العدد 482 -

السنة الحادية والأربعون، ربيع الأول 1448هـ الموافق آب 2026م

قراءة في كتاب: دائرة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في دولة الخلافة الراشدة

مقدمة عامة وتعريف بالكتاب:

أصدر حزب التحرير كتاب “دائرة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في دولة الخلافة الراشدة” في شهر آذار 2026، كلبنة إضافية في بناء شامخ قام به منذ نشأته حين جعل غايته استئناف الحياة الإسلامية، فقد أصدر مجموعة إصدارات تتعلق بدولة الخلافة،منها نظام الحكم في الاسلام، ومقدمة الدستور، وأجهزة دولة الخلافة في الحكم والإدارة، وكتاب الأموال في دولة الخلافة، وغيرها من الإصدارات، لتشكل صورة واضحة مفصلة لما يجب أن تكون عليه دولة الخلافة القادمة بمشيئة الله، لأن الخلافة دولة متميزة من غيرها، تختلف عن أشكال الدول القائمة في العالم.

وهذا الكتاب ليس كتابًا في هندسة الحاسوب أو البرمجة، وإنما هو مشروع فكري وسياسي يرسم تصورًا لدور تكنولوجيا المعلومات في إدارة شؤون الدولة. ويأتي هذا الكتاب استجابة للأثر الكبير لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، حيث أصبحت خلال العقود الأخيرة من أكثر التقنيات تأثيرًا في حياة الأفراد والمجتمعات والدول، حتى غدت هذه التقنية هي البنية التي تدار بها معظم الأنشطة الاقتصادية والإدارية والأمنية والعسكرية في العالم المعاصر. فأصبحت التقنية لا تقتصر على الحواسيب والهواتف ووسائل الاتصال، بل أصبحت منظومة متكاملة تدير تدفق المعلومات، وتربط المؤسسات بعضها ببعض، ولها دور في صناعة القرار، وتشكل أحد أهم عناصر القوة والنفوذ للدول في العصر الرقمي.

ومن خلال تبصر هذه التحولات العميقة، كان لا بد من تقديم رؤية شاملة لموقع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في الدولة، بوصفها قطاعًا إستراتيجيًا يتجاوز حدود الاستخدام التقني المباشر ليصبح جزءًا من منظومة السيطرة والأمن والإدارة والتنمية. ولذلك لا يقتصر البحث على التعريف بالتقنية ومكوناتها، بل يتناول السياسات العامة التي ينبغي أن تحكم تنميتها وإدارتها وحمايتها، ودورها في دعم أجهزة الدولة وتعزيز قدرتها على أداء وظائفها المختلفة.

القضية المحورية في الكتاب:

ينطلق الكتاب من أن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لم تبقَ قطاعًا تقنيًا ثانويًا، بل أصبحت أحد المقومات الأساسية التي تعتمد عليها الدول الحديثة في الإدارة والاقتصاد والأمن والدفاع والإعلام وسائر شؤون الحياة. ولذلك فإن امتلاك هذه التكنولوجيا والتحكم في بنيتها الأساسية بات اليوم أكثر من مسألة فنية أو خدمية، وإنما قضية ترتبط مباشرة بالقوة والسيطرة والتحرر.

وبذلك فإن الدول التي تسعى إلى حماية مصالحها وتعزيز قدرتها على إدارة شؤونها لا يكفيها استخدام التقنيات التي ينتجها الآخرون، بل تحتاج إلى بناء قدرات ذاتية تمكّنها من الارتقاء بالتكنولوجيا وإدارتها وحماية بياناتها ومجالها المعلوماتي. ومن هنا تتفرع مختلف موضوعات الكتاب وقواعده بوصفها معالجات عملية لتحقيق هذه الغاية.

ويعتمد نجاح هذه الرؤية السيادية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات بالدرجة الأولى على قدرة الدولة الوليدة على عبور المرحلة الانتقالية بنجاح، وكسر الاحتكار العالمي لسلاسل توريد الرقائق وغيرها، والحفاظ على الخبرات وأصحاب الكفايات المتخصصين، وتحقيق التوازن بين مقتضيات الأمن مع حماية الحقوق الشرعية للرعية.

التكنولوجيا والنهضة:

إن نهضة المسلمين وسر قوتهم تاريخيا لم يكن مرجعه إلى العلوم والصناعات والثروة، وإنما كانت النهضة – وتكون -بالارتقاء الفكري على أساس روحي، أي بتلك المنظومة الفكرية التي قامت عليها الدولة والأمة. وما تحقق من إنجازات علمية وإدارية وعسكرية في التاريخ الإسلامي كان ثمرة لتلك النهضة وليست سببًا لها. وقد بدأ تراجع الأمة عندما فقدت الأساس الذي قامت عليه حضارتها، فتراجع معها العلم والصناعة والثروة والقوة والوحدة.

وبناء على هذا الفهم، فإن التكنولوجيا تُتخذ أداة ووسيلة لرعاية شؤون الناس وإدارة الدولة، وهي لا تشكل أساس وجودها الفكري ولا السياسي. وبذلك يصبح الهدف تبيان الكيفية التي ينبغي أن يُدار بها قطاع تكنولوجيا المعلومات داخل الدولة الناهضة، باعتباره أداة ضرورية للإدارة والسيطرة والتأثير.

وتجدر الاشارة إلى أن العلوم النظرية تمد الأمة بالمعرفة والقوانين العلمية، فيما تقوم العلوم التطبيقية بتحويل هذه المعرفة إلى حلول وتصاميم هندسية، ثم تتولى التكنولوجيا تجسيد هذه التصاميم في صورة أجهزة وأنظمة ومنتجات عملية تخدم الدولة والمجتمع. ولذلك فإن بناء القوة التقنية لا يكون باستيراد التكنولوجيا، بل يتطلب امتلاك قاعدة علمية وهندسية وصناعية قادرة على إنتاج التكنولوجيا والارتقاء بها.

ولا يجوز أن يغيب عن بالنا بتاتا، أن قطاع التكنولوجيا قد نشأ وترعرع على يد دول الغرب الكافر ووفق وجهة نظره عن الحياة، فاستخدموه أداةَ تدمير وإفساد، وحوّلوه إلى سلاح استعماري لنهب الثروات وبسط النفوذ والتلاعب بالعقول وصناعة العملاء، وفرض طراز العيش الرأسمالي، ما جعل أثر التكنولوجيا أشد فتكًا من الأسلحة العسكرية. لذلك يجب على دولة الخلافة وضع سياسة عامة تنبثق من العقيدة، وإعادة بناء هذا القطاع من جذوره ليكون مبنيًا على أساس وجهة نظر الإسلام عن الحياة.

إن القيمة الحقيقية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات لا تنبع من ذاتها فهي في الأصل أداة محايدة، وإنما تستمد قيمتها من المشروع الحضاري والسياسي الذي تُستخدم في خدمته. ومع ذلك، لا ينبغي التقليل من أهميتها أو النظر إليها بوصفها مجرد أداة إدارية، بل باعتبارها جزءًا مهمًا من أدوات القوة والسلطة، فالدولة التي تعتمد على استيراد التقنيات الحيوية تبقى معرضة للتبعية والنفوذ الخارجي، بينما يمنحها امتلاك التكنولوجيا قدرًا أكبر من الاستقلال والسيطرة على مواردها وقراراتها، ويعزز قدرتها على حماية مصالحها وتحقيق أهدافها.

الثورة الرقمية والحرب الإلكترونية :

شهد العالم خلال العقود الأخيرة تحولًا جذريًا بسبب الثورة الرقمية، حيث أصبحت المعلومات تنتقل بسرعة هائلة، ودخلت الحواسيب والشبكات والاتصالات جميع مجالات الحياة تقريبًا. ولم يبق الأمر مقتصرًا على تخزين البيانات واسترجاعها، بل أصبحت التكنولوجيا الرقمية والبرامج المحوسبة هي المشغِّل للكثير من عمليات الإنتاج والآلات ومصانع الطاقة الكهربائية والنووية ومحطات توليد الطاقة والمياه وغيرها.

وهذا التطور الهائل في نظم المعلومات والحوسبة والاتصالات والشبكات جعل معظم المرافق الحيوية المدنية والعسكرية تعتمد على هذه التكنولوجيا الرقمية، وامتد تأثير التكنولوجيا إلى قطاعات الاقتصاد والتعليم والإدارة والإعلام والأمن والدفاع، ومع قدرة هذه التقنيات على اختراق الأنظمة والتحكم في المنشآت وإدارتها من بُعد وعبر الحدود، أدركت الدول أن هذا الأمر قد يشكل خطرا على سيادتها وأمنها وقدرتها على التحكم بمرافقها الحيوية، ما دفعها إلى العمل على حماية فضائها الرقمي، ومواجهة محاولات الاختراق الإلكتروني.

وامتد أثر تكنولوجيا المعلومات ليغير مفهوم القوة العسكرية التي كانت تستند تقليديا إلى الجيوش التقليدية ومصادر الطاقة والموارد الطبيعية، فصارت تعتمد بصورة متزايدة على القدرة التقنية والمعلوماتية. وباتت الدول الكبرى قادرة بشكل أكبر على بسط نفوذها على غيرها بالسيطرة على صناعة الإلكترونيات والبرمجيات وأنظمة التشغيل وشبكات الاتصالات والبيانات والمعلومات والتقنيات العسكرية.

وكذلك غيرت هذه التكنولوجيا طبيعة العمل العسكري نفسه، فأصبحت الطائرات المسيّرة، والصواريخ الموجهة، وأنظمة القيادة والسيطرة، ووسائل الرصد والاستطلاع، تعتمد على الحواسيب والاتصالات والبرمجيات. وبذلك أصبحت جزءًا من القوة العسكرية ذاتها، لا مجرد أدوات مساعدة لها.

ونتيجة لهذه الأمور ودخول التكنولوجيا إلى ميدان الصراع السياسي والاقتصادي والعسكري بين الدول، قامت الدول الكبرى بوضع إستراتيجيات أمنية وعسكرية خاصة بها في المجال الإلكتروني، فظهر مفهوم الحرب الإلكترونية (السيبرانية). وهي صراع إستراتيجي صامت يُدار في الفضاء الرقمي بين الدول تُستبدل فيه الأسلحة البرمجية كالأكواد الخبيثة وفيروسات السيطرة والتدمير الذاتي، والثغرات الأمنية غير المكتشفة والتشويش، تستبدل بتلك الأسلحة التقليدية. وتستهدف هذه المعارك الرقمية اختراق أنظمة العدو الحيوية وشلّ شبكات القيادة والسيطرة لديه، أو تعطيل منظومات الدفاع الجوي ومحطات الطاقة والمياه والمطارات، مما يؤدي إلى إحداث شلل إداري وعسكري شبه كامل دون الحاجة لعبور الحدود أو إطلاق رصاصة واحدة.

وعليه ينبغي تنظيم قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بما ينسجم مع السياسة العامة للدولة في حماية الرعية وصيانة مصالحها. ويتحقق ذلك من زاويتين أساسيتين: الأولى بناء قاعدة صناعية وتقنية قادرة على إنتاج العتاد والمعدات التي تقوم عليها الأنظمة الرقمية، كصناعة الرقائق الإلكترونية والدوائر المتكاملة. والثانية وضع سياسة واضحة لإدارة التكنولوجيا وتنظيم استخدامها، من خلال إدارة شبكات الاتصالات، وحماية الأنظمة، وضبط الاتصال بالعالم الخارجي، وفهم أنظمة التشغيل وآليات تواصل الأجهزة والآلات.

كما أن بروز الحرب الإلكترونية – بصفتها أحد ميادين الصراع الحديثة بين الدول – يقتضي من المسلمين إعداد ما يلزم من القدرات التقنية والرقمية ضمن إعداد القوة المرهبة للعدو، لتكون الحرب الإلكترونية جزءًا من أعمال الجهاد الرامية إلى حماية الدولة ومصالحها، وإسناد جهود حمل الدعوة الإسلامية ونشرها.

الحاجة إلى دائرة مركزية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات:

أصبحت تكنولوجيا المعلومات والاتصالات جزءًا لا يتجزأ من مختلف أعمال الدول ومرافقها الحيوية، ولم تبق مجرد وسائل مساعدة، إذ تعتمد عليها الإدارة والأمن والاقتصاد والدفاع والخدمات العامة، كما تؤدي دورًا أساسيًا في حفظ البيانات والسجلات، والتواصل بين أجهزة الدولة، وتشغيل الأنظمة العسكرية والأمنية، وإدارة البنية التحتية الحيوية. ومع تحولها إلى عصب الدولة الحديثة وتشابكها مع مختلف شؤون الدولة، أصبح أي خلل فيها يؤثر مباشرة على أداء أجهزة الدولة ومصالحها، الأمر الذي يبرز الحاجة الماسة إلى إنشاء دائرة مركزية متخصصة لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات.

