العدد 478 -

السنة الأربعون ، ذو القعدة 1447هـ الموافق أيار 2026م

مع القرآن الكريم: الكتاب والميزان والساعة

خليفة محمد- الأردن

قال تعالى:

(اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ)[الشورى/17].

تكوّنت الآية الكريمة من جملتين، أخبرت الأولى منهما عن إنزال الله سبحانه وتعالى الكتاب بالحق، وعن إنزاله سبحانه وتعالى الميزانَ، ودلّت الجملة الثانية على قرب قيام الساعة، أي اليوم الآخر.

والكتابُ المقصود هنا هو القرآن الكريم، مع احتمال أن يكون المراد جميع الكتب السماوية، فيكون لفظ الكتاب اسم جنس.

وإنزال الكتاب من الله سبحانه وتعالى على رسوله ﷺ كان بالحق، والحق في اللغة يعني الصحة والثبوت والصدق، وفي الاصطلاح يعني الموافقة والمطابقة، أي الاعتقاد للشيء المطابق لما هو عليه في نفس الأمر، فنزول القرآن من عند الله حقاً وصدقاً، كما قال سبحانه وتعالى: (لَّـكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا) [سورة النساء/166]، وكل ما في القرآن موافق لمراد الله تعالى ومطابق لما يَصْلُح به حال الإنسان في الدنيا والآخرة.

         وعطفت الآية الميزان على الكتاب، أيْ: الله الذي أنزل الكتاب بالحق، والله الذي أنزل الميزان، فجمع في الإنزال بين الكتاب والميزان الذي يتضمنه، فهما شيء واحد، الكتاب يتضمن الميزان، وخص الميزان بالذكر لأهميته في انضباط الحياة الدنيا للناس والحياة الآخرة، ولعله أهمّ ما أنزل الكتاب لأجله، ولذلك جاء العطف بالواو التي عطفت الجزء على الكل.

         ومعنى الميزانِ العدلُ، كما قال ابن عباس وأكثر المفسّرين، كما نقل القرطبي، ويقول ابن عاشور في التحرير والتنوير: «والميزان هنا مراد به العدل؛ مثل الذي في قوله تعالى: ( وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ) [سورة الحديد/25]؛ لأنه الذي وضعه الله؛ أي: عيَّنه لإقامة نظام الخلق…”. فالكتاب الذي أنزله الله سبحانه وتعالى بالحق يتضمّن الميزان الذي أراد الله سبحانه وتعالى أن يسير الناس عليه، ويشمل ذلك ميزان الأفكار والمفاهيم، وميزان النفس والميول، وميزان الأعمال والسلوك، لتنضبط كلها بالعدل والاستقامة على الصراط المستقيم.

         والناس لا يستغنون عن الميزان في تعاملاتهم في البيع والشراء، فيستخدمون الرطل للوزن، والصاع للكيل، والعدد للمعدود، ويحتاجون للدقة في التعبير عن درجة الحرارة والرطوبة والضغط، ويستخدمون المتر في الأشياء المقيسة، ولا يستغنون عن الميزان في مختلف العلوم كالفيزياء والكيمياء والطب والرياضيات؛ فإذا كان الأمر كذلك في الأشياء المادية المحسوسة فالأَولى أنهم يحتاجون للميزان للحكم على الأفكار والمفاهيم والميول والسلوك، لكنهم عاجزون عن وضع الميزان لها، فالله تعالى أنزل مقاييسها في كتابه، وبيّنها رسوله ﷺ، ودلّ على هذا المعنى أيضاً قوله تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) [سورة الحديد/25]، فجاء التعليل باللام، أي لأجل أن يقوم الناس بالقسط، أي بالعدل، ولا يقوم الناس بالقسط إلا إذا استقامت أفكارهم ومفاهيمهم وميولهم وسلوكهم، وكان بيان كل ذلك في الكتب التي أنزلها الله سبحانه وتعالى على رسله عليهم صلوات الله. وعلى ذلك أيضاً جاء معنى الميزان في قوله تعالى: (وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ) [سورة الرحمن/7].

         أما الجملة الثانية في الآية الكريمة التي نحن معها اليوم فقد دلّت على قرب قيام الساعة، فقد خاطب الله سبحانه وتعالى رسوله الكريم ﷺ بالاستفهام الدالّ على الإثبات، أي إثبات عدم معرفته بموعد قيام الساعة، وخطاب الله سبحانه لرسوله ﷺ هو خطاب لأمته ما لم تأت قرينة تدلّ على أنه خاصّ به، وهنا لا قرينة، فإذا كان الرسول ﷺ لا يعرف موعد قيام الساعة، فإنّ بقيّة الناس يجهلون موعدها من باب أولى.

         و”لعلّ”تعني في اللغة ترجّي وقوع ما بعدها، لكنّها في حق الله تعالى تفيد التحقيق والوجوب، قاله الزجاج في معاني القرآن وإعرابه 2/367، وابن فارس في معجم مقاييس اللغة 4/317، وعلى هذا قول اللغويين والمفسرين. أي: لا شكّ أنّ موعد الساعة قريب، فهو إخبار من الله سبحانه وتعالى عالم الغيب والشهادة؛ بقرب قيام الساعة على وجه التحقيق والوجوب.

         وجاء الإخبار في الآية عن الساعة بلفظ “قريب”، وليس “قريبة”وذلك لأمرين؛ أولهما: أنّ تأنيث الساعة مجازي وليس تأنيثاً حقيقياً، وثانيهما: أنّ الإخبار جاء عن وقت الساعة أو موعدها، أي على حذفِ مضافٍ تقديره “لعل وقت الساعة قريب”أو: “لعلّ موعد الساعة قريب”، ومما يؤكّد أنّ الإخبار هو عن موعد الساعة أيضاً وليس عن حقيقتها؛ الآيةُ التي تليها مباشرة، (يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ) [سورة الشورى/18]، فالذين لا يؤمنون بها يستعجلون وقوعها ووقتها وموعدها، لكنّ الذين آمنوا يوقنون بوقوعها ويخافون منها، والذين يجادلون بوقوعها في ضلال بعيد، فهي لا شكّ واقعة وحادثة وآتية وقريبة، لأنّ كلّ آتٍ قريبٌ كما يُقال في المثل.

وإجمالاً لما سبق نقول: ابتدأت الآية الكريمة بلفظ الجلالة (الله) الواجب الوجود، وهو ما قبل الحياة الدنيا، وأخبرت عن إنزاله الكتاب بالحق وإنزاله الميزان، والكتاب والميزان كلاهما متضمنان صلة الأوامر والنواهي بالله تعالى، وهي صلة الحياة الدنيا بما قبلها، ثم عطفت بالدلالة على قرب قيام الساعة، لتكتمل صلة الأوامر والنواهي بما بعد الحياة الدنيا، وهو اليوم الآخر، لتوجد صلة الثواب والعقاب بعد البعث والنشور على التزام تلك الأوامر والنواهي، فجاءت هذه الآية القصيرة معبّرة عن حل العقدة الكبرى عند الإنسان، وهي الأسئلة الثلاثة: من أين جئت؟ ولماذا؟ وإلى أين؟ فكان الجواب الصحيح الموافق لفطرة الإنسان والمقنع لعقله بالفكرة الكلية عن الكون والإنسان والحياة وعن علاقتها جميعها بما قبلها، وعن علاقتها جميعها بما بعدها، وما قبل الحياة الدنيا هو الله تعالى، وما بعدها هو اليوم الآخر، والصلة بما قبل الحياة الدنيا صلتان: صلةُ خَلق وإيجاد من العدم، وصِلةُ الأوامر والنواهي، والصِلة بما بعد الحياة الدنيا هي صلة محاسبة الله سبحانه وتعالى للناس على انضباطهم بالأوامر والنواهي، فتكون هذه الفكرة الكلية التي تحلّ العقدة الكبرى عند الإنسان أساساً لنهضته، وتصبح العقيدةَ العقلية التي ينبثق منها النظام؛ أي: المبدأ، وتصير القيادةَ الفكرية التي تحدد سير الإنسان في الحياة، وتحدد وجهة نظره، ومُثُلَه العليا، ومفاهيمه عن الحياة الدنيا، ونظرته إلى السعادة، وحضارته التي هي الطراز المتميّز من العيش، وتمزج ميوله بمفاهيمها الصحيحة فتصاغ نفسيته بما صيغت به عقليته؛ فتتشكل شخصيته الإسلامية المتميزة التي تجعل غايتَها رضوانَ الله تعالى. ويتشكّل المجتمع بالأفكار الإسلامية والمشاعر الإسلامية وأنظمة الإسلام، فيصبح المجتمع بالمبدأ مطبِّقاً للإسلام كاملاً، وحاملاً لرسالته إلى الناس كافة.

نسأل الله سبحانه أن يهدينا لأرشد الأمر، وأن يمكّن لنا في الأرض لنقوم ويقوم الناس بالقسط بوضع كتابه وميزانه موضع التطبيق، ويمكّننا من حمل هذه الرسالة إلى الناس كافة لإسعادهم وإخراجهم من الظلمات إلى النور، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *