مُعْضِلَةُ مدرسةِ «الإصلاح» وأزمتُها المُسْتَفْحِلَةُ في محاولتِها ترقيعَ الواقعِ العلمانيِّ الكافرِ بالإسلام!
ساعتين مضت
المقالات
33 زيارة
الأستاذ مُناجي محمد
اتَّخذت حربُ الأفكارِ والعقولِ ضدَّ الفكرِ الإسلاميِّ والثقافةِ الإسلاميَّةِ منحًى خطيرًا مع نهايةِ القرنِ الماضي، لَمَّا أدرك الغربُ أنَّ المبدئيةَ الإسلاميَّةَ عصيَّةٌ على الكسر، وتَسارَعَت محاولاتُ تفكيكِ مفاهيمِ الإسلام سعيًا من الغرب لإعادةِ فرضِ نتائجه العلمانيَّة بوصفها نتائجَ إسلاميَّةً للتصدي للفكرِ الإسلاميِّ الذي استعاد حيويتَه وفاعليتَه.
وكان من أخطرِ أدواتِ التفكيكِ المُبْتَكَر ما اصطلح عليه فلسفيًّا وعلمانيًّا: «أسلمةُ المعرفة» وتجديدُ الفكر الإسلامي، ومعها زُرِع لغم معرفيّ وغُرِست معضلة فكرية وثقافية في حقلِ المعرفةِ الإسلاميَّة وساحةِ الصراعِ الفكريِّ مع الإسلام؛ أنتجت معها عقولًا من أبناءِ الإسلام مشوَّهةً بمفعولِها، وحركةً فكريةً ومدرسةً قائمةً على أساسِ فلسفتها، وعملًا سياسيًّا بحسب نتائجها سُمِّي إصلاحيًّا.
والحقيقةُ العاريةُ المُرَّةُ أنّنا أصبحنا أمام تيارٍ فكريٍّ وثقافيٍّ وحركةٍ سياسيَّةٍ تسعى لإصلاحِ الكفرِ العلمانيِّ بأدواتِ الفكرِ العلمانيِّ ومن داخلِ المنظومةِ العلمانيَّة؛ اجتمعت بها وعليها الأثافي الثلاث: إصلاحُ ما استحال إصلاحُه، والإبقاءُ على ما وجب تغييره، والتفكيرُ بقواعدِ الكفرِ العلمانيِّ ومن داخلِ القفصِ العلمانيِّ؛ لإعادةِ إنتاجِ الكفرِ العلماني منظومةً وأنظمةً وفكرًا وتفكيرًا. وها هي دوَّامةُ هذا التيارِ الفكريِّ والحركةِ السياسيَّةِ قائمةٌ مستمرَّةٌ تُوظَّف المرَّةَ تلو الأخرى لإعادةِ تدويرِ المنظومةِ العلمانيَّة المفلسة الفاشلة باسم الإصلاح.
هذه دراسةٌ في نهجِ ما اصطلح عليه «أسلمةُ المعرفة» وتجديدُ الفكر الإسلامي، وما تمخَّض عنها من حركاتٍ إصلاحيةٍ قائمةٍ على أساسها، وتسليطُ الضوءِ على نماذجَ من هذه المدرسةِ المعرفيَّةِ المأزومة.
– في المنهجِ والنهجِ أوّلًا:
بدأت ونمت فكرةُ الإصلاح في البلادِ الإسلاميَّة أداةً من أدواتِ الغزوِ الثقافيِّ العلمانيِّ الغربي؛ بذرتها استشراقيَّةٌ غربيَّةٌ اعتمدت ضربَ أسسِ الحياةِ الإسلاميَّة وتشويهَ أحكامِ الشرعِ الحنيف، وغرسَ بذرةِ الفكرِ العلمانيِّ والتمهيدَ للدعوةِ للأخذِ بالثقافةِ العلمانيَّة وحضارتها الغربيَّة باسم الإصلاح. ومن أساليبِ هذا الغزوِ المقنَّع بالإصلاح: احتضانُ مدرسةِ الاستشراقِ الغربيَّة لثلةٍ من رجالاتِ المسلمين والنصارى ليكونوا طلائعَ الهدمِ للحياةِ الإسلاميَّة، والتشويشِ على الفكرِ والثقافةِ الإسلاميَّة، والترويجِ لشبهاتِ المستشرقين التي تطعن في الإسلام، وتُزَيِّنُ سمومَ الفكرِ العلمانيِّ الغربي.