فترك هذا القطاع متشعبًا وموزعًا بين إدارات متعددة دون إدارة موحدة وتنسيق متكامل من شأنه أن يوجد ثغرات خطيرة ومنافذ يمكن أن ينفذ منها الأعداء للتأثير على مرافق الدولة أو اختراق أجهزتها الحيوية، بما قد يؤدي إلى إضعافها أو شل بعض وظائفها أو تعطيل مصالح الرعية. ولذلك تتولى هذه الدائرة التخطيط التقني للدولة، وتنظيم قطاع الاتصالات، وإدارة البنية الرقمية، وحماية الأنظمة والشبكات، وتنسيق العمل التقني بين الأجهزة المختلفة، وتعزيز القدرات الإستراتيجية للدولة.

وترتبط دائرة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ارتباطًا وثيقًا بعدد من أجهزة الدولة الرئيسية، وفي مقدمتها دار الخلافة، والولايات والمحاكم ودائرة الحربية ودائرة الصناعة والأمن الداخلي والجهاز الإداري للدولة. ويُنظر إليها بوصفها جهة تمكينية توفر الأدوات والأنظمة التقنية والبرمجيات التي تحتاجها هذه الأجهزة والدوائر لأداء أعمالها. وينبغي أن ترتبط مباشرة بدار الخلافة، لأن تأثيرها يمتد إلى معظم الأعمال السيادية والإدارية والأمنية، ولأنها ليست دائرة خدمات عادية، وإنما جهة ذات أثر مباشر في سير أعمال الدولة وأمنها الداخلي وعلاقاتها الخارجية وقدراتها العسكرية وقوتها الاقتصادية.

 

أبرز مكونات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات:

إن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ليست شيئًا واحدًا، بل هي منظومة مترابطة تتكون من عدة طبقات، ولا بد من إبراز أهم المكونات الأساسية التي تقوم عليها هذه المنظومة، وهي كالتالي:

أولًا: الرقائق والأجهزة والمعدات الإلكترونية، والتي تشكل الجانب المادي الذي تقوم عليه التكنولوجيا كلها. فالحواسيب والهواتف وأجهزة الاتصالات والخوادم والمعدات العسكرية الحديثة تعتمد في عملها على الدوائر الإلكترونية والرقائق الدقيقة.

ثانيًا: أنظمة التشغيل والبرامج والتطبيقات، والتي تمنح هذه الأجهزة القدرة على العمل. فالعتاد الإلكتروني وحده لا يؤدي أي وظيفة ما لم توجد برامج وأنظمة تشغيل تتحكم به وتدير وظائفه المختلفة. وتمثل البرمجيات الجانب المنطقي أو التشغيلي للتكنولوجيا.

ثالثًا: تكنولوجيا الاتصالات، وهي وسائل الاتصال التي تسمح للأجهزة بتبادل المعلومات فيما بينها. فوجود الحواسيب والبرامج وحده لا يكفي، بل لا بد من وجود وسائل تنقل البيانات بين الأشخاص والأجهزة المختلفة.

رابعًا: الشبكات والإنترنت، وهي البنية التي تربط الأجهزة بعضها ببعض، سواء داخل منشأة واحدة أو على مستوى العالم. أما الإنترنت فهو أكبر شبكة عالمية تربط ملايين الأجهزة والأنظمة بعضها ببعض، وتسمح بتبادل المعلومات والخدمات بصورة شبه فورية. ويمثل التحكم بالشبكات وإدارتها جانبًا مهمًا من جوانب السيادة التقنية للدولة.

خامسًا: الحرب الإلكترونية، وهي أحد أهم مظاهر الصراع المعاصر. فالصراع بين الدول بات لا يقتصر على الأسلحة التقليدية، بل أصبح يشمل اختراق الأنظمة وجمع المعلومات والتجسس الإلكتروني والتشويش والتعطيل وحماية البنية التحتية الرقمية. ولهذا أصبحت السيطرة على الفضاء الإلكتروني جزءًا من القوة العسكرية والأمنية الحديثة.

وبالتالي فإن التكنولوجيا الحديثة ليست مجرد حاسوب أو هاتف، وإنما منظومة متكاملة تبدأ من الرقائق الإلكترونية الدقيقة وتنتهي بالشبكات العالمية والحرب الإلكترونية، وكل جزء منها يعتمد على الأجزاء الأخرى ويكملها. وتتجلى مهمة دائرة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في بناء قدرة ذاتية لصناعة العتاد والبرمجيات لتحقيق الاكتفاء الذاتي والسيادة الرقمية الكاملة للدولة.

سياسة إدارة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات:

يجب أن يخضع قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لسياسة عامة، وأن تتولى الدائرة المختصة عملية رسم السياسة العامة للدولة في هذا القطاع، ووضع الخطط الإستراتيجية ومتابعة تنفيذها. فتتولى بناء صناعة الإلكترونيات وتنميتها، كما تتولى تطوير قطاع البرمجيات، وحوسبة أعمال الدولة لتقديم خدمة سريعة وسهلة وبكفاية عالية، وخدمات التواصل السريعة بجودة عالية، وتوفير التكنولوجيا اللازمة لمختلف القطاعات.

قواعد سياسة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات:

لا بد من وضع نظام لإدارة سياسة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في دولة الخلافة، وكنواة لهذا الأمر صيغت حاليًا مجموعة من القواعد في سياسة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وعرض الكتاب تسع عشرة قاعدة لهذه السياسة، مع ذكر الأدلة الشرعية على كل قاعدة. ولا يتسع المقام هنا لعرض هذه القواعد وأدلتها الشرعية ولكن سنقوم بعرض إجمالي لها، حيث يمكن النظر إليها من خلال ثلاثة أطر أو محاور فكرية كبرى، وهي: السيادة التقنية، والمعلوماتية، والإدارية الإستراتيجية.

فأما السيادة التقنية فيُقصد بها امتلاك الدولة القدرة على التحكم في البنيان الأساسي للتكنولوجيا التي تعتمد عليها، بحيث لا تكون مجرد مستهلك للتقنيات التي ينتجها الآخرون، وإنما تمتلك من القدرات الصناعية والعلمية ما يمكّنها من تطوير الأنظمة والأجهزة والبنية التحتية الرقمية التي تحتاجها. ويجمع هذا المحور القواعد المتعلقة بصناعة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وتطوير الاختراعات والأجهزة التقنية، وإنشاء مراكز بيانات عمومية، وإدارة البنية التحتية الرقمية، وتنظيم الموجات اللاسلكية والترددات، وحماية الفضاء الرقمي للدولة.

وأما السيادة المعلوماتية فتتعلق بالتحكم في المعلومات والبيانات التي أصبحت أحد أهم مصادر القوة والنفوذ. فالبيانات لم تبق مجرد سجلات تحفظ في الدوائر، وإنما أصبحت موردًا إستراتيجيًا يمكّن من إدارة المجتمعات والاقتصاد والجيوش ومختلف أجهزة الدولة. ويجمع هذا المحور القواعد المتعلقة بالأمن السيبراني، ورصد التهديدات الخارجية، وحماية الشبكات والأنظمة، وصيانة خصوصية الأفراد، وحفظ سرية بيانات الدولة، وتنظيم الاتصال بالإنترنت والعالم الخارجي.

وأما السيادة الإدارية والإستراتيجية، فتتعلق بكيفية توظيف التكنولوجيا في خدمة الدولة وتحقيق أهدافها العامة. فالغاية ليست التفاخر بالتقدم التقني، وإنما تسخير هذه القدرات لتحسين إدارة مؤسسات الدولة وتطوير الخدمات العامة ورفع جدارة الأداء وتعزيز القدرة على التخطيط واتخاذ القرار. ويجمع هذا المحور القواعد المتعلقة بالوثائق الإلكترونية والتوقيع الرقمي والدفع الإلكتروني والأنظمة الرقمية والقضاء من بُعد والاستفادة من الذكاء الاصطناعي في الأعمال الإدارية، إضافة إلى تنظيم العلاقة بين دائرة تكنولوجيا المعلومات وسائر أجهزة الدولة.

وهناك تفصيل خاص في الكتاب للقاعدة 19 حول سياسة تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات مع دوائر الخلافة وأجهزتها، لا بد من ذكره وهو أن السياسة العامة للدائرة مع دوائر أجهزة الخلافة، تقوم على إنشاء مراكز البيانات المحلية وإدارتها وحماية الأنظمة والشبكات، والإشراف على صناعة البرمجيات والمعدات الأمنية وتطويرها وحماية المعلومات السرية والحساسة للدولة وتوفير قنوات الاتصال والأنظمة الرقمية الرسمية لجميع أجهزة الدولة، والتنسيق مع مختلف أجهزة الدولة لتطوير الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة واستخداماتها.

وثانيها الخدمات والأنظمة التي تقدمها هذه الدائرة لدوائر الدولة المختلفة وأجهزتها أكثر من تركيزها على وضع سياسات جديدة. فهي تبين الدور التمكيني الذي تؤديه الدائرة في دعم دار الخلافة، ودائرة الحربية والأمن الداخلي والخارجية والصناعة، والجهاز الإداري للدولة بمكوناته المختلفة،التي منها إدارة الصحة وإدارة المعارف والمناهج والمساجد وإدارة التابعية وإدارة الحج والعمرة، وكذلك باقي دوائر أجهزة الحكم، وذلك من خلال تزويدها بالأنظمة والبرمجيات وشبكات الاتصال وقواعد البيانات والبنية الرقمية التي تحتاجها لأداء وظائفها. كما تتولى الدائرة الارتقاء بهذه الأنظمة وصيانتها وتأمينها وضمان تكاملها وتبادل المعلومات بينها بصورة آمنة ومنظمة، بما يسهم في رفع جدارة العمل، وتحسين إدارة شؤون الدولة، وتعزيز قدرتها على التخطيط واتخاذ القرار وتحقيق مصالحها العليا.

الخلاصة:

يخلص الكتاب إلى أن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات أصبحت أحد أهم عناصر القوة والسيادة في العصر الحديث، ولم تبقَ مجرد قطاع تقني أو مجموعة من الأدوات الخدمية المساندة. ومن ثم فإن امتلاك هذه التكنولوجيا والتحكم في بنيتها الأساسية هو ضرورة إستراتيجية لضمان تحرر الدولة من نفوذ الاستعمار وحماية مصالحها.

ويؤكد الكتاب أن بناء السيادة التقنية يتطلب تنمية القدرات الذاتية في مجالات الإلكترونيات والبرمجيات والاتصالات ومراكز البيانات والأمن السيبراني، إلى جانب إدارة المجال المعلوماتي. كما يُبرز أهمية توظيف التكنولوجيا في خدمة مختلف أجهزة الدولة، ورفع كفاية الإدارة، وتحسين الخدمات، ودعم اتخاذ القرار، والاستفادة من التقنيات الحديثة، ولا سيما الذكاء الاصطناعي، بما يحفظ مسؤولية الإنسان في الأعمال والقرارات ذات الأثر السيادي.

ومن ثم تتمثل الرسالة الأساسية للكتاب في أن الدولة تحتاج إلى منظومة متكاملة تجمع بين بناء القدرة التقنية الذاتية، وحماية المجال المعلوماتي، وتسخير التكنولوجيا لخدمة الإدارة والأمن والتنمية. وبهذا تصبح تكنولوجيا المعلومات والاتصالات إحدى الركائز الإستراتيجية لتعزيز قوة الدولة وسيادتها وقدرتها على توظيف التكنولوجيا الرقمية لتحقيق غاياتها.

وأخيرا: فإن هذا الكتاب وسائر الكتب التي سبقته تؤكد مقدار الاهتمام والجدية التي يبديها حملة الدعوة لإقامة الخلافة، ووضوح رؤيتهم السياسية والفكرية، وحرصهم على إعداد التصورات العملية اللازمة لإدارة مختلف شؤون الدولة. وسعيهم الحثيث إلى إيجاد رأي عام بهذا المشروع عند الأمة، من خلال تقديم معالجات تفصيلية للقضايا المعاصرة، وإبراز قدرة الإسلام على تنظيم شؤون الحياة والدولة. وكما يكشف هذا الجهد ما يحمله المشروع الإسلامي من وعي وإخلاص، وامتلاك أصحابه لرؤية فكرية وسياسية تسعى إلى بناء دولة حقيقية، تقوم بحمل رسالة الإسلام ونشرها من حيث هي مشروع حضاري يعالج مشكلات الإنسان والمجتمع والدولة. والله الموفق وعليه التكلان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *