ولا الاقتصادية فإن الصين تخاطب دول آسيا وإفريقية وأمريكا اللاتينية بوصفها الشريك الرئيس في النظام القادم، وخطابها ليس أيديولوجيا ولا يعتمد إثارة المسائل الثقافية الإشكالية،ولكن توظف أوراق اقتصادها وفائض سيولتها في الاستثمار والتمويل والبنية التحتية والتكنولوجيا والتجارة لبناء كتلة مصالح واسعة تجعل النفوذ الصيني جزءاً من التنمية الاقتصادية لدول الجنوب العالمي، فتوظَّف هذه الكتلة في إعادة تشكيل البيئة الدولية خدمة للاستراتيجية الصينية.
ومن هذا المنظور يمكن فهم التحول الصيني نحو الاستثمار في البنية التحتية، وسلاسل الإمداد، والمعايير الصناعية، والذكاء الاصطناعي، وشبكات الاتصال، والمؤسسات المالية الجديدة…، فهذه ليست أدوات اقتصادية فحسب بل ترى فيها الصين وسائل لإعادة صياغة البيئة التي تعمل داخلها القوة الدولية، فالصين لا تنطلق في رؤيتها الاستراتيجية من فرضية أن إسقاط القوة المهيمنة شرط لتغيير النظام الدولي، بل من فرضية أكثر تعقيدا وتركيبا، مفادها أنه إذا تغيرت المعايير والقواعد التي يعمل بها النظام فالمحصلة الطبيعية تحوّل وتغيّر في مركز النظام، فتغيير القواعد يسبق تغيير المؤسسات.
ومن الإجراءات التي اتخذتها الصين لخلخلة المعايير والقواعد القائمة توسيع استخدام العملات المحلية في التجارة لخلخلة قاعدة الدولار الأمريكي، وبناء شبكات دفع وتسوية موازية لخلخلة هيمنة نظام “سويفت”، وإنشاء بنوك تنموية جديدة لخلخلة هيمنة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي الغربيين، ووضع معايير تقنية لخلخلة الاحتكار المعياري الغربي، وتطوير شبكات رقمية مستقلة لخلخلة الاحتكار الرقمي الغربي. وتعمل الصين عبر الاستثمار والتمويل على أن تصبح هذه الممارسات واسعة الانتشار لخلق بيئة موازية تفرض تكيف المؤسسات الدولية معها، فيصبح تغيير القواعد مطلبا ونتيجة طبيعية، ويجعل الآخرين مضطرين إلى العمل ضمن منظومتها الجديدة، وهذه البيئة الخادمة لإعادة تشكيل القواعد هي ما تحاول الصين بناءه عبر سلاسل الإمداد والبنية التحتية والتكنولوجيا والتمويل والمعايير الصناعية والرقمية والسيبرانية الصينية وفائض السيولة والإغراء المالي، وترى بوادر هذا التحول التدريجي لمركز الثقل العالمي، فمركز التجارة ينتقل لآسيا، ومركز التصنيع أصبح في آسيا، ومركز النمو الاقتصادي يتجه نحو آسيا، وجزء متزايد من الابتكار التكنولوجي يأتي من آسيا، مع تصاعد الاهتمام الجيو–ستراتيجي بآسيا، وهكذا ترى الصين تهيئة البيئة الدولية لجعل تغييراتها المقترحة للقواعد والمعايير تبدو إصلاحا للنظام وليس هدما له.
فمنطق الصين الاستراتيجي وتخطيطها الاستراتيجي مُنْصَب على حل المعادلة الاستراتيجية، وهي كيفية إعادة تشكيل وتصميم قواعد النظام بحيث يصبح الصعود الصيني نتيجة منطقية وطبيعية لقواعده، وترى أن عملها الاستراتيجي لا يكمن في مضمار القوة الصلبة ولكن في إعادة صياغة القواعد والمعايير والمؤسسات لإعادة توجيه مركز الثقل العالمي وتحويله، عبر إعادة هندسة البيئة الدولية، مع جذب الآخرين للعمل من داخل قواعدها ومعاييرها ومؤسساتها التي أعادت تشكيلها، وفي توافق تام مع مصالحها ورؤيتها. وأوراقها البيضاء هي بحكم أصول استراتيجية لرؤيتها للنظام الدولي الخاص بها، مع سعي الصين لتكون أبرز مهندسي هذا النظام الجديد لا مجرد أحد أقطابه، وهو تأسيس بعيد المدى لهيمنة صينية.
تبقى هذه الاستراتيجية رؤية صينية خاصة وقد يجادَل في محدوديتها وقصورها، لكن الأمر الجوهري الذي لا يجوز إغفاله أو التغاضي عنهأن كل هذا الجهد الاستراتيجي هو في حقيقته بحث عقلي في كيفية تحقيق أهداف المنظومة الثقافية وغاياتها جذر الفلسفة والنظام، والاستراتيجية على أهميتها لا تعدو كونها الوسيلة العملية لتحقيق أهداف الفكرة الثقافية وغايتها، والفكرة هنا هي الفكرة الليبرالية الرأسمالية الغربية. والصين على مستوى الفكرة لا تنشئ جديدا ولم تأت بجديد، وبصمة ثقافتها الكونفوشيوسية لا تتعدى بعض الإجراءات العملية المتعلقة بالوسيلة والخطة الاستراتيجية، ولا تتعداها إلى الفكرة الرأسمالية صلب المنظومة الثقافية الرحم الحضارية لتخليق القيم وانبثاق الرؤى وتوليد الأنظمة وتحديد المعنى والأهداف والغايات. تبقى الاستراتيجية تبعا للفكرة وخادمة لأهدافها وغاياتها، فهي أداتها التنفيذية، والصين لا تبشر برؤية ثقافية خاصة بها، بل هي منخرطة منذ بداية القرن الماضي بعد تأسيس الجمهورية سنة 1912 وتبني اشتراكية الحكم ثم تطعيم ذلك برأسمالية الاقتصاد، وملتزمةٌ الرؤية الثقافية السياسية الغربية، ولا تحمل مشروعا ثقافيا وحضاريا خاصا بها ولا تبشر به.
ويجدر التنبه إلى أن معضلة العالم اليوم تتجاوز الاستراتيجية والعقل الاستراتيجي إلى المنظومة الثقافية المتعلقة بالإنسان وقضاياه الوجودية المصيرية وأنظمة حياته وسعادته. والسؤال المعروض اليوم على العقل البشري هو البحث عن بديل عن المنظومة الثقافية العلمانية الرأسمالية الغربية ونتائجها الكارثية ومأساتها الحضارية، وليس عن استراتيجية لابتكار طريق آخر للوصول إلى النتائج والغايات الليبرالية الرأسمالية السامة المدمرة نفسها.
فالقضية هي في أزمة المنظومة الثقافية العلمانية الرأسمالية الغربية وفلسفتها للوجود وأنظمة حياتها وأهدافها وغاياتها غير الإنسانية، فهذه المنظومة فقدت سبب وجودها واستنفدت كل أغراضها وانتهت إلى عدميتها التامة ووحشيتها الكاملة وتغول عصابتها الرأسمالية واستعداد هذه العصابة في سبيل أطماعها الدنيئة لحرق الأرض ومن عليها، فالقضية ليست في تغيير عصابة رأسمالية أوروبية أمريكية بعصابة رأسمالية صينية (الحزب الشيوعي الصيني ودولته)، فالفكرة الرأسمالية السامة هي هي، سواء حملتها أوروبا أو أمريكا أو الصين فنتائجها الكارثية من طينة ثقافتها وأنظمتها، والمنظومة الرأسمالية وفيض وحشية رؤاها وهمجية حضارتها أصبحت موطن مأساة ومشروع هدم.
فالصين على مستوى ثقافي لا تؤسس لجديد ولا تنشئ جديدا ولا تحمل ولا تبشر بأي مشروع ثقافي حضاري بديل خاص بها، إن هي إلا المنظومة الرأسمالية المأزومة، وأقصى خطوات الصين فيها هو انتزاع معول هدم الرأسمالية من يد أمريكا وجعله في يدها عبر استراتيجية تغيير القواعد لتحويل مركز الثقل والهيمنة الرأسمالية من الغرب الأمريكي/ الأوروبي إلى الشرق الصيني.
تبقى معضلة البشرية قائمة ومأساتها باقية ما بقيت المنظومة الرأسمالية سبب الكارثة الإنسانية. فالحل ليس في فناء المنظومة وتعفن دولتها الأولى أمريكا ولا حتى قبرها أو تحول مركز الثقل والهيمنة الرأسمالية إلى الصين، ولكن الحل في البديل الثقافي والحضاري والسياسي لتخليص العالم من ظلمات هذه الجاهلية العمياء التي ساقها الغرب الأوروبي والأمريكي للعالم شقاء وانتحارا، وحتما لن تكون الصين، فهي استمرار لجاهلية الغرب الغاشمة في نسختها الصينية، وهي لعمرك أدهى وأمر، بل الخلاص الخلاص والنجاة النجاة برسالة رب الخلائق كلها، مشروع الإسلام الحضاري المتفرد وخلافته الراشدة الفريدة المتميزة، فهلا غذ أبناء الإسلام الخطا لهدم الكفر بكل تلوناته وأصنافه، وأقاموا للإسلام صرحه وبنيانه؛ خلافة على منهاج النبوة، نورا وهداية وعدلا ورحمة لعباد الله على أرضه.
﴿الر ۚ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾
﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾
1448-04-01