وكان النبتُ الخبيثُ الأوّل لبذرةِ الاستشراقِ وغزوِ العلمانيَّة لديارِ وعقولِ المسلمين: منهم الأزهريُّ رفاعةُ الطهطاوي، والأفغانيُّ وتلميذُه محمد عبده، ورشيد رضا؛ وكان كلُّ جهدِهم الفكريِّ والسياسيِّ منصبًّا على علمنةِ حياةِ المسلمين عبر ما سُمِّي إصلاحَ أوضاعِ المسلمين المتردية من خلال الاستفادةِ من المنظومةِ الفكريَّة والسياسيَّة العلمانيَّة الغربيَّة وحضارتها ومدنيَّتها.
ومع الفشلِ المأساويِّ والإفلاسِ الحضاريِّ المُدَمِّرِ للمنظومةِ العلمانيَّة في ديارِها وفي ديارِ المسلمين بالخصوص، وهبوبِ رياحِ التغيير على أساسِ الإسلام والاهتداءِ لمشروعِه فكرةً وطريقةً مع وجودِ الثلةِ الواعيةِ المخلصةِ التي تحمل مشروعَ الإسلام الصافيَ النقيّ؛ انتقل الوضعُ من حالةِ غزوٍ ثقافيٍّ ناعمٍ وسيلتُه وأداتُه الأنظمةُ الوظيفية للاستعمار، إلى حربٍ حضاريةٍ طاحنة، وحربِ أفكارٍ وعقولٍ شرسةٍ قاسيةٍ تواجه عنفوانَ الفكر الإسلامي واستعلاءَه بأساليبَ خبيثةٍ ماكرة؛ أبقت على عنوان «الإصلاح» مع مضامينَ أكثرَ خفاءً وسُمِّيَّةً وتدميرًا وتخريبًا.
فمع الفشلِ الثقافيِّ العلمانيِّ والإفلاسِ الحضاريِّ الغربي أمام استعادةِ الفكرِ الإسلامي لغلبته وقهره، اتخذ الغربُ من التحريفِ والتزييفِ والتلفيقِ أداةً في حربِ الأفكارِ والعقول عوضَ الطعنِ المباشر في الإسلام؛ بمعنى تحريفِ المفاهيمِ الإسلاميَّة وإعادةِ صياغتِها بما يتوافق مع علمانيَّةِ الغرب، وصبغِ المفاهيمِ العلمانيَّة بقشرةٍ إسلاميَّة تزييفًا وتلفيقًا لاستساغتها من جديد.
وابتكر الغربُ أسلوبًا جديدًا في غزوه الثقافيِّ العلماني وأداةً مبتكرةً في حربِه الحضارية الثقافية، وهو ما اصطلح عليه «أسلمةُ المعرفة» وتجديدُ الفكر الإسلامي؛ شعاراتٌ برّاقة لتحطيمِ الحواجزِ النفسيةِ لتمريرِ المفاهيمِ العلمانيَّة السامة. فقد ظهر المصطلحُ لأول مرة في الساحة الفكرية في ثمانيناتِ القرن الماضي، ثم تطور بعدها إلى تيارٍ فكريٍّ ومدرسةٍ إصلاحيةٍ جديدةٍ وموجةٍ ثانيةٍ للإصلاح (العلماني).
والمعنى: منهجٌ ونهجٌ آخر في الإصلاح (الغزو الثقافي العلماني) عبر أسلمةِ العلمانية؛ في تلفيقٍ معرفيٍّ فاضح، في ادعاءٍ زائفٍ أن مفاهيمَ الفكرِ العلمانيِّ الغربي تجد جذورها المعرفيَّة في الفكر الإسلامي والثقافة الإسلامية. وهي في الحقيقة عمليةُ خداعٍ وتضليلٍ فكري لأبناء الإسلام في إعادةِ غزوهم ثقافيًّا بالعلمانية الغربية، والترويجِ للأمر على أنه اجتهادٌ وتجديدٌ وتوليدٌ لفكرٍ إسلاميٍّ معاصر يلامس قضايا العصر وإشكالاته المستجدة وأزماته الراهنة.
في تفكيكِ الفكرة أولًا:
فمشروعُ أسلمةِ المعرفة ضمنيًّا يفترض وجودَ معرفةٍ لأسلمتها؛ فالحديثُ حتمًا ليس عن معرفةٍ إسلامية، فحينها يصبح الحديثُ عن الأسلمة عبثًا. فحتما الحديثُ عن معرفةٍ من خارجِ الدائرةِ المعرفية للإسلام. ولما كانت فكرةُ المنظومةِ العلمانيَّة الغربية وثقافتُها هي المهيمنةَ والمسيطرةَ على حياتِنا، كانت المعرفةُ المعنيَّةُ بالأسلمة هي العلمانيَّة الغربيَّة تحديدًا. والأسلمةُ هنا: مشروعٌ الغرب ومُخطَّطه في إعادةِ تأهيلِ منتجِه العلماني المفلس الفاشل وتدويرِه. وأسلمةُ المعرفة تعني تحديدًا وحصرًا الحفاظَ على الجوهرِ الثقافيِّ العلمانيِّ مع قشرةٍ اصطلاحيَّةٍ إسلامية لا تُحدث أيَّ أثرٍ في المضمونِ والمحتوى.
ويشهد أحدُ المنخرطين في مشروعِ أسلمةِ المعرفة -وهو طه جابر العلواني رئيسُ المعهدِ العالميِّ للفكرِ الإسلامي بواشنطن، ورئيسُ المجلسِ الفقهي لأمريكا الشمالية- في دراسةٍ له بعنوان: «إصلاح الفكر الإسلامي بين القدرات والعقبات» على المنهجِ والنهجِ في أسلمةِ المعرفة، ويقف على حقيقةِ المشروع من أن غايتَه إعادةُ نفخِ الروحِ في مفاهيمِ الفلسفةِ والفكرِ العلمانيِّ الغربيِّ المُتَهَالِك عبر شحنه بمعارف من الثقافة الإسلامية والفكر الإسلامي، والهدفُ إعادةُ تأهيلِه وتسويقُه في الساحةِ الفكريَّة والثقافيَّة الإسلامية، ابتكارًا وإنشاءً وتجديدًا للفكر الإسلامي، للخروج من حالةِ الانحطاط، وإصلاحًا للأوضاع المتردية، فيقول:
»لذا كانت القضيةُ التي اضطلع المعهدُ العالميُّ للفكرِ الإسلامي بتحمل مسؤوليتها والتبشير بها هي قضيةُ إصلاح مناهج الفكر وإسلامية المعرفة، وهي من القضايا التي تطرح نفسها بقوة اليوم، وتعتبر في نظر المعهد من أهم قواعد المشروع الحضاري الإسلامي المعاصر المتكامل، المقترح بديلاً عن المشروع الحضاري الغربي الذي أصاب أمتنا عنت شديد من سائر وجوه التعامل معه، بسبب مجافاته لعقيدة الأمة وتجاهله لمعادلتها النفسية والاجتماعية، وإهماله للشخصية الحضارية التاريخية لها«.
ثم يفصح المشروعُ عن وجهِه الغربيِّ العلمانيِّ القبيح حتى وهو يتدثر بشتى ألحفةِ الأسلمة؛ إذ يقول صاحبُ معهدِ فكرِ واشنطن الإسلامي، طه جابر العلواني: «ويرى هذا المشروع أن المنطلق لكل إصلاح ونهوض إسلامي إنما يبدأ من إصلاح مناهج الفكر لدى المسلمين، وبناء النسق الثقافي الإسلامي (أي إصلاح عالم الفكر وتنقيته) لتحقيق الأصالة الإسلامية، وتصويب الرؤية الحضارية، وبناء العقل القادر على استلهام الأصالة، وهضم الحداثة وتَمَثُّلِها –معًا– في مشروع حضاري إسلامي معاصر متكامل، متحرر من أزمة الفكر وأوهامه، وخطأ المنهج وانحرافاته.. خاصة وأن قضية إصلاح مناهج الفكر الإسلامي، وإسلامية المعرفة، لم تحظ بالاهتمام المطلوب، ولم تبلغ الأبعاد المؤثرة في حياة المسلمين، رغم أهميتها وخطورتها، وإن لم تخل الساحة باستمرار من محاولات، لكنها لم تتجاوز الجهود الفردية».
فمختصرُ القضيةِ الإصلاحيَّة في أسلمةِ المعرفة وتجديدِ الفكرِ الإسلامي وهدفُها هو هضمِ العلمانيةِ الغربيَّة (الحداثة) التي قاءها أبناءُ الإسلام ولفظوها، مع خلطها بنكهةٍ إسلامية لاستساغتها من جديد عبر ما سماه صاحبُ معهدِ الفكر الإسلامي بواشنطن: «استلهام الأصالة وهضم الحداثة وتمثلهما معًا».
ومع حربِ الأفكارِ والعقول التي أعلنها الغربُ أواخرَ القرنِ الماضي، ابتكر الغربُ أساليبَ وآلياتٍ جديدةً للتضليلِ الفكري، اعتمد فيها فكرةَ نقدِ العلمانية من داخلها وبقواعدها لإعادةِ ترميمِ بنيانِها المُتَهَالِك، واستنساخِ مدارسَ في بلادِ المسلمين على أساس هذه الفكرة.
وهكذا أُبرِزَ الإصلاحيون أصحاب مدرسةِ أسلمةِ المعرفة وتجديدِ الفكر الإسلامي بوصفهم ناقدين للفكرِ العلمانيِّ الغربي؛ فكان نقدُهم ليس نقضًا للعلمانية ولا قطيعةً معها، بل هو في الحقيقة استمرارٌ وتقليدٌ لتيارٍ ظهر في الفلسفةِ والفكرِ العلمانيِّ الغربي ينتقد العلمانية ومن داخلِ العلمانية، في محاولةِ لتداركِ أعطابِها وأزماتِها بعد جنوحِها المعرفيِّ الحادِّ والشاذِّ وانتهائها إلى عدميتها المطلقة والفارغة من القيم والأخلاق.
لقد كان التأسيسُ الأوّل في نقدِ العلمانية غربيًّا خالصًا عبر مدرسةِ فرانكفورت؛ وهي تيارٌ فلسفيٌّ ثقافيٌّ علمانيٌّ غربي تأسس في ألمانيا في أوائلِ القرنِ العشرين، بعد صدمةِ الحربِ العالمية الأولى والفشلِ الذريعِ للعلمانية الغربية في حل المسألة الإنسانية، الذي تمثل في انحدارِ الغرب السحيق لوحشيةٍ فاقت وحشيةَ الوحوش إبان همجية حربه الكبرى. ونما هذا التيار تحديدًا في معهدِ البحوثِ الاجتماعية في جامعةِ فرانكفورت عام 1923، وتناسلت النظرياتُ النقدية للحداثة العلمانية ونتائجها المدمرة في كلٍّ من بريطانيا وأمريكا.
ومدرسةُ فرانكفورت لم تهدف لإلغاءِ العلمانية، لكن انتقدتها بشدة من داخلها وبأدواتها، مع إشادتها بقيمتها الفلسفية والعقلية؛ ولكنها عابت عليها العقلَ الماديَّ الآليَّ الجافَّ الذي انتهى إليه العقلُ العلماني حين تجرد كليًّا من القيم الإنسانية والخلقية. وكان هدفُ النقد محاولةَ معالجةِ القصور والفشل العلماني وإفلاسِ العلوم المادية والتقنية في حل المعضلة والعقدة الإنسانية، عبر ضخِّ بعضٍ من القيم الإنسانية والخُلقية في المنظومة العلمانية لبعث الروح في جيفتها، لتجاوز قصورها وفشلها وإفلاسها الثقافي والحضاري.
وهذه الأدواتُ العلمانية وظّفتها مراكزُ الفكرِ العلمانيِّ الغربي لإعادةِ تأهيلِ المشروعِ العلماني بعد فشله الثقافي والحضاري والسياسي في البلاد الإسلامية، وتسويقِ المشروع عبر مناهج التعليم ومواد وأطروحات وبحوث الجامعات؛ ففرخ معها تيارٌ يتصدر المشهد في زعم إصلاح أعطاب العقل المسلم لانتشاله من حالة الانحطاط والركود والكسل الفكري والتقليد الغبي إلى حالة النهضة والارتقاء الفكري والتوليد والإنشاء، معتمدًا على نفس الأدوات العلمانية، ولتحقيق نفس الهدف في تهذيب وتخليق الفكر العلماني الغربي، وتحديدًا السياسي منه، وتطعيمه بقيمٍ روحيةٍ وخُلقية. فهو استنساخٌ لمدرسةِ فرانكفورت ولكن في بيئةٍ إسلامية، استوجبت هذه البيئة أن تكون تلك القيم الروحية والأخلاقية من إسلامِ هذه البيئة، بمعنى أنها منظومةٌ ونظامٌ علمانيٌّ، ولكن رئيسه، كأردوغان، يصلي ويتلو القرآن بصوتٍ شجيٍّ، ولا يزني ولا يعاقر الخمر ولا يتفحش، ولكنه يحكم بكل قوانين العلمانية الكافرة شعبًا مسلمًا؛ فيقر ويقنن الربا والقمار وملكية الشركات الرأسمالية لثروات المسلمين، ويقنن الزنى والشذوذ والتفحش والاختلاط والسفور والعري والفن الساقط، ويشارك جيشه في حروب أمريكا الصليبية الاستعمارية، وينخرط في مجلس أمن الغرب وهيئة أمم الغرب، ولا ينصر مسلمي غزة المقهورين وإخوانهم في بورما وتركستان الشرقية امتثالًا للنظام الدولي الغربي…
فهذا التيار (الإصلاحي) ينتقد العلمانية، وبشدةٍ في حالاتٍ عدة، ولكن ليس لنقضها ونسفها والقطيعة معها، بل لأسلمتها بحسب زعمه، وبحسب تلقينها عبر مناهج التعليم العلمانية السامة في بلاد المسلمين. فهذا التيار لا يؤسس لشيء غير علماني، وحتما لا يؤسس لشيء إسلامي؛ بل هي علمانيةٌ متلفعة بخمارٍ إسلامي، وما كان الخمار إلا تعميةً عن حقيقة جوهرها العلماني الكافر.
– في الحالةِ والنموذجِ ثانيًا:
فالنماذجُ الشخصيةُ الإصلاحية بحسب هذه الفلسفة، وانخراطًا منها في مشروعِ «أسلمة المعرفة» وتجديد الفكر الإسلامي بآليات العلمانية، سواء عن حسنِ نيةٍ منها—وهي الفئة التي تعاني من حدةِ التشوهِ الثقافي والفكري عبر تركيزِ شحنها بمفاهيمِ فلسفةِ «أسلمة المعرفة» عبر تثقيفها المركز في هذا الباب وأبواب الثقافة الغربية العلمانية، بل وحتى ما يسمى بالدراسات الإسلامية المشحونة بسموم الثقافة العلمانية الغربية—أو كان من الفصيل الخبيث المنغمس في مشروع الغرب وحربه الحضارية ضد الإسلام وأمته عن رخص عمالة؛ تبقى النتيجةُ والحصيلةُ واحدة: أن الطرفين سلاحٌ من أسلحة الغرب في حرب الأفكار والعقول في إعادته علمنة أبناء الإسلام عبر تجويف إسلامهم وإيمانهم، وشحنهم بمفاهيم علمانية سامة.
وهذه النماذج تنظر للإسلام بمنظار الفكر العلماني الغربي وقواعد فلسفته؛ فنظرتُها للإسلام نظرةٌ فلسفيةٌ علمانية، وليست نظرةً أصوليةً فقهيةً شرعية. فرؤيتُهم في أسلمة المعرفة وتجديد الفكر الإسلامي تستبطن هزيمةً فكريةً ودونيةً ثقافيةً تلجئهم لتسولِ معرفةٍ إسلامية عبر أسلمة معرفةٍ أقلُّ ما يقال فيها إنها غير إسلامية؛ فكيف بها وهي علمانيةٌ كافرةٌ مناقضةٌ للإسلام! ثم أخزى من ذلك استبطانُهم لاتهامٍ شنيع في قصور الإسلام عن معالجة قضايا العصر، واتهامُهم المستبطنُ الباطلُ أن الفكر الإسلامي والثقافة الإسلامية باتا متجاوَزَيْن فكريًّا وثقافيًّا. فقصورُهم المعرفيُّ رمَوا به الإسلامَ وفكره وثقافته؛ علمًا أنهم لو فهموا معنى الانحطاط لأدركوا أن المشكلة في عقولهم التي لم ترقَ فكريًّا إلى مستوى الإسلام وفكره وثقافته لتتشكل عقولها بحسب قواعده وأصوله ومقاييسه، بعد أن تكون قد تطهرت من رجس العلمانية فلسفةً وفكرًا وثقافةً. وحينها تنضج تلك العقول ليكون ينعُ ثمرِها جهابذةً من الأصوليين وفطاحلةً من الفقهاء المجتهدين، ليستنبطوا من نبع الوحي الطاهر فقهًا يعالج كل قضايا الحياة، ليُخرجوا الأمة والبشرية جمعاء من ظلمات أزمات العلمانية الغربية الساحقة الماحقة.
وليس كما هو حالُ انسحاقِكم الفكري اليوم واجترارِكم لنظريات العلمانية المفلسة الفاشلة، وتفلسفِكم في فلسفة الهزيمة. فالعقلُ العلماني وعقلانيتُه فشلت فشلًا مروِّعًا في حل العقدة والمعضلة الإنسانية؛ فكفى اجترارًا لعقلانيتها السقيمة العقيمة. لقد تكشف جليًّا إصابتُكم بفيروس العقلانية العلمانية؛ فالحكمُ والحاكمُ الأعلى عندكم هو العقل، واتخاذُكم من الإسلام قوالبَ فكريةً مُعلَّبةً منسجمةً مع ذلك العقل، وتأويلُ مفاهيم الإسلام بحسب ذلك العقل؛ فيُنتج ذلك العقل المريض أصولَه العقلية وفقهَه العقلي وتفسيرَه العقلي ولغتَه العقلية (أسلمة المعرفة، وتجديد الفكر الإسلامي، واعتماد مقاصد الشريعة مصدرًا تشريعيًا، والاجتهاد الجماعي، والقراءة المعاصرة للغة والنص، وفقه الواقع، وفقه الموازنات والمآلات، …).
فهذه النماذج اتخذت من الأساس الأول للعلمانية: العقل (العقلانية) أساسًا لها ومصدرًا لمعارفها، حتى وإن زعمت التجرد من الحداثة والعلمانية ونقدها لها؛ ولكنها منفعلةٌ ومتفاعلةٌ مع قواعدها الفكرية في جعل العقل أساسًا في التوليد المعرفي، حتى ولو استبطنت أن القرآن هو المرجع الأعلى وكتاب الهداية والرشاد. ولكنها عقلًا تؤسس لرؤيةٍ خاصة مرجعُها الأعلى حقيقةً عقلُها المريض؛ فهي لا تستنبط قواعدَ أصوليةً شرعيةً ناظمةً ومتحكمةً في عقلياتها، ولا تستنبط أحكامًا شرعيةً كفقهٍ للحياة وقضاياها؛ بل هي تنطلق من مسلَّمةٍ علمانيةٍ استشراقيةٍ سامة أن الفكر الإسلامي يعاني أعطابًا حادة وبات متجاوَزًا في مواكبة العصر، ولا بد من دمج رؤى فلسفيةٍ وثقافيةٍ من خارجه لمعالجة قصوره المعرفي الموهوم والمزعوم علمانيًّا. ثم تأتي برؤى فلسفيةٍ وفكريةٍ وثقافيةٍ من المنظومة الثقافية العلمانية الغربية من حيث هي إنتاجٌ عقلي خاص بها؛ بمعنى أن التوليد—إن كان—فهو عقليٌّ علماني، والإسلامُ لإضفاء النكهة الروحانية الخُلقية على المنتج العلماني.
فهذه المرجعيةُ العقلية ترى في القرآن مصدرًا من مصادر معارفها وإن كان الأعلى، ولكن بجانبه مصادرُ علمانيةٌ، منها العلومُ الإنسانية العلمانية (علم النفس وعلم الاجتماع وعلوم التربية…)، والتي تَعدُّها في الحقيقة المصدرَ العمليَّ لأنظمةِ الحياة (الدستور والقوانين، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، واقتصاد السوق، والقانون الدولي…)، والقرآن وظيفتُه إعطاؤها المسحة الروحانية الخلقية.
فالإصلاحُ بحسب هذه المدرسة السقيمة العقيمة هو في تهذيب أخلاق المسلم وإعلاء قيمه الروحية عبر عباداته الفردية، طلبًا لتهذيب الحياة العلمانية وتأديبها، بينما يحياها ويتحاكم إلى أنظمتها وتتحكم هي في طريقة تفكيره ومشاعره وميوله.
فهؤلاء الإصلاحيون لا يرون في العلمانية كفرًا، ولا في عقيدة فصل الإسلام عن الحياة والسياسة كفرًا، ولا في ديمقراطيتها كفرًا، ولا في حقوق إنسانها كفرًا، ولا في حرياتها كفرًا، ولا في اقتصاد سوقها كفرًا، ولا في استعمارها كفرًا… بل يرونها اجتهادًا فكريًّا إنسانيًّا، وثقافةً إنسانيةً، وحضارةً إنسانيةً؛ تجوز لهم كما تجوز لغيرهم، بها بعض الأعطاب كأي اجتهادٍ بشري. فهُم في سقيم فهمهم يَعُدّون العلمانية عمليًّا بابًا من أبواب الصناعة والعلوم، حتى ولو صرحوا نظريًّا بأنها من الثقافة؛ فهم لا يفقهون أن الثقافةَ دين. فبذرةُ عقيدةِ كفرِها في إقصاءِ الإسلام عن الحياة هم في عمًى فكري وثقافي تامٍّ عنها.
فمُتصدّرو مشروع «أسلمة المعرفة»، من أمثال إسماعيل راجي الفاروقي (أمريكا) من المنظرين الأوائل في ثمانينات القرن الماضي لأسلمة المعرفة وتجديد الفكر الإسلامي، (درس الفلسفة في الجامعة الأمريكية ببيروت، ثم في جامعة إنديانا بالولايات المتحدة، وحصل على الدكتوراه قسم الفلسفة من جامعة هارفارد)، والمنظر الآخر وهو سيد محمد نقيب العطاس بماليزيا (درس في جامعة ماكغيل في كندا، وهي من أبرز الجامعات الغربية في دراسات الأديان، ثم نال الدكتوراه من جامعة لندن في الفلسفة والفكر الإسلامي)، وكذلك طه عبد الرحمن (بالمغرب)، ومحمد عمارة (بمصر)، وطه جابر العلواني (بأمريكا)؛ ما يجمعهم أنهم يشتركون في نفس الرؤية (العلمانية): أن الدين قاصرٌ عن حل إشكالات الحياة، حتى ولو ادعوا علويته النظرية. وبناءً عليها لا بد من المعارف العلمانية المتعلقة بقضايا المجتمع وأنظمة الحياة (العلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية العلمانية) بعد تهذيبها عبر تطعيمها بقيم روحية وخلقية إسلامية باسم مشروع أسلمة المعرفة وتجديد الفكر الإسلامي لطرق باب النهضة والخروج من أزمة الانحطاط.
فهي محاولةٌ بائسةٌ يائسةٌ للدمج بين منظومتين ثقافيتين متناقضتين: جَذرُ الأولى المعرفيُّ وحيٌ رباني، والأخرى جَذرُها وضعيٌّ بشري مناهضٌ ومعادٍ للوحي. فهي محاولةُ تلفيقٍ ثقافيٍّ يتعسف ويتكلف أصحابُها الجمعَ بين المتناقضات: بعضٌ من القيم الروحية والخُلقية الإسلامية عبر مزجها بأنظمةٍ ماديةٍ علمانيةٍ فلسفتُها العلمانية تكفر بشدة بإسلام تلك القيم.
ومن تلامذةِ تلك المدرسة اليوم: نايف بن نهار من قطر، ويكاد يكون تلميذًا نجيبًا ونسخةً للمنظر والمعلم الأول إسماعيل راجي الفاروقي والمنظر الآخر سيد محمد نقيب العطاس، ويقول بكثيرٍ من أفكارهما في أسلمة المعارف الغربية وتحديدًا «العلوم الاجتماعية». يقول في كتابه: التوطين التفاعلي في العلوم الاجتماعية: «ضرورة توطين العلوم الاجتماعية لتناسب السياقات الثقافية والاجتماعية المحلية، بدلاً من تقليد النماذج الغربية بشكل أعمى». والتوطينُ هنا ثقافيًّا بمعنى جعلها جزءًا من المنظومة الثقافية السياسية لأبناء الإسلام، كمادةٍ من مواد تعليمهم وتثقيفهم، ومصدرًا لأنظمة حياتهم.
أما عن الديمقراطية فيرى أن «الديمقراطية الغربية» التي تروج لحقوق الإنسان والحريات الفردية قد تجاهلت «الحقوق الجماعية» و«العدالة الاجتماعية»، ما أدى إلى «تفاوتات اجتماعية» و«انقسامات مجتمعية». لذلك فهو يرى ضرورةَ «تطوير نموذج ديمقراطي إسلامي» يأخذ بعين الاعتبار «العدالة الاجتماعية» و«المساواة» و«المسؤولية الجماعية». فهو لا يعيب على الديمقراطية كفرَ فلسفتها، بل على عكس ذلك يرى فيها نظامَ حكمٍ لحياتنا يجب تفعيلُ بعض الجوانب المهملة فيها تهذيبًا للديمقراطية بأدوات الفكر العلماني، وبعدها تُسوَّق من جديد باسم الديمقراطية الإسلامية التي أعيد قولبة شكلها عبر ماكينة أسلمة المعرفة ومعمل تجديد الفكر الإسلامي!
هذه بعضٌ من نماذج مدرسة أسلمة المعرفة وتجديد الفكر الإسلامي والإصلاح بناءً عليهما؛ وهي نماذجُ أنتجتها المدرسةُ العلمانية التي استوطنت في ديار المسلمين بعد استعمارها، وتصميمِ مناهج التعليم طبقًا للفلسفة العلمانية في فصل الإسلام عن الحياة. وتشكلت هذه العقلياتُ والنماذج الفكرية لتكون جزءًا من المشروع العلماني الغربي، وليس ضدًّا له؛ ولم تكن المدرسةُ العلمانية لتنشئ عقلياتٍ إسلاميةً نقيضًا لها تسعى في هدم ونسف فلسفتها ونمط حياتها وطريقة عيشها!
ومن السفه الفكري والطيش الثقافي المغلف بإحسان الظن: النظرُ إلى حديد الفكر بعين العاطفة، والنظرُ لهذه النماذج كأحجارٍ في عملية البناء الإسلامي؛ بل هي معاولُ هدم، ولا قيمة لطيبتهم أو خبثهم، كما لا عذر لهم في جهلهم، ولا عذر لنا في إحسان الظن بهم وتصديقهم. فالقضيةُ هي قضيةُ إسلامٍ خالصٍ وإيمانٍ تامٍّ لا يقبل بمثقال ذرةٍ من كفر. فالمسألة يقينًا في فزع الزلزلة:
(فَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ خَيۡرٗا يَرَهُۥ٧ وَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ شَرّٗا يَرَهُۥ٨).
ختامًا:
لا بد لأبناء الإسلام من صدماتٍ فكريةٍ وصاعقةٍ ثقافيةٍ لإيقاظ ما خمل من فكرهم، وتنبيههم لإسلامهم ومنطقة إيمانهم الحيوية. فخطورةُ مشروع مدرسة أسلمة المعرفة وتجديد الفكر الإسلامي والإصلاح السائر بحسب منهجها وعلى نهجها أنها بحق عمليةُ علمنةٍ شديدةُ الخفاء والتركيب، تتسلل إلى عقول أبناء الإسلام حتى العميقة منها؛ تعتمد فائضًا من عسل مفردات الثقافة الإسلامية، وسيولةً عارمةً من الخطاب الفكري المشاعري الإسلامي، مع قواعدَ علمانيةٍ سامةٍ مركزةٍ ومكثفةٍ وشديدةِ الخفاء والتركيب للتحكم في عملية الإدراك والفهم. وبحسب هذه القواعد العلمانية—لا بحسب المفردات والمعلومات الثقافية الإسلامية—تُبنى العقليات ويُصمَّم التفكير!
فهذه المدرسة جعلت السلطةَ العليا للعقل في توليد المعرفة؛ فلا محل هنا للأصولي والفقيه المجتهد، بل تَعُدّ الأصولَ والفقه جمودًا وتحجرًا واستِمساكًا بالقديم المتجاوز. فالقضية عندهم محصورةٌ في المفكر العقلاني والفيلسوف، ومعهما تقديسٌ للعقل على حساب الوحي عمليًّا، وإن ردد أصحابها علوية القرآن والوحي نظريًّا.
فالتجديد عند القوم ليس اجتهادًا فقهيًّا في المستجدات، ولا استنباطًا لأحكامٍ شرعية تعالج قضايا عصرنا وأزمة زماننا في غياب الإسلام عن حياتنا وتعطيل تحكيم شرع ربنا؛ ولكن تجديد مدرسة الإصلاح وأسلمة المعرفة وتجديد الفكر الإسلامي هو في إلباس رقاعةِ العلمانية الغربية لبوسَ الإسلام، لإعادة تأهيلها وتوظيفها في الاحتلال الثقافي والحضاري والسياسي العلماني الجاثم على صدورنا لأزيد من قرن، في مستوطنات الاستعمار المسماة دولًا وطنية.
هي محاولةٌ بائسةٌ يائسةٌ لإصلاح الكفر، علمًا أن من بدهيات الإسلام والإيمان أن الكفر يُكفَر به ويُجتث ويُستأصل، ولا يُهادَن ولا يُتعايش معه. واستحال أن يجتمع الإسلام وكفرُ العلمانية في صعيدٍ واحد، واستحال أن يجتمعا في قلب رجلٍ واحد؛ فكيف بقلب مسلم؟!
قال تعالى:(قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡكَٰفِرُونَ ١ لَآ أَعۡبُدُ مَا تَعۡبُدُونَ ٢ وَلَآ أَنتُمۡ عَٰبِدُونَ مَآ أَعۡبُدُ ٣ وَلَآ أَنَا۠ عَابِدٞ مَّا عَبَدتُّمۡ٤ وَلَآ أَنتُمۡ عَٰبِدُونَ مَآ أَعۡبُدُ ٥ لَكُمۡ دِينُكُمۡ وَلِيَ دِينِ ٦).
1447-09-25