الحج بين مسؤولية الخلفاء وتضييق الأنظمة المعاصرة على الرعية
ساعتين مضت
كلمات الأعداد
13 زيارة
وائل السلطان
منذ أن رفع إبراهيم قواعد البيت الحرام، وأذّن في الناس بالحج، بقيت هذه الشعيرة واحدة من أعظم المظاهر الجامعة للأمة الإسلامية، إذ يلتقي المسلمون فيها على اختلاف ألسنتهم وألوانهم وبلدانهم في مقصد تعبدي واحد، يخلعون فيه مظاهر التفاوت الدنيوي، ويقفون بين يدي الله حفاة القلوب من زينة الدنيا وكبريائها. والحج في جوهره ليس مجرد رحلة دينية تؤدى فيها طقوس مخصوصة، بل هو إعلان متجدد عن وحدة الأمة وخضوعها لله وحده، ولهذا كانت رعاية الحج عبر التاريخ الإسلامي جزءًا من صميم مسؤولية الخليفة أو الإمام تجاه الرعية.
لقد فهم الخلفاء الأوائل هذا المعنى بعمق، فلم ينظروا إلى الحج باعتباره عبئًا إداريًا أو موسمًا اقتصاديًا، بل عدّوه أمانة شرعية، يُسألون عنها أمام الله قبل أن يُسألوا عنها أمام الناس. ولذلك ارتبطت هيبة دولة الخلافة تاريخيًا بقدرتها على حماية الحرمين وتأمين طرق الحج وخدمة الحجاج. وكانت كتب السياسة الشرعية والفقه السلطاني تَعُدّ “إقامة الحج” من أعظم وظائف الإمام، حتى ذكر الماوردي في كتابه الأحكام السلطانية أن من واجبات الخليفة: “تسيير الحجيج، وحماية الطرق، وإقامة الموسم، ومنع الظلم عن الناس”.
ولم يكن هذا الكلام نظريًا مجردًا، بل انعكس في سلوك الخلفاء أنفسهم. فقد كان أبو بكر الصديق أميرًا على الحج في حياة النبي ﷺ، ثم استمر الخلفاء بعده يولون الحج اهتمامًا بالغًا. وكان عمر بن الخطاب شديد العناية بأحوال الحجاج، يتفقد الطرق، ويراقب الولاة، ويخشى أن يتعرض مسلم للظلم أو المشقة في سفره إلى بيت الله. وقد اشتهر عنه شعوره العميق بالمسؤولية حتى قال: “لو عثرت بغلة في العراق لسألني الله عنها لِمَ لمْ تمهّد لها الطريق يا عمر”، فكيف بمن يقصد بيت الله الحرام في رحلة شاقة عبر الصحاري والمهالك؟
ومن يقرأ تاريخ دولة الخلافة يدرك أن قضية الحج لم تكن قَطُّ هامشية. فقد أنفقت الدولة أموالًا طائلة على شق الطرق، وبناء الاستراحات، وحفر الآبار، وتأمين الحماية العسكرية لقوافل الحجيج. وكانت قوافل الحج الكبرى من العراق والشام ومصر واليمن تسير تحت حماية الدولة ورعايتها، لأن الاعتداء على الحجاج أو تركهم فريسة للخوف والجوع والعطش كان يُعد فضيحة سياسية للحاكم نفسه. بل إن بعض الخلفاء كانوا يخرجون مع الناس في الحج، لا استعراضًا للسلطة، وإنما مشاركة للرعية في الشعيرة، وإشعارًا لهم بأن الإمام ليس منفصلًا عن الأمة.
وفي العصر العباسي بلغت العناية بالحج مستوى بالغًا من التنظيم والرعاية، فأنشئت المنازل والمحطات على طرق الحج، ووُضعت العلامات الإرشادية، وأقيمت السقايات، بل كانت بعض النساء من أهل الدولة يتسابقن في أعمال البر المتعلقة بالحجيج، ومن أشهرهن زبيدة بنت جعفر التي أنفقت أموالًا عظيمة في إنشاء مشروع “عين زبيدة” لتوفير الماء للحجاج في مكة والمشاعر المقدسة. ولم يكن ذلك كله طلبًا لمردود اقتصادي أو دعائي، وإنما كان شعورًا بأن خدمة الحجيج من أعظم القربات وأجلّ مسؤوليات الحكم.
لقد كان الخلفاء يدركون أن الحاج ضيف على الله، وأن الدولة ليست مالكة للحرمين، بل خادمة لهما. ولهذا كانت لغة الخدمة والرعاية هي الغالبة على الخليفة تجاه الحج، لا لغة الامتياز والسيادة والتحكم. وكان الناس، رغم مشقة السفر وخطر الطرق في الأزمنة القديمة، يشعرون أن الدولة تسعى لتسهيل وصولهم إلى البيت الحرام لا لتعقيد الأمر عليهم.
أما اليوم، فإن كثيرًا من المسلمين ينظرون إلى واقع الحج بشيء من الحزن والأسى. فمع التقدم التقني الهائل، وتطور وسائل النقل، واتساع إمكانات الدول، كان المتوقع أن يصبح الوصول إلى الحج أكثر سهولة ويسرًا مما كان عليه في دولة الخلافة. غير أن الواقع يكشف صورة أكثر تعقيدًا؛ إذ يواجه ملايين المسلمين قيودًا إدارية ومالية وسياسية تجعل الحج حلمًا عسير المنال.
لقد أصبح الحج في كثير من البلدان مرتبطًا بإجراءات طويلة، وحصص محدودة، وانتظار يمتد سنوات، فضلًا عن التكاليف الباهظة التي ترهق الفقراء وذوي الدخل المحدود. وبعض المسلمين قد يمضي عمره كله مشتاقًا إلى البيت الحرام، ثم تحول بينه وبين ذلك الرسوم المرتفعة أو التعقيدات التنظيمية أو القيود السياسية. بل إن البعض صار يرى أن الحج انتقل من كونه شعيرة مفتوحة للأمة إلى كونه امتيازًا لا يناله إلا من يملك المال الكافي أو النفوذ اللازم.
ولا شك أن إدارة الحج في العصر الحديث تواجه تحديات ضخمة لم تكن موجودة قديمًا، فالأعداد اليوم بالملايين، ومخاطر التدافع والكوارث قائمة، وتأمين الحشود يحتاج إلى إمكانات وتنظيم معقد. ورغم ما قامت به السلطة هناك من تنظيم إداري وتطوير للبنية التحتية، وإنشاء جسور وقطارات ومرافق حديثة قدمت خدمات لأعداد هائلة من الحجاج فإنها غير كافية، وواضح التقصير فيها مقارنة بما لديهم من قدرات. والمشكلة التي يشعر بها كثير من المسلمين لا تتعلق فقط بالتنظيم، بل بالروح التي يُدار بها الحج. فالفارق بين منطق الخلفاء الأوائل ومنطق كثير من الأنظمة القائمة الآن أن الخلفاء كانوا ينطلقون من دافع شرعي بأنهم مسؤولون عن تيسير العبادة للناس، بينما يغلب اليوم الطابع الاستغلالي على التعامل مع الحج. ومن هنا يشعر بعض المسلمين أن الحاج تحول إلى “رقم” داخل منظومة ضخمة، وأن الاعتبارات السياسية والمالية باتت تتقدم على روح الرحمة والتخفيف.
لقد كان الخليفة في التاريخ الإسلامي يخشى أن يُسأل عن تعثر حاج في الطريق، أما اليوم فكثير من الأنظمة تتعامل مع الحجاج بمنطق الإجراءات الصارمة المجردة، دون أن يلمس الناس دائمًا روح الرفق والتيسير التي حض عليها الإسلام. وقد جاء في الحديث الصحيح عن عائشة رضي الله عنها وأرضاها عن النبي ﷺ وسلم أنه قال: (اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به) رواه مسلم، وهو حديث يضع قاعدة عظيمة في الحكم والإدارة، تقوم على أن الأصل في الولاية الرحمة والتخفيف لا التعسير والإرهاق.
ومن المؤلم أن بعض المسلمين باتوا يشعرون أن الوصول إلى البيت الحرام أصبح أصعب عليهم من السفر إلى كثير من بقاع الأرض الأُخَر، رغم أن الحج ركن من أركان الدين، وأن الأصل فيه التيسير لمن استطاع سبيلا. صحيح أن الاستطاعة شرط شرعي، لكن الفرق كبير بين عجز طبيعي سببه الفقر أو المرض، وبين عجز تصنعه الأنظمة المعقدة والرسوم المرهقة والسياسات المقيدة.
كما أن من أخطر ما يهدد روح الحج المعاصرة تغليب الاعتبارات السياسية على وحدة الأمة في هذه الشعيرة. فالحج في أصله شعيرة إيمانية جامعة، يجتمع فيها المسلمون على التوحيد والتجرد لله، بعيدًا من الانقسامات القومية والسياسية، لكن الواقع الحديث كثيرًا ما يجعل الحج متأثرًا بالصراعات الإقليمية والخلافات الدولية، فيتحول بعض الحجاج إلى ضحايا للتوترات السياسية بين الدول.
إن استعادة المعنى الإسلامي الحقيقي لمسؤولية الحاكم تجاه الحجيج هو المطلوب، وليس فقط المزيد من الفنادق والجسور والأنظمة الإلكترونية، وإنما استعادة روح “الرعاية” التي سادت في عصور كثيرة من تاريخ دولة الخلافة، حين كان الحاكم يرى نفسه مسؤولًا عن راحة الحاج وكرامته وسلامته قبل أي اعتبار آخر.
إن الأمة الإسلامية اليوم بحاجة إلى إعادة التوازن بين ضرورات التنظيم الحديث وبين المقصد الشرعي للحج باعتباره عبادة ميسّرة لا امتيازًا نخبويا ومحاصصة قبلية. فالحج ليس مشروعًا اقتصاديًا، ولا مناسبة لإظهار السلطة والسيطرة، بل هو حق شرعي للمسلمين القادرين، فالأصل عودة الحكم إلى أهله من المسلمين، لا أن يبقى بيد من خضع للغرب الكافر جاعلا من هذا الموسم فرصة لممارسة التضييق وخنق المسلمين وإهانتهم بإجراءات ما أنزل الله بها من سلطان.
لقد بقيت الكعبة عبر القرون رمزًا لوحدة المسلمين ومهوى لأفئدتهم، وسيظل المسلمون يحنّون إليها مهما اشتدت القيود والعوائق. لكن التاريخ سيظل يميز بين حاكم رأى نفسه خادمًا لضيوف الرحمن، فسعى لتخفيف المشقة عنهم، وبين من جعل الطريق إلى البيت الحرام مليئًا بالحواجز والتكاليف والتعقيدات. فالسلطة في الإسلام ليست تشريفًا مجردًا، وإنما أمانة ثقيلة، ومن أعظم وجوه هذه الأمانة أن يُعان المسلم على طاعة ربه لا أن يُرهق في سبيل الوصول إليها.
فهذا مثال على سوء رعاية من تسلط على أمور المسلمين جاعلا من سلطته مصدر استغلال وفرصة استهانة بحياة المسلمين وأموالهم. فالأمة اليوم حري بها أن تقف أمام هذا الظلم والتفرق ساعية بجد نحو جمع البلاد في دولة واحدة وتحت راية واحدة وخليفة واحد، كما جمعتهم هذه الشعيرة العظيمة ….
اللهم استعملنا ولا تستبدلنا، واجمع أمتنا تحت خليفة واحد يرعى شؤوننا ويسعى بالخير فيما بيننا… اللهم آمين آمين يا رب العالمين والصلاة والسلام على القائد الأمين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
1447-12-25