خُبيْبُ بْنُ عَدِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
4 ساعات مضت
المقالات
44 زيارة
المهندس شفيق خميس – اليمن
هو خُبيْب بن عَدِي بن مالك بن عامر بن مجدعة الأوسي الأنصاري، صحابي جليل، بطل من أبطال الإسلام الأوائل، من أهل المدينة.
شَهِدَ غزوتي بدر وأحد مع النبي ﷺ. بعثه رسول الله ﷺ ضمن ستة من الصحابة يعلمون قبيلتي عُضَل والقارة الإسلام.
ذكر ابن هشام في سيرته ج3 عن مقتل خُبيْب بن عدي تحت عنوان ذِكر يوم الرجيع، أن رهطاً من عُضَل والقارة – وهما قبيلتان معديتان عدنانيتان بالنسب تعودان إلى الهَوْن بن خُزيمة بن مدركة – جاء إلى المدينة المنورة متظاهراً بالإسلام “فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ فِينَا إسْلَاماً، فَابْعَثْ مَعَنَا نَفَراً مِنْ أَصْحَابِكَ يُفَقِّهُونَنَا فِي الدِّينِ، وَيُقْرِئُونَنَا الْقُرْآنَ، وَيُعَلِّمُونَنَا شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ. فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَفَراً سِتَّةً مِنْ أَصْحَابِهِ” بينهم خُبيْب بن عَدِي رضي الله عنه. خرجوا مع القوم حتى كانوا على ماء لقبيلة هُذَيل بناحية الحجاز يسمى الرجيع، غدروا بهم، واستصرخوا عليهم هُذَيْلاً. فغشيهم قوم من بني لحيان وسيوفهم بأيديهم، “فَقَالُوا لَهُمْ: إنَّا وَاَللَّهِ مَا نُرِيدُ قَتْلَكُمْ، وَلَكِنَّا نُرِيدُ أَنْ نُصِيبَ بِكُمْ شَيْئاً مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَلَكُمْ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ أَنْ لَا نَقْتُلَكُمْ”.
ثلاثة من الصحابة قالوا: والله لا نقبل من مشرك عهداً ولا عقداً أبداً، فقاتلوا حتى قُتلوا. وأما الثلاثة الآخرون بينهم خُبيْب بن عَدِي رضي الله عنه، فلانوا ورقّوا ورغبوا في الحياة، فأوثقوا بأوتار قسيهم، أحدهم هو عبد الله بن طارق رضي الله عنه نزع يده من القِران، وأخذ سيفه واستأخر عنه القوم فرموه بالحجارة حتى قتلوه، وقبره بالظهران.
ثم سِيْقَ خُبيْب بن عَدِي وصاحبه وزيد ابن الدَّثْنَة رضي الله عنهما، فقدموا بهما مكة ليبيعوهما بأسيرين من هُذْيَل كانا بمكة. ابتاع خُبَيْباً بن عَدِي حُجَيْرُ بن أبي إهاب أحد بني أُسيد بن عمرو بن تميم، لعُقبة بن الحارث بن عامر، ليقتله بأبيه الحارث بن عامر بن نوفل، الذي قتله خُبيْب بن عَدِي يوم بدر. وذلك لصلة قرابة بينهما، فقد كان أبو إهاب التميمي، والحارث بن عامر أخوين لأم.
ثم إن خُبَيْب بن عَدِي قعد فيهم حتى تنقضي الأشهر الحُرُم قبل أن يقتلوه. قات ماويَّة مولاة حُجَيْر بن أبي إهاب وكان قد حبس في بيتها: “قَالَ لِي حِينَ حَضَرَهُ الْقَتْلُ: ابْعَثِي إلَيَّ بِحَدِيدَةٍ أَتَطَهَّرُ بِهَا لِلْقَتْلِ، قَالَتْ: فَأَعْطَيْتُ غُلَاماً مِنَ الْحَيِّ الْمُوسَى، فَقُلْتُ: ادْخُلْ بِهَا عَلَى هَذَا الرَّجُلِ الْبَيْت، قَالَت: فوالله مَا هُوَ إلَّا أَنْ وَلَّى الْغُلَامُ بِهَا إلَيْهِ، فَقُلْتُ: مَاذَا صَنَعْتُ! أَصَابَ وَاَللَّهِ الرَّجُلُ ثَأْرَهُ بِقَتْلِ هَذَا الْغُلَامِ، فَيَكُونُ رَجُلاً بِرَجُلِ، فَلَمَّا نَاوَلَهُ الْحَدِيدَةَ أَخَذَهَا مِنْ يَدِهِ ثُمَّ قَالَ: لَعَمْرَكَ، مَا خَافَتْ أُمُّكَ غَدْرِي حِينَ بَعَثَتْكَ بِهَذِهِ الْحَدِيدَةِ إلَيَّ! ثُمَّ خَلَّى سَبِيلَهُ” (سيرة ابن هشام ج3 ص127)
حين خرجت به قريش إلى التنعيم ليصلبوه، “قَالَ لَهُمْ: إنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تَدَعُونِي حَتَّى أَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ فَافْعَلُوا، قَالُوا: دُونَكَ فَارْكَعْ. فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ أَتَمَّهُمَا وَأَحْسَنَهُمَا، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الْقَوْمِ فَقَالَ: أَمَا وَاَللَّهِ لَوْلَا أَنْ تَظُنُّوا أَنِّي إنَّمَا طَوَّلْتُ جَزَعاً مِنَ الْقَتْلِ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الصَّلَاةِ” (المصدر السابق ص127)
ثم اختتم خُبَيْب حياته، بعد أن رفعوه على خشبه وأوثقوه، بدعاء ارتجف له الحاضرون، فقال: “اللَّهمّ إنَّا قَدْ بَلَّغْنَا رِسَالَةَ رَسُولِكَ، فَبَلِّغْهُ الْغَدَاةَ مَا يُصْنَعُ بِنَا، ثُمَّ قَالَ: اللَّهمّ أَحْصِهِمْ عَدَداً، وَاقْتُلْهُمْ بَدَداً، وَلَا تُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً” (المصدر السابق ص127-ص128)
فأخافت دعوته فرقاً معاوية بن أبي سفيان، وكان يُغشى على سعيد بن عامر الجُمحي بين الناس إذا ذكرها. وقال الحارث بن البرصاء: ما كنتُ أظُن أن سيبقى منا أحد.
وتلا أبياتاً من الشعر قال فيها:
فَلَسْتُ أُبَالِي حِيْنَ أُقْتَلُ مُسْلِماً *** عَلَى أَيَ جَنْبٍ كَانَ فِي اللَّهِ مَصْرَعِي
وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الإِلَهِ وِإِنْ يَشَأ *** يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ
أخذ الحربة أبو مَيْسرة أخو بني عبد الدار وجعلها بين يدي أبو سروعة عُقبة بن الحارث – لصغر سنه – ثم طعنه بها حتى قتله. تركته قريش مصلوباً، ورصدت حواليه العيون لئلا ينزله أحد، فيوارى الثرى.
قال حسان بن ثابت رضي الله عنه يرثي خُبَيْباً:
مَا بَالُ عَيْنِكَ لَا تَرْقَا مَدَامِعُهَا *** سَحاً عَلَى الصَّدْرِ مِثْلَ اللُؤْلُؤْ القَلِق
عَلَى خُبَيْبٍ فَتَى الفِتْيَانِ قَدْ عَلِمُوْا *** لَا فَشَلٍ حِيْنَ تَلْقَاء وَلَا نَزِق
فَاذْهَبْ خُبَيْبُ جَزَاكَ اللَّهُ طِيِّبَةً *** وَجَنّةَ الخُلْدِ عِنْدَ الحُوْرِ فِي الرُفُق
مَاذَا تَقُوْلُوْنَ إِنْ قَال النبيُّ لَكُم *** حَيْنَ المَلَائِكَةُ الأَبْرَارُ فِي الأُفُق
فِيْمَ قَتَلْتُمْ شَهِيْدَ اللَّهِ فِي رَجُلٍ *** طَاغٍ قَدْ أَوْعَثَ فِي البُلْدَانِ وَالرُّفَق
وزاد الطبري في تاريخه ج2 أن رسول اللَّه ﷺ بعد قتل خُبَيْب بْن عَدِي، بعث عمرو بن أُميَّة الضَمري ورجلاً من الأنصار، لقتل أبي سفيان بن حرب في مكة، فانكشف أمرهما أن عرف رجل من قريش عمرو بن أُميَّة الضَمري، ولم يصلا إلى هدفهما. وأن عمرو بن أُميَّة الضَمري قال: “فَجِئْتُ إِلَى خَشَبَةِ خُبَيْبٍ وَأَنَا أَتَخَوَّفُ الْعُيُونَ، فَرَقَيْتُ فِيهَا، فَحَلَلْتُ خُبَيْباً، فَوَقَعَ إِلَى الأَرْضِ، فَانْتَبَذْتُ غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ الْتَفَتُّ فَلَمْ أَرَ لِخُبَيْبٍ رِمَّةً، فَكَأَنَّمَا الأَرْضُ ابْتَلَعَتْهُ، فَلَمْ تُذْكَرْ لِخُبَيْبٍ رِمَّةٌ حَتَّى السَّاعَةِ” (تاريخ الطبري ج2 ص541-542) لذلك لُقِّبَ خُبَيْبُ بْنُ عَدِي رضي الله وأرضاه “بليع الأرض”.
1447-12-26