اشتغال المسلمين بقضاياهم تكليف وتشريف
ساعة واحدة مضت
المقالات
20 زيارة
عائشة الزعتري -فلسطين
يتميز تاريخ المسلمين بالمواقف العظيمة المشرفة لرجال الأمة، هذه المواقف التي اتخذها هؤلاء للذود عن الأمة والدين، وأصبحوا بها نجوماً في تاريخ أمتهم ومضرباً للمثل في الفخر والاعتزاز، ففي كل قضية ألمّت بالأمة وعلى مدار عصورها المختلفة تميزت الأمة بجاهزية ثلة من أبنائها للقيام بتبني قضاياها هذه، والتصدي لها، واتخاذ ما يتوجب من إجراءات لحلها ومعالجتها، وتقديم التضحيات العظيمة والجهود اللازمة في سبيل حل هذه القضايا، ورفع ضررها عن الأمة، وفعل ما يتوجب على الأمة فعله لنيل رضا الله سبحانه وتعالى.
فمثلاً بعد مرور عقود على وفاة رسول الله ﷺ، وكان قد نهى عليه السلام عن تدوين سنته الشريفة في حياته حتى لا تختلط بالقرآن الكريم، وكانت قد اتسعت رقعة الدولة الإسلامية في العصر الأموي وكثر دخول الأعاجم في الإسلام، ظهرت الحاجة لتدوين السنة النبوية الشريفة لحفظها، خاصة بعد ظهور الوضّاعين للحديث، فاتخذ خليفة المسلمين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه موقفاً جادّاً أن أرسل يطلب من الإمام ابن شهاب الزهري وآخرين معه جمع الأحاديث وتدوينها، فبدأ علماء المسلمين رحلة جمع الأحاديث وتدوينها ابتداء من أوائل القرن الثاني الهجري، واستمرت جهود آلاف مؤلفة منهم على مدار ما يقارب أربعة قرون من الجمع والتدوين، ثم الانشغال بالمصنفات والمسانيد وغيرها من تفريعات علم الحديث.
وكذلك عندما اتسعت الفتوحات وكثر دخول الأعاجم في الإسلام ظهرت قضية خشية فساد اللسان العربي، لضرورة استقامته لقراءة القرآن والسنة وفهمهما، فقامت ثلة من العلماء قعّدوا للّغة علومها التي عرفت بها فيما بعد، من نحو وصرف وبيان وبديع وغيرها، ويروى أن أبا الأسود الدؤلي هو أول من اشتغل بهذا الأمر بطلبٍ من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
وعندما ازدهر الفقه الإسلامي، وبدأت تتكون مذاهب فقهية في البلاد الإسلامية، ظهرت قضية الجدل بين أصحاب المذاهب والفقهاء في مسائل عدة تتعلق بالفقه والأدلة، فقام الإمام الشافعي رحمه الله وبدأ بوضع قواعد أسست لعلم أصول الفقه، الذي ضبط القواعد والأسس للمجتهدين، وجاء بعد ذلك علماء آخرون أكملوا تقعيد هذا العلم العظيم الأهمية.
وعندما تعرضت دولة الخلافة في محطات تاريخية عدة للغزو الخارجي، وانهزمت أمام هذا الغزو في معارك، وتعرضت أجزاء من بلاد الإسلام لسيطرته، وعلى الرغم من أن هذه القضايا طال أمدها وليلها القاتم على الأمة الإسلامية، كان الانشغال بحل هذه القضايا قائماً في أرجاء الدولة، ولم تهدأ الأمة يوماً عن التجهيز للخلاص من براثن هذا الغزو، وبقي الرجال المخلصون يعملون ويصلون الليل بالنهار، وبقيت تتسلم رايةَ العمل والإنجاز ثلةٌ عن ثلة، حتى سطّر التاريخ الواقعات العظيمة كحطين وعين جالوت وغيرها، وهذا الانشغال بمثل هذه القضايا كان يجمع الحكام والعلماء والمجاهدين، كلٌ على ثغره حتى لا يؤتى الإسلام من قبله، حتى أنجز الله وعده لعباده المخلصين، فكان النصر والتحرير.
وبشكل عام عند النظر في تاريخ الإسلام الممتد عبر قرون طويلة، نجد لكل قضية واجهت هذا الدين وأمته، سواء في وجود دولة الإسلام أو قبل قيامها في العهد المكي للدعوة أو بعد سقوطها سنة ١٣٤٢ للهجرة، نجد أن كل قضية ألمّت بالأمة الإسلامية كان لها رجال أبطال يتصدون لها، ويجتهدون في الاشتغال بها حتى تنقضي، والمواقف العظيمة تلمع في التاريخ وفي الحاضر وتؤكد هذا الأمر.
ففي مكة مثلاً عندما شنت قريش حملة اضطهاد على من أسلم من أبنائها، وأخذت تنكل بهم وتعذبهم أشد أنواع التعذيب،وُجدت المواقف العظيمة من صبر الصحابة وثباتهم، كآل ياسر وبلال بن رباح وخباب بن الأرت وغيرهم الكثير، وكان موقف أبي بكر الصديق في تحرير رقاب من كان رِقاً من الصحابة الكرام، رضي الله عنهم جميعاً.
وعلى سبيل المثال أيضاً، بعد هدم الخلافة، وعلى الرغم من انحطاط الأمة الإسلامية ووقوعها تحت الاستعمار، قام من أبنائها من يسعون لما كلفوا به من إعادة نهضتها، وإعادة عزها ومجدها، بإقامة دين الله في الأرض، ومواقف أبطال الأمة وهم في طريق النهضة هذا كثيرة وعظيمة، وستستمر بمشيئة الله حتى يأذن سبحانه وتعالى بنصرٍ عزيزٍ لدينه ولأمة نبيه ﷺ.
كما أن النظر في قضايا المسلمين على مر تاريخ الإسلام يبين الطاقات العظيمة والقدرات الكبيرة عند مجموع الأمة الإسلامية التي تجعل جاهزيتها واستعداداتها من كل الجوانب متوفرة، وهذه الجاهزية تعزى إلى عدة أمور:
أولها توفيق الله سبحانه وتعالى وتأييده لعباده، وتهيئته سبحانه للأسباب التي تلزم لتحقيق الغاية المرجوة، فالمسلم يتخذ موقفاً تجاه قضايا أمته استجابة لله وطمعاً في رضوانه، فإذا توكل على الله في عمله هذا وجعله خالصاً لوجه الله جعل الله له من لدنه سلطاناً نصيراً، وهيأ له الأسباب، فاتخاذ المسلم موقفاً تجاه قضية ما، وعزمه على القيام للاشتغال بها، وبذله الجهد في الاستعداد والتجهيز، وصبره على المعيقات التي تواجهه، كلها جهود يكلف المسلم ببذلها، ولكنه بمعية الله في أول أمره وفي منتهاه، وهو الذي يدبر له الأمر ويجري له الخير كيفما شاء سبحانه، وعند العودة إلى التاريخ وما يرويه من مواقف وبطولات لأبناء الإسلام نرى تجسد هذا الأمر في أصحاب المواقف والإنجازات.
كما أنه سبحانه وتعالى يجري الأقدار لرفعة هذا الدين وأهله، فلا تقع قضية أو حادثة على الأمة إلا أجرى لها أهلاً يقومون لها، وهيأ لهم أسباب تحقيق النتائج، وقدّر لهم من الاستعدادات ما يلزمهم، وهذا من لطف الله بعباده، ولو أن المرء نظر إلى كل ثلة قامت لحل قضية ما، رأى قدراً عظيماً من الصفات اللازمِ توفرُها عند الشخص لينجز ما قام لأجله، كقوة الحفظ المميزة عند رواة الحديث من الصحابة والمحدثين، والقدرة العالية للتخطيط والتدبير عند القادة العسكريين، وهذا كله من تهيئة الله الأسباب لعباده.
ثم إن رعاية الدولة الإسلامية وعنايتها بما يلمّ بالدولة والأمة من قضايا، ومبادرتها باتخاذ الإجراءات والقرارات اللازمة، فهذا من لبّ عملها، وهي مكلفة به، والخلفاء كانوا ينظرون إلى دينهم ودولتهم وأمتهم نظرة الرعاية وما تتضمنه من محافظة على قوام كلٍ منها. لذلك كان الكثير من المواقف العظيمة بطلب وتوجيه من الخليفة، بل في كثير من الحالات كان الخليفة وسائر الحكام في الدولة هم أصحاب هذه المواقف، وهل هناك أعظم من المواقف الشرعية السياسية التي تتخذ لنصرة الدين وتبليغه، وكف اعتداء الكافرين والذود عن ديار المسلمين، وحفظ الدين والنفس والأمن للناس، والتي لا تتحقق إلا بالدولة.
وكانت الدولة أيضاً ترعى الاستعدادات لدى المسلمين، وتتخذ التدابير اللازمة لإعداد جنود في كل الميادين، فزخر العالم الإسلامي في رحابها بالسياسيين، ورجال الدولة، والقادة العسكريين، والعلماء في كل المعارف، وكانت ترعى كذلك تطور الأساليب وتَقدّمَها، فكانت رائدة في كل ميدان، وكانت متفوقة على غيرها من الدول بل كانت منارة العالم في كل أمر.
وأما بالنسبة لأفراد المسلمين: فما الذي يدفعهم إلى اتخاذ المواقف تجاه قضايا أمتهم ودينهم؟
إن موقف المسلم من قضايا أمته تكليف شرعي، وليس متروكاً لأهوائه ونزواته واختياراته، إن شاء اهتم لشؤون أمته واشتغل بقضاياها، وإن شاء ترك ذلك وغفل عنه، بل كلف الشرع الحنيف المسلمين بالاشتغال بقضايا أمتهم ودينهم، باتخاذ المواقف التي ترضي الله رب العالمين، وهذا الأصل في المسلم، والذي يجب أن يكون عليه حاله، وهذا الذي يربيه الإسلام فيه.وهذا الاشتغال بقضايا الأمة والدين يتحقق بتفاوت بين المسلمين كلٌ على قدر استطاعته، كما أنه يتحقق من خلال الأفراد والجماعات والدولة.
والإسلام يجعل اشتغال الأمّة بالأحداث والقضايا سمة عامة للمجتمع الإسلامي،وذلك من خلال عدة أحكام وأفكار ومفاهيم، من أهمها:
أولاً: يبدأ الإسلام بغرس الاهتمام عند المسلم تجاه إخوانه المسلمين في محيطه ومجتمعه، ويرسخ عنده تحمل المسؤولية عن الغير، فالإسلام يجعل المسلم عضوًا في أمة، ويجعل بينه وبين أبناء أمته رابطة العقيدة الإسلامية، ويجعل انتماءه الذي هو حاجة فطرية عنده لدينه ولأمته، ويحث في كثير من النصوص الشرعية على التلاحم والتعاضد بين المسلمين والنظر والالتفات إلى شؤون الغير، وتحمل مسؤولية قضاء حوائج المحتاجين منهم، ما يُلزم المسلمَ الاشتغالَ بقضايا الناس على المستوى الفردي.
والأمثلة من الكتاب والسنة التي تحث على التوادّ والتراحم بين المسلمين كثيرة، والذي يتحقق بمدّ جسور التواصل وبناء العلاقات الطيبة بينهم، والنتيجة المتحققة في المجتمع جراء تطبيق هذه الأحكام، أن تسود أجواء الأخوة والترابط والتعاضد بين المسلمين، ومن هذه الأدلة:
أخرج مسلم والبخاري عن النعمان بن بشير رضي الله عنه، عن رسول الله ﷺ قال: “مثلُ المؤمنين في تَوادِّهم، وتَرَاحُمِهِم، وتعاطُفِهِمْ، مثلُ الجسَدِ إذا اشتكَى منْهُ عضوٌ تدَاعَى لَهُ سائِرُ الجسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى”.
وروى الترمذي عن أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ قال: “لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا وَكونوا عبادَ اللَّهِ إخوانًا، ولاَ يحلُّ لمسلمٍ أن يَهجرَ أخاهُ فوقَ ثلاثٍ” .
وأخرج أبو يعلى، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، عن رسول الله ﷺ قال: “ليس بمؤمنٍ من بات شبعان وجارُه إلى جنبِه جائعٌ وهو يعلمُ.”
وهذه التكاليف وغيرها يكلف بها الفرد المسلم تجاه أخيه المسلم، وقد تكلف بها الأمة تجاه فرد واحد أو فئة من الناس، كفك العاني أي الأسير مثلاً، روى البخاري في صحيحه عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، عن رسول الله ﷺ قال: “فُكُّوا العانيَ، يَعني: الأسيرَ، وأطعِموا الجائِعَ، وعُودوا المَريضَ”.
إذن على المسلمين الاهتمام بشؤون بعضهم بعضاً، والانشغال بقضاء حوائجهم، وذلك من باب الإحسان، يقول تعالى في سورة البقرة: {وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}.وهذا تأكيد على مفهوم أن المسلم ينتمي إلى أمة، ويجب عليه الاهتمام والاشتغال بشؤون أبناء أمته وشؤون إخوانه المسلمين وأحوالهم في محيطه، وهذا على الأغلب يعلّمه الاشتغال بالقضايا الأكبر للمسلمين، والتي يكلف شرعاً أيضاً بالاشتغال بها، فيجعله يعتاد على ذلك، ويزرع فيه الشعور بالمسؤولية تجاه أمته، فإذا كان دينه يطلب منه الاهتمام بجارٍ أو قريبٍ صاحب حاجة، فكيف به وهو يرى ملايين المسلمين في بلادهم الواسعة مجوعين ونازحين لا مأوى لهم، وضحايا لحروب يشنها الكافر المستعمر في بلادهم ليسلب قرارهم وثرواتهم فيعانون القتل والدمار والفقر والمرض لسنين طويلة ولا مغيث لهم؟! وكيف به وهو يرى المسلمين يؤسرون ويعتقلون ويعذبون في سجون الظالمين ولا مغيث لهم؟! وكيف به وهو يرى إخوته في الدين تفرقهم حدود مصطنعة وتضعهم في كيانات متنازعة؟! إن مفاهيم التكافل والتعاضد التي تزرعها الشريعة في المسلم مع إخوانه المسلمين في محيطه ومجتمعه تفرض عليه النظر إلى قضاياهم في كل بلاد الإسلام، فلا يستوي أن يفرض الإسلام على المسلم الاشتغال بجوع جاره وهو شبعان ولا يبالي باشتغاله مثلاً بقضايا التهجير والنزوح والتجويع التي أصبحت ظاهرة في بلاد المسلمين يعاني منها الملايين من أبناء دينه، وإن كان ما يتوجب عليه من واجب شرعي تجاه الحالتين مختلف.
ثانياً: فرض الإسلام على المسلمين حمل الدعوة، وحمل الدعوة عمل سياسي، ومحوره الأساسي هو الاشتغال بالسياسة،أي رعاية شؤون الناس، فالإسلام بجوهره دين سياسي: يقيمه المسلمون في الأرض بإقامة دولة تطبق شرعه وتحمله إلى العالمين بالجهاد لإزالة الحواجز المادية التي تعيق تبليغه إلى الناس، وكل هذه المحطات الدعوية تحتاج وتتطلب الاشتغال بالأحداث والقضايا السياسية، ليس فقط بأحوال العالم الإسلامي وأحداثه، بل العالم أجمع لتعلقها بها، فحمل الدعوة عمل سياسي، والسياسة من أهم متطلباتها الاشتغال بالأحداث والقضايا،وهذا يفرض على مجموع الأمة الإسلامية أن تكون قضاياها محط نظر واشتغال عندها.
ثالثاً: إن التكاليف الشرعية التي تطبقها الدولة الإسلامية هي بالأساس تكاليف للأمة، فالأمة هي المكلفة بتطبيق شرع الله وبالجهاد، وهي تنيب عنها خليفة ينفذ الأحكام عنها، وهي مكلفة بالحفاظ على الدولة، لذلك لا يجوز أن تغفل عن الأحداث والقضايا والمجريات داخل الدولة الإسلامية وخارجها، بل يجب أن يشتغل مجموع الأمة بالسياسة، للقيام بما كلفوا به من فروض عين وكفاية، للحفاظ على دينهم وأمتهم ودولتهم، ولإسقاط ما فرض عليهم من تكاليف، ولنيل رضا رب العالمين.
رابعاً: يرفض الإسلام الفردانية التي هي من أسس الفكر الرأسمالي، والتي تجعل الإنسان فرداً يعيش لذاته منشغلاً بنفسه وبحياته، ولا يقيم وزناً لغيره من الناس أو لمجتمعه ولدولته، بل القيمة العليا تكون للفرد وهو مقدم على الجماعة والدولة، فالفردية تربي صاحبها على الأنانية وعدم تحمل المسؤولية،ولا مكان لهذا الفكر في الإسلام، بل يتناقض معه تناقضاً عظيماً، فالإسلام يركز تركيزا كبيرا جداً على أهمية الدولة والمجتمع، ويعطيهما أولوية في حياة الناس، ويهتم لما يجب أن يكون عليه المجتمع من انضباط بالمفاهيم الإسلامية، ويهتم لحق الحياة العامة ولحق جماعة المسلمين، فيفرض على الفرد العيش في جماعة يهتم بأمرها ويلتزم تكاليف تجاهها، ولا يعيش لذاته ولمصالحه فقط.
خامساً: هناك أحكام شرعية تكلف المسلمين بالاشتغال بقضايا الأمة بشكل مباشر، كالمحافظة على العقيدة والدين، وكإقامة الخلافة، وتنصيب خليفة للمسلمين، ومحاسبة الحكام، وتحرير بلاد المسلمين من كافة أشكال الاستعمار، وكفرضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتي تجعل المسلمين يشتغلون بشؤون العامة لأنهم مكلفون بإزالة المنكر منها حسب الاستطاعة، وغيرها الكثير من الأحكام التي تبين وجوب اشتغال المسلمين بقضايا أمتهم، والتي يترتب عليها أجر وثواب أو إثم وعقاب.
هذه بعض الأفكار التي جاء بها الإسلام ليرسخ في المسلم الاهتمام والاشتغال بشؤون الأمّة وقضاياها.
إذن الإسلام يكلف الأمة بالاشتغال بقضاياها وبما يتعلق بها، وذلك من أجل معالجتها، فالأصل في التشريعات الإسلامية معالجة القضايا وحل المشكلات، ولا يُقبل من الأمة أن تترك قضاياها دون علاج. كما أن النظر إلى هذه القضايا يجب أن يكون من زاوية العقيدة الإسلامية، والاهتمام بها بداية لأنها قضية تتعلق بالأمة الإسلامية، ووجهة نظره إلى القضية تكون حسب مقاييس الشرع، أما ما تعلق بها من أمور فكرية مباحة فيجتهد أن يأخذ الرأي الصواب فيها، ثم ينظر إلى الحل من منطلق الأحكام الشرعية.
ثم إنّ الأصل أن المسلم حين ينظر إلى قضايا أمته السياسية، ويتخذ موقفاً تجاهها، يكون للتأثير والتغيير، فإذا تبنى وجهة نظر أو رأيا تجاه قضية أو حدث أو مسألة ما، عليه أن يظهره للناس أو لأوساطٍ معينة يهمه أمرها، فيظهر تأييده أو رفضه، وذلك من أجل التأثير في الناس وفي الحدث نفسه، هذا الأصل على الرغم مما فيه من مشقة، ومنهج الإسلام في التأثير والتغيير يكون عادة من خلال جماعة. فمثلاً كلفت الشريعة المسلمين بإقامة الأحزاب لإقامة الدين ولمحاسبة الحكام، فالمُشاهد أن تأثير عمل الفرد من خلال فريق أقوى وأعظم تأثيراً من عمله الفردي، بل يعجز الفرد أحياناً عن التأثير.
والمسلمون اليوم ومنذ هدم دولتهم وهم يتعرضون لأحداث عظيمة، وقضاياهم كثيرة ومتجددة، وعلى الرغم من ذلك فإن جمهوراً كبيراً منهم ينأى بنفسه عن هذه القضايا، فلا يشتغل بها، ولا يتخذ موقفاً تجاهها، بل يقتصر على انشغاله بنفسه وشؤونه.وهناك من المسلمين طائفة تشتغل بالقضايا وتتخذ مواقف تجاهها وتعمل على التأثير في الناس بها، ولكن مواقفهم تغضب الله، فينحازون إلى الباطل ويؤيدونه، ويضللون المسلمين بأن مواقفهم وحلولهم هي رأي الشرع وهم كذابون مضللون.
وهناك من يرى أن اعتزال قضايا الأمة في زماننا وعدم الخوض فيها هو أمر مشروع وأنه عين الصواب لما في هذا الزمان من فتن، ومنهم من يستدل بأحاديث تكلمت عن العزلة، مثل ما رواه البخاري ومسلم عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: “كانَ النَّاسُ يَسألونَ رَسولَ اللهِ ﷺ عَنِ الخَيرِ، وكُنتُ أسألُه عَنِ الشَّرِّ مَخافةَ أن يُدرِكَني، فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّا كُنَّا في جاهِليَّةٍ وشَرٍّ، فجاءَنا اللهُ بهذا الخَيرِ، فهل بَعدَ هذا الخَيرِ شَرٌّ؟ قال: نَعَم، فقُلتُ: هل بَعدَ ذلك الشَّرِّ مِن خَيرٍ؟ قال: نَعَم، وفيه دَخَنٌ، قُلتُ: وما دَخَنُه؟ قال: قَومٌ يَستَنُّونَ بغيرِ سُنَّتي، ويَهدونَ بغيرِ هَدْيي، تَعرِفُ منهم وتُنكِرُ، فقُلتُ: هل بَعدَ ذلك الخَيرِ مِن شَرٍّ؟ قال: نَعَم، دُعاةٌ على أبوابِ جَهَنَّمَ مَن أجابَهم إليها قَذَفوه فيها، فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، صِفهُم لَنا، قال: نَعَم، قَومٌ مِن جِلدَتِنا، ويَتَكَلَّمونَ بألسِنَتِنا، قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، فما تَرى إن أدرَكَني ذلك؟ قال: تَلزَمُ جَماعةَ المُسلِمينَ وإمامَهم، فقُلتُ: فإن لم تَكُنْ لهم جَماعةٌ ولا إمامٌ؟ قال: فاعتَزِلْ تلك الفِرَقَ كُلَّها، ولو أن تَعَضَّ على أصلِ شَجَرةٍ حتَّى يُدرِكَكَ المَوتُ وأنتَ على ذلك”.
والحديث في مدلوله يدعو إلى اعتزال الدعاة الضالين الذين وصفهم رسول الله ﷺ أنهم دعاة على أبواب جهنم، كما يدعو إلى اعتزال الفتنة بمعنى عدم الوقوع فيها، ولا يدعو إلى اعتزال المسلمين وقضاياهم، فمَن للمسلمين وللدين إن اعتزل الصالحون وأهل العلم الساحات! بل الشريعة تدعو المسلمين إلى الاشتغال بقضاياهم، وخاصة أهل العلم منهم.
والبعض يرى أن السياسة لوثة وأن الاشتغال بها فساد في الأمر وأن المسلم في غنىً عنها، وإن كان اشتداد الأحداث والنكبات على المسلمين اضطرهم إلى الاهتمام والالتفات إلى الأحداث والقضايا والانشغال بها إلى حدٍ كبير قياساً بفترات سابقة مرت على الأمة.
وإن الأمة الإسلامية اليوم تتعرض لقضايا كثيرة وشديدة البأس، وأُمّ هذه القضايا إقامة دينها في الأرض بإقامة الخلافة، وإن الجهود التي تحتاج الأمة أن تبذل اليوم هي التوجه إلى جيوش الأمة لطلب نصرة الإسلام والمسلمين، ولإسقاط عروش الظلمة الطغاة من بلاد الإسلام، أما ما يبذل من جهود فردية من قبل علماء الأمة ومفكريها في ميادين العلم والسياسة بعيداً من هذا التوجه، فهو وإن كان خيراً له أثر في الأمة، ولكنه ليس الأثر المرجو، فلو اجتمع في عصرنا كبار الأئمة والعلماء من تاريخنا، كالشافعي وابن حنبل وابن تيمية وغيرهم واشتغلوا بالعلم وجمعه وتدريسه في الحلقات وتركوا مخاطبة الجيوش لما انتفعت الأمة منهم النفع الذي تحتاجه، إن الاشتغال بإقامة الدين في الأرض تكليف شرعي عظيم، وما ذلّ المسلمون واستكانوا في الأرض إلّا بتركه والإعراض عنه، فعلى المسلمين أن يُقبلوا عليه لتحل قضاياهم جميعاً تترى، ولينالوا رضا ربهم وجناته، ولينالوا شرف الدنيا والآخرة.
1447-12-25