العدد 480 -

السنة الأربعون، محرم 1448هـ الموافق حزيران 2026م

مقياس الخير والشر

خليفة محمد – الأردن

قال تعالى:

(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ  شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) [سورة البقرة، 216].

 

ابتدأت الآيةُ الكريمة بإخبار عن كتابة القتال على المسلمين، وهو الفعل الماضي المبنيّ لما لم يُسَمّ فاعله (كُتِبَ)، ووقع الإخبار بمعنى أحد الأحكام الشرعية الذي هو الأمر بالقتال، فمعنى (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ) أي: قاتلوا، وهو أمرٌ دالٌّ على الوجوب، وقد اقترن أيضاً بالجملة الحاليّة: (وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ)فتأكّد وجوب القتال لاقترانه بالمشقّة والكُرْه.

وليس هذا الموضع ُ هو الأولَ في الإذن بالقتال والأمر به، فقد سَبَقَ الإذن بالقتال منذ الهجرة، أي مع قيام الدولة الإسلامية الأولى في المدينة المنورة؛ بقوله تعالى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا) [الحج، 39] وغيره. ولم يكن مأذوناً لهم بالقتال قبل الهجرة.

والكُرْهُ هو ما تكرهُه النفس وينفر منه الطبع، والقتال كريهٌ للنفس لأنّه يحول بينها وبين طمأنينتها ولذتها ونومها وطعامها وأهلها وبيتها، إضافة لما فيه من المشقّة والتعب، وما يمكن أن يحدثه من إزهاق للأرواح وإسالة للدماء، ودمار للبيوت والعمران، ولكنّه يمكن أن يكون خيراً كما أفاد باقي الآية الكريمة.

وقوله تعالى: (وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ)، تذييل لما سبق تشريعه من وجوب القتال الذي تكرهه النفوس لتقرير حقيقة أنّ المكروه قد يكون خيراً، وأنّ المحبوب قد يكون شرّاً، وبدئت بـ(عسى) الدالّة على الرجاء عند الإنسان، لكنها في حق الله تعالى مستخدمة للدلالة على التحقيق والقطع، وفي هذا الجزء من الآية تحديد لمقياس الخير والشرّ الذي يجب أن يكون عند الإنسان، فالإنسان مجرّداً من المفاهيم الصحيحة يرى ما يحبه وينفعه خيراً، ويرى ما يكرهه ويضرّه شرّاً، لكنّ هذا المقياس ليس صحيحاً، فكم من شيء رآه الناس شراً وكان فيه الخير، وكم من شيء رآه الناس خيراً وكان فيه الشر، وخاتمة الآية الكريمة (وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) بيّنت سبب ذلك وهو علم الله سبحانه وتعالى المطلق، وأن علم الإنسان محدود، فعلمُه لا يساوي شيئاً أمام علم الله سبحانه.

وعلى هذا المفهوم جاءت النصوص الشرعية الكثيرة، فمنها قوله عزّ وجلّ في معاملة النساء: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) [النساء، 19] فالله سبحانه وتعالى أمر بحسن معاملة النساء، حتى لو حصل شيء من الكراهية، فليس الكرهُ هو المقياس للعمل، لأنّه كما قلنا قد يكون المكروه خيراً. ومنه قوله تعالى في قصة الإفك: (إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ) [النور، 11] فمع ما كان في هذه القصة من أذى للرسول ﷺ ولزوجه الطاهرة إلا أنّ الله سبحانه وصفها بأنها خير للمؤمنين.

وهذا الوصف والمقياس هو للمؤمنين؛ بعلّة الإيمان بالله سبحانه وتعالى، دلّ على ذلك حديث رسول الله ﷺ: “عَجِبْتُ لأمرِ المؤمنِ، إنَّ أمرَهُ كُلَّهُ خيرٌ، إن أصابَهُ ما يحبُّ حمدَ اللَّهَ وَكانَ لَهُ خيرٌ، وإن أصابَهُ ما يَكْرَهُ فصبرَ كانَ لَهُ خيرٌ، وليسَ كلُّ أحدٍ أمرُهُ كلُّهُ خيرٌ إلَّا المؤمن”، وحكمُ الخيرية هنا متعلق بـ(المؤمن)، وهو اسمُ فاعلٍ، مشتقّ، وتعليق الحكم بالمشتقّ يؤذن بعلّيّة مصدر الاشتقاق، أي إنّ علّة الخيرية لكل أمور المؤمن هي الإيمان، ليقين المؤمن بعلم الله المطلق، وبالغ حكمته وبديع تدبيره سبحانه وتعالى.

يقول أمير حزب التحرير العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة -حفظه الله- في تفسير هذه الآية: “ويكون المعنى: عسى أن تكرهوا ما في الجهاد من مشقة وهو خير لكم فهو طريق النصر والعزة ونشر الإسلام، وهو طريق الحسنيين النصر أو الشهادة. وعسى أن تحبوا الدعة وترك القتال وهو شر لكم فهو السبيل إلى الذلّ والمهانة وتجرؤ العدو عليكم والطمع فيكم. فإن تركتم الأمر لهواكم ضللتم، وإن اتبعتم فرض الله فزتم والله سبحانه هو علام الغيوب”.

وعليه فإنّ الخير كلّه هو في اتباع المؤمنِ أوامرَ الله سبحانه وتعالى، واجتناب ما نهى عنه، فقد قال عزّ من قائل: ( وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُواْ واتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّه خَيْرٌ لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ) [البقرة، 103]، وقال سبحانه: (وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) [البقرة، 184]، وغيرها من الآيات الكثيرة. وإن الشرّ كلّه في الكفر ومعصية الله عزّ وجلّ، قال تعالى: ( وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ) [آل عمران، 180].

               ولا بد من لفت النظر هنا إلى أن النصوص الشرعية مع تحديدها المقياس الصحيح للخير والشر -كما تبيّن- فإنّه ورد فيها استخدام لفظَي الخير والشر بمعناهما اللغوي في بعض المواضع، فقد قال سبحانه وتعالى: (وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ) [الأنبياء، 35]، ذلك أن الإنسان يبتلى بما يكرهه ويرى أنّه يضرّه، فعليه هنا أن ينظر للأمور بمقياسها الشرعي الصحيح، فالله وحده هو العليم الخبير، وهو مالك النفع والضرّ، ولا يبتلي المؤمنَ إلا بما فيه خير له.

والآية الكريمة التي وقفنا معها في هذا العدد أكّدت وجوب القتال في سبيل الله، وهو من الجهاد الذي فرضه الله سبحانه وتعالى، وجعله الطريقة الشرعية لحمل الإسلام إلى الناس ونشره، فالإسلام مبدأ، والمبدأ فكرة وطريقة، فقد أرسل الله سبحانه وتعالى رسوله محمداً ﷺ للناس كافّة، وفرض على المسلمين تنفيذ ذلك بالطريقة الشرعية المحددة، وهي الجهاد في سبيل الله كما فعل رسول الله ﷺ، وهذا يشمل دعوة الناس إلى الإسلام دعوة مؤثرة في عقولهم ونفوسهم، فإنْ أبَوْا عرضنا عليهم أنْ نحكمَهم بالإسلام ونحميهم ويدفعوا الجزية، فإنْ أبَوْا فالقتال والحرب، ولذلك كانت السياسة الخارجية في دولة الإسلام، دولة الخلافة؛ قائمة على حمل الدعوة الإسلامية إلى الناس كافّة، فتنشئ الدولة الإسلامية علاقاتها مع الآخرين بناء على هذا الأساس، وتقوم بالأعمال السياسية التي تحقّق هذه الغاية، وتقوم بالحرب حين لا تُجدي الأعمال السياسية، وعليه تكون الحرب آخرَ أدوات السياسيّ في تحقيق الأهداف وبلوغ الغايات.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعجّل بالنصر والتمكين لهذه الأمة، فتعود سيرتها الأولى في حمل مشاعل النور والهدى والعدل إلى جميع الناس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *