العدد 473 -

السنة التاسعة والثلاثون جمادى الآخرة 1447هـ الموافق كانون الأول 2025م

من العجز المانع إلى القدرة الـمُسقطة للعذر: الاستطاعة وأثرها في وجوب إعلان قيام الدولة الإسلامية وتطبيق الشريعة

الحلقة الخامسة والأخيرة                  الأستاذ ثائر سلامة

من يملك البذور يملك القرار: الأمن الغذائي، سلاحًا وحصانةً في مواجهة الحصار

تمهيد: عقيدة الحصار بعد أفول «الحرب الخاطفة»

بعد عقودٍ من التجارب المكلفة في الحروب المباشرة، بات الخيار المرجّح لدى القوى الغربية هو إدارة الصراع مِن بُعد عبر حصارات اقتصادية ومالية وتكنولوجية، وتحوير سلاسل الإمداد، بدلًا من الغزو واسع النطاق. في هذا السياق يتقدّم الغذاء -ولا سيما القمح- بوصفه ذخيرةً إستراتيجية صامتة: يتحكم بمنابع الاستيراد، بعقود الشراء والتمويل، وبقواعد الملكية الفكرية للبذور، وبهيكلة الحوافز الزراعية، فتُصاغ تبعية مستقرة بلا دبابة واحدة.

كيف صيغت التبعية الغذائية تاريخيًا؟

 1) التجارة المشروطة والمعونة الغذائية: ضبطٌ طويل الأمد لمنافذ الشراء والتمويل، وربط الإمدادات بشروطٍ سياسية واقتصادية داخلية.

 2) قواعد البذور والملكية الفكرية: حماية الأصناف النباتية وبراءات الاختراع التجارية، بما يحدّ من قدرة الفلاحين على إعادة بذر صنفٍ محميّ دون ترخيص، ويدفع تدريجيًا إلى استبدال البذور المحلية بأصنافٍ تجارية.

3) هندسة التركيب المحصولي: تشجيع زراعاتٍ نقدية للتصدير (خضر/فاكهة/زهور) على حساب الحبوب والبقول، فتتضخم فجوة القمح، ويصبح رغيف الخبز معرّضًا للاهتزاز مع أي صدمة خارجية.

4) البنية التحتية للمطاحن والموانئ: حيثما تمركزت في عقدةٍ واحدة ضعفت القدرة على المناورة زمن الأزمات (انقطاع وقود، تعطل ميناء/صومعة، تقلب عملة).

أمثلة عربية دالّة

مصر: تحوّلٌ تدريجي من قاعدة قمحية واسعة إلى اعتمادٍ ثقيل على الاستيراد، مع استمرار منظومة الخبز المدعوم بوصفها صمام أمان اجتماعي، لكنها رهن تقلبات السعر العالمي والسوق الآني.

العراق في التسعينيات: حصار ممتدّ، لجأت الدولة إلى نظام توزيعٍ عام (بطاقة تموينية وسلّة غذائية موحّدة) حافظ على حدٍّ أدنى من السعرات، ثم «النفط مقابل الغذاء» لتأمين تمويلٍ مراقَب. التجربة أظهرت أن الإدارة الصارمة للمخزون والتوزيع قادرة على تقليص الكارثة، لكنها لا تُغني عن بناء قدرة إنتاج محلية.

سوريا: كانت قريبةً من الاكتفاء القمحي قبل الحرب؛ ثم أتت سنوات الجفاف وتقطّع الجغرافيا وتراجع الوقود لتضغط على الإنتاج والتوريد. ومع ذلك ظلّت القدرة الكامنة -أرضًا وخبرةً وبذورًا محلية- قابلةً للاستنهاض إذا توفّرت حوكمةٌ فعّالة.

خطورة ملف الغذاء على الدولة الإسلامية الناشئة: أي حصارٍ شامل سيستهدف أربع دوائر متداخلة: الحبوب (قمح/شعير)، الطاقة والوقود لسلاسل الطحن والخبز، العملة والتمويل لعقود الاستيراد، والسردية (تأليب الرأي العام عبر ارتفاع الأسعار). وإن انهيار واحدٍ من هذه الحلقات يكفي لإحداث اضطرابٍ سياسي. لذا يصبح الأمن الغذائي أولوية سيادية لا تُدار بمنطق السوق الحرّ بمفرده، بل بمنظومة سياسات متماسكة.

المبادئ المؤسِّسة للسيادة الغذائية:

سيادة البذور: تمكين المزارعين قانونيًا وعمليًا من حفظ وإكثار البذور المحلية المفتوحة التلقيح، وإنشاء مصارف بذور مجتمعية وإقليمية.

 الماء والطاقة: حماية ريّ الحبوب والبقول وتوليد طاقةٍ لامركزية (شمسي/ديزل طوارئ) لسلسلة الطحن والخبز.

 الأرض والتخطيط المحصولي: إعادة وزن المساحات نحو القمح والشعير والعدس والحمص (حِزمة أمن غذائي وبروتيني)، وتدوير محاصيل يقلّ استهلاكها للماء وتتحمّل الجفاف.

سلسلة الإمداد: صوامع موزعة، مخزون تشغيلي مرن، قطع غيار للمطاحن والأفران، وخطط نقل بديلة داخلية.

 الحوكمة السعرية والاجتماعية: سعر شراء حكومي محفِّز للقمح المحلي، وسقوف أسعار للخبز، وبرنامج دعمٍ موجّه يحمي الفئات الهشّة دون تخريب الحوافز الإنتاجية.

خطة الاستجابة تحت الحصار: من اليوم الأول إلى ثلاث سنوات

الأيام 0–90: الصمود السريع

جردٌ وطني للمخزون من الحبوب والدقيق والوقود وقطع الغيار، وتحديد الاستهلاك الوسطي/فرد ومعدل السحب الآمن.

 نظام بطاقات تموينية يضمن حدًّا أدنى من السعرات، مع إشراك المطاحن والأفران الخاصة كمقاولين وطنيين.

 رفعٌ مؤقت لنِسَب استخلاص الدقيق ومزجه تدريجيًا بحبوبٍ محلية (شعير/ذرة/سُرغُم) دون المساس بالأمن الصحي.

 مكافحة الاكتناز والتهريب بإجراءات قانونية ورقابية ذكية، وربط المخابز بالدعم مقابل الالتزام بالكوتا والجودة.

 خريطة ضعفٍ فورية لسلاسل الإمداد: المطاحن الحرجة، جسور، صوامع، محاور نقل؛ وتخصيص وقود طوارئ لها.

الأشهر 3–12: توسيع العرض المحلي سريعًا

إكثار بذور محلية عبر شبكات القرى والبلدات، وتأسيس وحدات تنظيفٍ وتعبئةٍ بسيطة لضمان نقاوة الصنف.

 مضاعفة المساحات البعلية من الشعير والحبوب المتحملة للجفاف، والتوسع في البقول لتحسين الأمن البروتيني وتقليل الطلب على القمح.

 عقود توريد حكومية بسعرٍ مُعلَن للقمح والشعير تشجّع التسليم للصوامع الرسمية، مع دفعاتٍ مسبقة للمدخلات (بذار/سماد).

طاقة الريّ: نشر مضخات شمسية صغيرة حيث أمكن، وإعادة تأهيل قنواتٍ حرجة، وترشيد جداول الريّ.

 تحسين التخزين الريفي (صوامع قمعية، تهوية، مكافحة آفات) لتقليل فاقد ما بعد الحصاد.

السنوات 1–3: التحصين البنيوي والسيادة المستدامة

قانون بذور وطني يكرّس حق الفلاح في حفظ وإعادة بذر الأصناف غير المحمية، وينظم تداول الأصناف المحمية بعقودٍ عادلة؛ مع برنامج تسجيلٍ وطني للأصناف المحلية.

ترميم منظومة الريّ الكبرى (حيثما وُجدت) وتقليل فاقد المياه، واستصلاح التربة المالحة، وتوسيع إنتاج الأسمدة العضوية والكمبوست.

تنويع منافذ الاستيراد بعقود آجلة مرنة ومقايضاتٍ سلعية (حبوب مقابل منتجاتٍ محلية)، وطرق توريدٍ بديلة وممراتٍ إنسانية مع استثناءاتٍ غذائية.

 مؤشرات إنذار مبكر: نسبة تغطية الاحتياطي (أشهر استهلاك)، طاقة الطحن المتاحة/المطلوبة، زمن توريد الوقود، كلفة سلة الغذاء، ومعدلات فاقد ما بعد الحصاد.

سوريا: قابلية الأزمة للإدارة لا للخنق: تملك سوريا قاعدةً زراعيةً معتبرة، خصوصًا في الشمال الشرقي، مع خبرةٍ تاريخية في القمح والشعير والبقول. ورغم تراجع الإنتاج بفعل الحرب والجفاف والوقود، فإن القدرة الكامنة لا تزال موجودة: استنهاض البذور المحلية وأنظمة إكثارٍ ريفية، توسيع الحبوب البعلية والبقول سريعًا، حماية سلسلة الطحن/الخبز بالطاقة والوقود وقطع الغيار، حوكمة توزيع تقلّص الصدمة السعرية. بهذه الحزمة يمكن تحويل الحصار إلى ضغطٍ قابل للإدارة بدل الخنق.

العراق: درس الإدارة تحت النار: أظهر العراق أن نظام توزيعٍ قُطريًا منضبطًا يستطيع تقليل التجويع واسع النطاق رغم قسوة العقوبات، شريطة: وجود مخزونٍ مُدارٍ مركزيًا، شبكة توزيعٍ عادلة بلا “تسرّب”، سعر مدخلاتٍ محلي يحفّز الفلاح على التسليم للدولة، ومرونةٍ في صيغة التمويل (مقايضة/بيع مُراقَب) لحماية الحد الأدنى الغذائي.

مخاطر يجب تحييدها:

تسييس الرغيف: تحويل الدعم إلى أداة ولاءٍ لا أمانٍ غذائي يخلق سوقًا سوداء.

 التركيز الجغرافي: تمركز الصوامع أو المطاحن أو نقاط الدخول يزيد هشاشة السلسلة.

قوننة تخنق الإنتاج: نقل قوانين بذورٍ صارمة دون استثناءاتٍ صغيرة يطرد الفلاح من صنفه المحلي إلى تبعيةٍ تجارية.

انقطاع الطاقة: أي تعطلٍ طويل للكهرباء/الوقود يوقف الطحن والخبز حتى لو توافر القمح.

خاتمة: من السلاح الصامت إلى مناعة الدولة: سيحاول الغرب -حين يعجز الحسم العسكري السريع- أن يختبر جدار الدولة الناشئة من بوابة الغذاء: القمح والبذور وسلاسل الإمداد والتمويل والسردية. والردّ الرشيد ليس في الشعارات، بل في هندسة مناعةٍ غذائية تقوم على سيادة البذور، وتوطين الحبوب والبقول، وحوكمة المخزون والتوزيع، وتحصين الماء والطاقة، وتنويع منافذ التوريد. هكذا يُجرَّد “سلاح القمح” من أثره الخانق، ويتحوّل الحصار الطويل إلى عبءٍ متناقص الفاعلية أمام دولةٍ تُحسن التخطيط وتُمسك بأرضها وبذرتها ورغيفها.

خطة تفعيل طاقات الأمة الإسلامية لدعم الدولة الإسلامية الناشئة

مقدمة: إن إقامة الدولة الإسلامية وتطبيق الشريعة واجب شرعي عظيم مرتبط بشرط الاستطاعة (القدرة)؛ فمع تحقق القدرة تزول الأعذار ويتعيّن واجب إعلان الدولة وتنفيذ أحكام الشرع. وقد أجمع الصحابة الكرام على تقديم إقامة السلطة الإسلامية بعد وفاة النبي ﷺ حتى قبل إتمام دفنه، مما يدل على عظم هذا الواجب حتى وصفوه بأنه “أهم الواجبات”. فلا قيام لمعظم أحكام الدين إلا بسلطان جامع يطبّقها، وبالتالي إذا وُجدت القدرة على إقامة دولة الإسلام فلا يسع المسلمين التخلّف عن ذلك. وفي واقعنا المعاصر برزت بوادر قيام دولة إسلامية ناشئة في بقعة من ديار المسلمين، مما يطرح تحديات مرحلة ما بعد إعلان الدولة: كيف نفعّل الطاقات الكامنة في الأمة لدعم هذه الدولة، حتى تتمكن من إعلان تطبيق الشريعة وتحقيق الاستقرار في وجه قوى وتحديات ومحاولات لإحباطها، هذا الفصل النظري يستعرض خطة مركزية لتحريك تلك الطاقات داخليًا وخارجيًا، مستندًا إلى الأدلة الشرعية والتحليل الواقعي السياسي والعسكري. كما يبيّن دور العقيدة الإسلامية في تفجير الطاقة الحضارية للأمة، وسبل تجاوز التهديدات الوجودية في المرحلة المفصلية الأولى التي تلي إعلان الدولة. وأخيرًا تُطرح خطة تنفيذية مركزة توضح كيفية توظيف هذه المرتكزات عمليًا، مع بيان قدرة الدولة على التوسع في محيطها الإسلامي الهش سياسيًا والمتعطش للتغيير الحقيقي.

تفعيل الطاقات الشعبية الداخلية

تشكل الطاقات الشعبية الداخلية الركيزة الأولى لنهضة الدولة الإسلامية الناشئة واستقرارها. فالقاعدة الجماهيرية من أبناء البلد هي الحاضنة الطبيعية للمشروع الإسلامي ومصدر الشرعية والقوة الأساسية له. تؤكد الدراسات أن مجموع طاقات الشعب يفوق قوة أي دولة عميقة أو خصوم داخليين إذا أُحسن استثمار تلك الطاقات. مهما بلغ نفوذ القوى المضادة المتغلغلة في المجتمع، فإن الشعب يمتلك في مجموعه قدرات أكبر وأقوى – بشرية ومادية ومعنوية – لكن تفوّقها مرهون بمدى معرفتنا بهذه الطاقات وبقدرتنا على تفعيلها.

إن الطاقة البشرية هي عماد الطاقات الشعبية. وتتوزع هذه الطاقة على نوعين رئيسين: أولهما طاقات عامة الناس من حيث كثرتهم العددية وانتشارهم في مختلف القطاعات، وما ينبثق من ذلك من قوة التأثير عند التعبئة العامة (كخروج المظاهرات المليونية أو المشاركة الجماهيرية في جهود البناء والجهاد). وثانيهما الطاقات الخاصة النوعية التي لا فعالية لها إلا بقيادة الأكفياء المميّزين من أهل الخبرة والاختصاص (كالقادة وأصحاب الكفايات في التخطيط والإدارة والعلم والتكنولوجيا). فالجماهير توفر العدد والزخم، أما توجيه هذا الزخم واستثماره الأمثل فلا يتم إلا عبر العقول القيادية في الأمة. من هنا، يجب على قيادة الدولة الناشئة وحملة مشروع التغيير اكتشاف هذه العناصر الكفيّة ضمن الشعب وإشراكها في عملية البناء والدفاع؛ فوجود الروّاد المبدعين القادرين على رسم السياسات وحسن توظيف الموارد هو الذي يحوّل الثروة البشرية والمواد الخام إلى قوة منتجة. الموارد والثروات بحد ذاتها تبقى خاملة وقد تصبح غثاءً لا وزن له إن غابت الإدارة الحكيمة؛ وكذلك جمهور الناس قد يشعرون بالعجز والضياع ما لم يَنبرِ من بينهم قادة ربانيون يفعّلون قدراتهم الكامنة. فإذا نجح هؤلاء القادرون في تحريك طاقات الشعب وتوظيفها، فإن القوة البشرية حينئذ ستكون أكبر بكثير من إمكانات أي خصم داخلي.

ومن وسائل تفعيل الطاقات الشعبية داخليًا: إنشاء تنظيم شعبي واسع القاعدة يعبّئ الجماهير خلف مشروع الدولة. يوضح الباحثون أن الصراع ضد الدولة العميقة وأشباهها يرتكز على ركنين متلازمين: تعبئة طاقات الشعب، وتنظيم تلك الطاقات في كيان شعبي منضبط. فالتنظيم الشعبي ليس حزبًا سياسيًا ضيقًا، بل هو إطار عام يجمع مختلف شرائح المجتمع على هدف نصرة الدولة ومشروعها الإسلامي. إنه بمثابة الجناح التنفيذي الشعبي لإستراتيجية التغيير، يعمل بالتوازي مع القيادة الرسمية. يقوم هذا التنظيم بأعمال المواجهة الشعبية تحت إشراف قيادات مخلصة من عامة الناس نفسها، مما يضمن انخراط المجتمع ككل في الدفاع عن دولته الوليدة.

لتحقيق ذلك، لا بد من التواصل المزدوج المستويات مع الشعب: على المستوى العام، عبر حملات توعوية جماهيرية وخطاب عقدي وفكري يصل إلى عامة الناس بمختلف الوسائل (خطب، إعلام، منصات تواصل، تجمعات شعبية). هذا الاتصال الواسع يُكسب تأييد الرأي العام ويشيع روح الولاء للدولة وقضيتها العادلة. وعلى المستوى الخاص، بالتواصل مع أهل التأثير والنخب ضمن المجتمع (العلماء والدعاة، زعماء القبائل والعشائر، القيادات العسكرية والأمنية المحلية، الوجهاء وأصحاب الكفايات) لإقناعهم بالمشروع وحشد دعمهم. نجاح المستوى الأول يمهّد لنجاح الثاني عبر إيجاد رأي عام موحّد، بينما يساهم المستوى الثاني في تعزيز ذلك الرأي العام وصناعة قيادة مجتمعية واعية تقود صفوف الناس. وبهذا تُستنهض كل شرائح الشعب: الشباب، والرجال والنساء، والمهنيون والعمال، ضمن ورشة عمل جماعية لتحقيق التغيير المنشود. إن شعبًا يتحرك بكامل فئاته في مشروع النهضة، لهو أقوى سلاح لصد أي عدوان داخلي أو تمرد مضاد، وهو أيضًا قاعدة الصمود الاقتصادي والاجتماعي التي تحفظ الاستقرار بعد إعلان الدولة.

تفعيل طاقات الأمة الإسلامية خارج الدولة

إلى جانب الطاقات المحلية، ينبغي للدولة الإسلامية الناشئة أن تستثمر طاقات الأمة الإسلامية في الخارج، أي قدرات الشعوب المسلمة في العالم الأوسع خارج حدودها القطرية. فالأمة الإسلامية بمجموعها تمتلك إمكانات هائلة مشتتة عبر الأقطار، وإذا أمكن تعبئتها وتوجيهها فستشكل عمقًا استراتيجيًا هائلًا للدولة الوليدة. وقد شهدنا عبر التاريخ المعاصر نماذج لتضامن المسلمين عبر الحدود: وحدة العقيدة دفعت آلاف المتطوعين للالتحاق بجبهات القتال نصرةً لإخوانهم (كما حدث في أفغانستان والبوسنة وسوريا وغيرها). هذه الظاهرة تؤكد أن الشعوب الإسلامية أينما وُجدت تشعر بوحدة المصير والاستعداد لبذل الدم والمال في القضايا التي يرونها قضايا الإسلام والأمة جمعاء.

من أهم صور تفعيل طاقات الأمة خارجيًا توسيع نطاق الدعم والاشتباك الإيجابي عبر العالم الإسلامي. فعلى الدولة الناشئة وحركتها الداعمة أن تنسج شبكات تواصل وتنظيم مع الحركات الإسلامية والشعوب في الأقطار المجاورة، لتوسيع دائرة المواجهة مع أعداء مشروع النهضة. توصي الدراسات الإستراتيجية بأنه لا يجوز حصر جهود التغيير في قطرٍ واحد معزول، بل يجب توسيع دوائر المواجهة في بلاد المسلمين لتعظيم استثمار طاقات الأمة وتعويض أي اختلال في موازين القوى. والواقع أن الحرب على فكرة الخلافة وعودة دولة الإسلام ليست محلية البتة؛ بل هي مواجهة بأبعاد عالمية تتصدّرها قوى كبرى تستنفر كل إمكاناتها لمنع قيام أي كيان إسلامي حقيقي. هذه القوى تعتمد كثيرًا على عزل المحاولات التغييرية في نطاق ضيق ثم تحريك الأنظمة الإقليمية لخنقها. لذا فمواجهة هذا التحالف المعادي تتطلب كسر العزلة عن الدولة الناشئة وفتح جبهات موازية في محيطها الإسلامي تشغل أعداءها وتشتت تركيزهم. إن توسيع نطاق العمل الإسلامي الثوري إلى أقصى مدى ممكن يحقق عدة فوائد إستراتيجية: فهو من جانب يُربك خطط الأعداء ويمنع تفرغهم لاستهداف بقعة واحدة، ومن جانب آخر يجذب المزيد من طاقات الأمة إلى ساحة المعركة مما يعالج خلل القوة مع الخصوم. يخلص أحد البحوث إلى أن اتساع رقعة المواجهة ليشمل معظم أقطار العالم الإسلامي من شأنه تخفيف وطأة الهجوم على روّاد التغيير، وتعزيز قدرتهم على الصمود بمؤازرة إخوانهم في الأقطار الأخرى. بدل أن تستفرد قوى الطغيان بكل محاولة تحرر منفصلة وتحيلها عبرة لغيرها، سيجد الطغاة أنفسهم أمام انتفاضات متزامنة مترابطة يستحيل كبحها كلها في وقت واحد.

على الصعيد العملي، يمكن للدولة الناشئة أن تستفيد من موارد الأمة المادية والبشرية عبر الحدود بوسائل شتى: فتح أبواب الهجرة إليها للعقول والكفايات والأيدي العاملة المؤمنة بمشروع الخلافة (كما كانت الهجرة إلى دار الإسلام في العهد النبوي رافدًا أساسيًا لدولة المدينة المنورة). كذلك يمكن استقطاب الدعم المالي من الجاليات المسلمة ورجال الأعمال في الخارج لتمويل مشاريع الدولة وتقوية اقتصادها، مع استقطاب خبراتهم في مجالات التِّقانة والصِّناعة وغيرها، جنبا إلى جنب مع استثمارت ثروات الأمة من قبل الدولة، وتوظيف عوائدها في الصناعات والزراعة وسد الحاجات. أيضًا ينبغي تفعيل الجبهة الإعلامية العالمية لحشد التأييد الشعبي الإسلامي في كل بلد وضبط رواية الأحداث بحيث تُقدَّم الدولة الناشئة كأملٍ للأمة جميعًا، فهي تمثل وعد نبيهم بخلافة راشدة ثانية على منهاج النبوة، وتعمل على تحقيق وعد ربهم بالاستخلاف والتمكين والأمان والوحدة، وبانتصار الإسلام على الدين كله ولو كره المشركون، فهذا الربط العقدي له تأثير عميق في نفوس أبناء الأمة. ولنا شاهد مهم: حتى الخصوم أدركوا فشلهم في صرف الشعوب الإسلامية عن دينها ومطلبها السياسي؛ فقد لاحظ الباحثون الغربيون أنه حيثما توفرت انتخابات نزيهة كانت الجماهير المسلمة تختار التيارات الإسلامية بأغلبية كاسحة. هذا يعني أن المزاج العام في بلادنا هو مع المشروع الإسلامي وضد أنظمة التبعية العلمانية. وعليه، إذا ظهر كيان يرفع راية الإسلام حقًا ويوفر نموذجًا ناجحًا، فسيكسب – بلا شك – دعما حقيقيا، وتعاطفًا واسعًا وربما ولاء أبناء الحركات الإسلامية والجماهير الإسلامية خارج حدوده. ويضاف إلى ذلك مسألة أن الدعوة انتشرت في أواسط آسيا وأندونيسيا وبنغلادش وباكستان وتلك البقاع وغيرها بصورة مؤثرة جدا، وتمتاز هذه الشعوب بعاطفتها الإسلامية الجياشة وبشجاعتها ونجدتها وإقبالها، وهذه عوامل مهمة جدا.

ومن تكتيكات التوسع الخارجي الحكيم: التنسيق عبر الحدود لتبادل الدعم اللوجستي وتيسير حركة المناصرين. فقد يستدعي الأمر إنشاء ممرات آمنة أو مناطق إسناد خلفية في دول مجاورة متعاطفة (أو ضعيفة السيطرة المركزية) تستخدم لإمداد الدولة الناشئة بالرجال والعتاد وتأمين ملاذ عند الضرورة. وكذلك العكس، بحيث تقدّم الدولة الناشئة الدعم لمنظمات التغيير في تلك الأقطار لتأزيم الأنظمة المعادية وإشعال جبهات جديدة تشاغلها. هذا التلاحم الكفاحي عبر الأقطار سيُشعر كل مسلم أن معركة إقامة الشريعة هي قضية أمة واحدة وليست شأنًا محليًا، ما يزيد الحماسة ويبعث روح الأمل بالنصر. وبه ستتحقق وحدة الصف عمليًا قبل تحقق الوحدة السياسية الرسمية، تمهيدًا لاندماج الأقطار المحررة لاحقًا في كيان خلافة شامل بإذن الله.

دور العقيدة الإسلامية في تفجير الطاقة الحضارية

تشكل العقيدة الإسلامية القلب النابض لمشروع النهضة الإسلامي، فهي أعظم محفّز للطاقات الحضارية الكامنة في الأمة. ليست العقيدة الإسلامية مجرد جملة مبادئ نظرية جامدة أو شعائر معزولة؛ بل هي منظومة حية فعّالة إيجابية تبعث في نفوس المؤمنين طاقات روحية ونفسية هائلة. إن التصور الإسلامي للكون والحياة والإنسان يغرس الإيمان العميق المقرون بالعمل، ويوجّه طاقات الفرد والمجتمع نحو غاية سامية ورسالة خالدة. بهذا الإيمان تحولت قبائل العرب المتفرقة الضعيفة إلى أمة واحدة قوية غيّرت مجرى التاريخ، وانصهرت شعوب شتى في كتلة حضارية واحدة قادت العالم لقرون. لقد صنع الإسلام هذه المعجزة التاريخية عبر تفجير طاقة حضارية لا مثيل لها، والسّر يكمن في العقيدة التي تبث روحًا رسالية عالية وتغذي المؤمن بيقين راسخ بأن المستقبل لهذا الدين.

تمنح العقيدة الإسلامية معتنقيها قوة معنوية استثنائية تدفعهم لبذل المستحيل بثبات نفس وطمأنينة قلب. المؤمن الحقّ يوقن أنه على الحق المطلق وأن الله معه ما دام ينصر دينه، وأن ما عند الله خيرٌ وأبقى من هذه الحياة. هذه المفاهيم تولّد طاقة نفسية هائلة تجعل المسلم يتحمّل أعظم المشاق دون أن يلين أو يستسلم. وقد سجل التاريخ نماذج مدهشة لثبات المؤمنين الأوائل تحت التعذيب في مكة؛ كانوا يتعرضون للحديد المحمى تكوى به جلودهم، وللجلد المتواصل فوق الرمضاء، فلا يفتنون عن دينهم، واستمروا على ذلك حتى بشرهم النبي صلى الله عليه وسلم بأن الله سيُتم هذا الأمر ولكنهم يستعجلون. إن ثباتهم هذا ما كان لولا الإيمان العميق الذي يغمر قلوبهم. علّق بعض العلماء على هذا المشهد النبوي مؤكدًا أن أعظم ثمرة غرسها الرسول صلى الله عليه وسلم في أصحابه هي الثقة المطلقة بقوة أفكار العقيدة وقدرتها على إمداد المؤمنين بطاقة تجعلهم يصمدون أمام أعتى المحن. فالصحابة لم يكونوا خارقين بطبيعتهم البشرية، لكن إيمانهم الراسخ المفعم بيقينيات القرآن جعلهم قادرين على ما لا يقدر عليه غيرهم. لقد استمدّوا الروح والمعنويات من العقيدة أكثر مما استمدوها من أي حوافز مادية، فلم يُقهَروا داخليًا رغم قلة عددهم وعتادهم، فكان مآلهم النصر والتأييد. هذه القيمة المضافة للعقيدة هي التي تحوّل الإنسان العادي إلى بطل ملهم قادر على خوض الصعاب، لأنه يستشعر معية الله ويستهين بالدنيا مقابل رضوان الله والدار الآخرة، فلا يرعبه طاغية ولا تكسره شدة. وهذا العنصر الإيماني هو سر تفوّق نوعي للمسلمين عبر تاريخهم الطويل.

وبناءً على ذلك، فإن الأمة التي تمتلك مثل هذه العقيدة الحية تستحيل هزيمتها في الصراع الحضاري مهما بلغت قوة أعدائها المادية. العقيدة الإسلامية تمتاز بأنها تربط الدنيا بالآخرة وتوازن بين المصلحة المادية والقيم الأخروية، ما يرفع دافعية المسلم للتضحية بكل غالٍ ونفيس – حتى بنفسه – استجابةً لتكاليف هذه العقيدة. في المقابل يقوم أعداء الإسلام على عقائد مادية نفعيّة، تقدّس المنافع العاجلة وترتكز على أهواء البشر ومصالح الأقلّية. من هنا فإنهم يفتقرون إلى الدافع الروحي والاستعداد للتضحية بالقدر الذي عند المسلمين، فضلاً عن عجزهم عن طرح بديل عقدي يُبطل حقائق الإسلام أو يُقنع المؤمنين بالتخلي عنه. لذلك فإن المفكرين الغربيين أنفسهم يقرون بأن المعركة الفكرية – العقدية محسومة لصالح الأمة الإسلامية، فلا التنصير، ولا الاستشراق، ولا الحملات الإعلامية الحديثة استطاعت اقتلاع إيمان المسلمين أو ثنيهم عن مقتضيات عقيدتهم الحية. نعم نجح أعداؤنا في إلحاق أضرار جانبية وبث بعض الشبهات، لكن التجربة تثبت أنه كلما ضعفت الأمة ماديًا أو هُزمت عسكريًا فإنها سرعان ما تفيء إلى عقيدتها وتنهض من جديد متمسكة بدينها، حتى أن بعض الغزاة أنفسهم اعتنقوا الإسلام في نهاية المطاف (كما حدث للتتار المغول بعد غزوهم بغداد).

إن التربية العقدية السليمة تولّد قدرة جماعية جبارة هي أساس الطاقة الحضارية للأمة. فالعقيدة لا تصنع أبطالًا أفرادًا وحسب، بل وتُنشئ أمة رسالية متماسكة تحمل مشروعًا جماعيًا. لقد أخرج الله المسلمين أمة واحدة ( لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ) (البقرة: 143)، ووصفهم بأنهم خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر جماعة. فالإيمان جعل كل فرد يشعر بمسؤوليته عن الدين وبأنه جزء من جسد الأمة؛ فيعمل لنصرة الإسلام ضمن كيان جماعي لا منعزلًا بمفرده. وغرس الإسلام في نفوس أبنائه مفهوم الأخوّة الإيمانية فوق كل رابطة، فصهر القبائل والأعراق في بوتقة واحدة. وصارت وحدة العقيدة تلغي حواجز النسب واللون، وقامت رابطة الدين مقام رابطة الدم في نفوس المسلمين. بهذا التلاحم العقدي صار العربي والفارسي والحبشي والتركي والكردي والتركماني والأمازيغي وباقي الأعراق إخوانًا في الله، يقاتلون جنبًا إلى جنب كالبنيان المرصوص، ما أدهش أعداءهم حينذاك. وأورثت هذه الوحدة ولاءً يفوق كل ولاء؛ فالمسلم يهبّ لنصرة أخيه في أقصى الأرض بدافع رابطة الإيمان. وما الإقبال الذي شهدناه على الجهاد والتطوع دفاعًا عن المسلمين المضطهدين في شتى البقاع إلا ثمرة طبيعية لاستمرار أثر تلك الأُخوّة العقدية. إذًا فالعقيدة الإسلامية هي مفجّرة الطاقات الحضارية للأمة: ترفع معنويات الفرد للجوزاء، وتلحم المجتمع ككتلة صلبة متراصة، وتدفعه بصورة جمعية لحمل رسالة تحرير وهداية للبشرية. ومع وجود هذه العقيدة، تُصبح الموارد المادية والقوى البشرية أدوات طيّعة بأيدي المؤمنين، يوجهونها بفاعلية لتحقيق أهداف عليا وليس لمصالح محدودة أو آنية.

تجاوز التهديدات الوجودية في المرحلة الأولى

إن مرحلة ما بعد إعلان قيام الدولة الإسلامية هي أخطر المراحل، إذ تواجه الدولة الناشئة تهديدات وجودية مباشرة من أعدائها الداخليين والخارجيين الذين يسعون إلى وأدها في مهدها. ولذلك يحتاج المشروع الإسلامي إلى إستراتيجية حصيفة لتجاوز هذه الأخطار وضمان الاستقرار الأولي. أول خطوة هي الإدراك الواقعي لحجم العداء المحيط: فإقامة دولة إسلامية اليوم سيَعُدّها أعداء الإسلام تحديًا إستراتيجيًا يستفز تحالفًا واسعًا من القوى الدولية والإقليمية. لقد بات معلومًا أن القوى الكبرى لن تسمح بسهولة بنشوء نموذج حكم إسلامي يُطبق الشريعة، وستسخر نفوذها العالمي وأذرعها في المنطقة لإجهاض أي محاولة في هذا الصدد. هذا يعني أن الدولة الوليدة قد تجد نفسها أمام حرب متعددة الجبهات: عدوان عسكري مباشر أو بالوكالة، وحصار اقتصادي، وتشويه إعلامي عالمي، وإثارة للقلاقل الداخلية عبر عملاء أو انشقاقات.

لمواجهة هذه التهديدات الوجودية، تتبع الدولة الناشئة منهج النبي صلى الله عليه وسلم في الحذر والإعداد وأخذ الأسباب مع التوكّل على الله. فقد ربّى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على عدم الاستهانة بقوة العدو وعلى بذل كل مستطاع في الإعداد حتى ترجح كفة النصر. ومن هذا المنطلق، يجب التخطيط لمواجهة يكون فيها احتمال النصر وتحقيق الهدف أرجح من الهزيمة، اعتمادًا على تعبئة كل القوى المادية والمعنوية الممكنة. يشمل ذلك إعداد القوة العسكرية الكافية للدفاع – تنفيذًا لأمر الله (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ…) (الأنفال: 60) – سواء قوة نظامية أو عبر حروب غير تقليدية (حروب عصابات وكمائن مستمرة تشتت العدو). فإذا كان ميزان القوى يميل لصالح الأعداء من حيث العتاد والتكنولوجيا، فإنه يمكن للمؤمنين معادلة الكفة بأساليب قتالية غير تقليدية تستنزف الخصم وتربك خططه. تكتيكات حرب العصابات مثلًا أثبتت نجاعتها تاريخيًا في تمكين الجماعات المقاومة الصغيرة من الصمود أمام جيوش كبرى. ويمكن الاستفادة من تجارب حركات تحرر ناجحة (كالمجاهدين في أفغانستان ضد السوفييت ثم الأمريكان، وكصناديد غزة العزة) حيث أدى العامل المعنوي والعقيدة القتالية دورًا حاسمًا في التغلب على الفجوة التسليحية.

كذلك من الضروري اتباع إستراتيجية الدفاع المرن: عدم التمركز في أماكن يسهل محاصرتها أو قصفها، بل تبني انتشار وتَخَفٍّ مع الحفاظ على القدرة على ضربات مؤلمة عند الحاجة. وينبغي نقل المعركة كلما أمكن إلى عمق العدو لإشغاله في حماية نفسه بدل التفرغ للهجوم. ولعل توسيع جبهات المواجهة إقليميًا – كما أسلفنا – يمثل جزءًا من الحل الأمني أيضًا، فحين تواجه القوى المعادية اضطرابات وثورات في عدة بلدان، ستقل مواردها المخصصة لخنق الدولة الناشئة وحدها. تفتيت جهد العدو على جبهات متعددة يحمي المنطلق الجديد من التركيز التام لقوى العدو عليه.

أما داخليًا، فالتحدي هو تحصين الجبهة الداخلية ضد الاختراق والإشاعات والحرب النفسية. يجب على قيادة الدولة أن تُحسن التعامل مع التنوع الداخلي (قبائل، وعشائر، وتيارات فكرية مختلفة) بشكل يجذب الجميع نحو المشروع بدل أن يُستغل تنوعهم لزرع الفتن. السياسة الحكيمة تقضي باستيعاب المخالفين ممن لا يشكلون خطرًا مباشرًا، عبر الحوار وضمان الحقوق الأساسية تحت مظلة الشريعة، مقابل عزل الخونة والعملاء الذين يرتبطون بالأعداء. وينبغي إظهار العدل الإسلامي واقعًا ملموسًا منذ البداية، لأن عدالة الحكم ونزاهته أفضل درع شرعي ضد الدعايات المغرضة التي يطلقها الأعداء لتأليب الشعب. تطبيق الحدود وإقامة الشرع يجب أن يقترن ببيان حكمته ورحمته، حتى يدرك الناس أنهم انتقلوا إلى نظام أرحم وأعدل مما عرفوه في ظل الأنظمة السابقة الظالمة. كذلك من المهم عزل بقايا الدولة العميقة ومراكز القوى القديمة بحذر؛ تفكيك أجهزة القمع السابقة واجتثاث قياداتها المفسدة ضرورة لمنع أي طابور خامس من تهديد الأمن الداخلي. لكن هذا التفكيك يجب أن يجري بشكل مدروس، مع الحرص على كسب ولاء الكوادر الوسطى إن أمكن (كاستيعاب الجنود أو الموظفين البسطاء الذين كانوا مغلوبين على أمرهم ضمن تلك الأجهزة). بإيجاز، على الدولة الجديدة أن تكون يقظة أمنيًا دون أن تتحول إلى حالة شك مطلق في الناس. التوازن مطلوب بين الحسم مع المتآمرين والاحتضان لجمهور الأمة الذي فيه بعض من تأثر بدعاية الخصوم.

ولا يُغفل هنا دور الحرب الإعلامية والمعنوية. فعلى الرغم من ضعف إمكانات الدولة الناشئة في المجال الإعلامي مقارنة بآلة الدعاية الدولية، فإن بوسعها استخدام منابر التواصل الحديثة لنقل روايتها وكسب التضامن الشعبي الخارجي. لقد نجحت حركات إسلامية عديدة، وحركات جهادية مثل كتائب القسام في حشد التعاطف عالميًا بقوة الكلمة والصورة التي تفضح جرائم المعتدين وتنقل معاناة المستضعفين. كشف جرائم الأعداء وفضح وحشيتهم أمام الرأي العام العالمي والإسلامي يحرجهم سياسيًا ويخفف الضغط العسكري عن الكيان الوليد. وفي الوقت نفسه، بث الرسائل الإيمانية المطمئنة للأنصار بأن نصر الله قريب يعزز الصمود الداخلي. إن تذكير المؤمنين بسنن الابتلاء والنصر، وبحتمية تمكين هذا الدين – كما وعد الله سبحانه – يخفف من حالة الهلع عند أول صدمة عسكرية أو حصار اقتصادي. زرع الأمل والثقة بالله عنصر حاسم لتجاوز المرحلة الحرجة الأولى، إذ به يستمد المجاهدون القوة للاستمرار حتى مع تأخر النصر الظاهر. قال تعالى: (إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرۡكُمۡ وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ) (محمد:7)، فاليقين بهذا الوعد يمنح ثباتًا عجيبًا على خط المواجهة.

خطة تنفيذية مركزة

فيما يلي خطة تنفيذية موجزة توضح كيفية توظيف المرتكزات المذكورة عمليًا لمواجهة التحديات وتحقيق التمكين بإذن الله:

ترسيخ البنية الداخلية واستيعاب الشعب: ينبغي بدءًا توطيد أركان الحكم الداخلي بتشكيل مؤسسات إدارة فعّالة وخدمة المواطنين بالعدل والكفاءة. إقامة العدل وإنصاف الناس تحت راية الشريعة سيُكسب الدولة الناشئة شرعية راسخة في قلوب الشعب. كذلك يجب بناء جسور الثقة مع مختلف المكونات (عشائر، وقبائل، وحركات إسلامية أُخَر) عبر مجالس شورى محلية ولقاءات منتظمة مع القيادات المجتمعية. الهدف هو خلق جبهة داخلية موحّدة ترى في الدولة مشروعها الديني الجامع، الذي يحقق للرعية كلها من مسلمين وذميين حقوقهم وإنصافهم، ورفاههم، ما يقطع الطريق على محاولات الأعداء لإحداث شرخ داخلي.

تعبئة الطاقات الشعبية وتنظيمها: بعد كسب ثقة الجمهور، يُعمل على إطلاق مشاريع تعبئة جماهيرية تشمل حملات تثقيف سياسي وشرعي لرفع الوعي بأهداف الدولة ومنهجها، جنبًا إلى جنب مع برامج عملية لتجنيد المتطوعين في مجالات متنوعة (الشرطة المحلية، وفرق الإغاثة، ولجان الأحياء…). من المفيد هنا إنشاء هيكلية لـتنظيم شعبي واسع الانتشار، يقوم عليها نقباء من أهل كل منطقة، يُنسقون الجهود الشعبية ويديرون الموارد البشرية في خدمة الأمن والإنتاج والخدمات العامة. هكذا يشعر كل فرد أن له دورًا في مشروع الدولة، من الجندي على الجبهة إلى المزارع في حقله والطبيب في عيادته. هذا التنظيم الشعبي سيوفر أيضًا شبكة إنذار مبكر ضد أي تسلل أو اضطراب داخلي، إذ سيكون الوعي الجمعي مرتفعًا والتعاون تامًا بين الناس والأجهزة الشرعية.

استنفار دعم الأمة الإسلامية خارجيًا: تتبنى الدولة الناشئة سياسة خارجية إعلامية ودعوية تهدف إلى كسب تأييد الشعوب المسلمة أينما كانت. عبر البيانات الرسمية والمنابر الإعلامية توجه نداءات للأمة توضح عدالة قضية الدولة الإسلامية ومعاناتها تحت الحصار، وتستنهض همة المسلمين لنصرتها بالمال والنفس والكلمة. يمكن تشكيل لجان خاصة لمد جسور مع الجاليات المسلمة في الدول الثرية لحشد التبرعات والإسناد المالي، والتقني، وكذلك للتأثير على الرأي العام المحلي هناك للضغط على حكوماتهم بعدم التدخل المعادي. وعلى الصعيد الإقليمي، تنسق الدولة مع أي جماعات إسلامية تنشط ضد الحكومات الطاغية في بلدانها لتبادل المنفعة: دعم لوجستي وإعلامي مقابل فتح جبهات موازية تشتت العدو المشترك. هذه التحركات الخارجية تعطي الدولة الناشئة عمقًا استراتيجيًا وتظهر للعالم أن هذه الدولة ليست معزولة بل لها امتداد شعبي عبر العالم الإسلامي.

تعزيز القدرات الدفاعية والأمنية: تبني الدولة منظومة دفاع شاملة متعددة الطبقات. في الخطوط الأمامية، تُعَدّ القوات المسلحة النظامية وشبه النظامية وتسلح بما تيسر من أسلحة لائقة (اغتنامية أو مصنّعة محليًا) مع تدريبها على تكتيكات حروب العصابات والهجمات المباغتة التي تناسب إمكاناتها. وفي الخط الخلفي، تُنشأ فرق أمن داخلي واستخبارات ثورية لرصد أي اختراق أو مؤامرة في مهدها. وكذلك تُحصّـن الحدود والمنافذ عبر تعاون التنظيمات الإسلامية المجاورة لخلق عمق دفاعي متبادل – بحيث تصعّب الحركة عبر الحدود على جواسيس الأعداء وتسهلها على مناصري الإسلام. لا بد أيضا من توفير خطط طوارئ للإمداد (بالمواد الغذائية والوقود والذخائر) عبر طرق تهريب آمنة إذا فُرض حصار. على المدى الأبعد، تسعى الدولة بحكمة للحصول على عناصر قوة نوعية ترهب المعتدين – كقدرات صاروخية أو دفاع جوي فعال، أو طائرات مسيرة وهي من الأسلحة المهمة، قليلة التكلفة، شديدة الفعالية في الحروب الحديثة – لتشكل عامل ردع يمنع العدو من التفكير في هجوم شامل(تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ) الأنفال:60).

 هذه الأمور تُكتسب تدريجًا بالصبر والتخطيط ولا مانع من الاستفادة من الخصومات الدولية (مثال: استثمار أي دعم سري من قوى كبرى منافسة لعدونا المباشر، دون الارتهان لأحد).

التوسّع المرحلي المدروس في المحيط الإسلامي: بعد تثبيت الداخل وتأمين الحد الأدنى من القدرات الدفاعية، توضع خطط للتوسع في المناطق المجاورة مستفيدةً من هشاشة الوضع السياسي الإقليمي. كثير من دول الجوار تعاني فراغًا سياسيا وأمنيًا، وشعوبها ناقمة على أنظمتها. على الدولة الإسلامية أن ترقب هذه الفرص: أي انهيار لنظام ظالم أو قيام انتفاضة شعبية في بلد مسلم مجاور يفتح بابًا للتدخل الإيجابي. يمكن التدخل عبر الدعم اللوجستي والإعلامي للقوى الإسلامية هناك كي تتمكن من السيطرة وطلب الانضمام لاحقًا للدولة (على غرار ما حصل تاريخيًا حين كانت الإمارات الإسلامية تُضمّ تحت لواء خلافة واحدة سلماً أو حربًا). لكن ينبغي الحذر من الاستعجال؛ فلا يُنصح بالتوسع العسكري المباشر إلا إذا توفرت شروط النجاح (من حاضنة شعبية مرحبة ودعمٍ كافٍ وخطوط إمداد مؤمّـنة). وخلاف ذلك، يركَّز الجهد على بناء خلايا التنظيم الشعبي في تلك الأقطار انتظارًا للانقضاض على النظام القائم. الأهم أن تدرك الدولة وحزبها أن عملهم ذو طبيعة عابرة للحدود منذ اليوم الأول، وأن الأمة كلٌّ لا يتجزأ. بذلك لن يظل التغيير الإسلامي محصورًا في زاوية ضيقة يُحاصر فيها حتى الموت، بل سيتحول إلى تيار إقليمي جارف يصعب إيقافه.

تحصين الجبهة العقدية والفكرية: توازيًا مع الخطوات الميدانية، تواظب الدولة على رفع الوعي العقدي والسياسي لدى جماهيرها وجماهير الأمة قاطبة. يكون ذلك عبر المناهج التعليمية، وخطب القادة والعلماء، ووسائل الإعلام الحرة النزيهة التي توصل رسالة الإسلام الجوهرية. الهدف هو بناء مناعة فكرية ضد حملات التشويه والحرب النفسية التي يشنها الأعداء. عندما يعلم الناس لماذا نقيم هذه الدولة – امتثالا لأمر الله، ولتطبيق شريعته، ولتحقيق العدل الرباني وإنقاذ البشرية من طغيان البشر – وعندما يفهمون أحكام الشريعة فهمًا صحيحًا، فسوف يبذلون مهجهم دفاعًا عن هذا المشروع الرباني، خصوصا إذ يقارنون ما آل إليه التغيير مقابل ما كانوا يعيشونه من فساد ناخر وأنظمة بالغة التبعية، وهذا يشبه حال المسلمين إذ قارنوا عظمة الإسلام بالجاهلية التي كانوا عليها. تكفل العقيدة الصحيحة بقاء الحماس وإدامة التضحيات، وتجعل كل فرد رقيبًا على نفسه لا يتسلل إليه شك أو فتور. وهذا التحصين الفكري يُسهِم مباشرة في الاستقرار؛ فالمجتمع المؤمن الواعي الذي يدرك قيمة مشروعه لن يسمح لأعدائه بزعزعة ثقته أو شق صفه.

قابلية الدولة للتوسع في محيطها الإسلامي

إن البيئة الإقليمية المحيطة بالدولة الإسلامية الناشئة – في معظمها – مهيأة للتوسع الإسلامي برغم ما قد يظهر من قوالب القوة الظاهرية للأنظمة الحاكمة. فهذه الأنظمة في جلّها هشة الشرعية، تقوم على القهر والاستبداد ودعم القوى الأجنبية، تعيش حالة متقدمة من الفساد والإفساد، والترهل الاقتصادي، وشظف العيش، بينما شعوبها المسلمة تزداد وعيًا ورفضًا لحالة التبعية والظلم. يشير الباحثون إلى أن الرأي العام في بلاد المسلمين بات شبه مجمع على رفض أنظمة الكفر الجاثمة وعلى تطلّب البديل الإسلامي. الصحوة الإسلامية التي انتشرت خلال العقود الأخيرة أيقظت في الأمّة أشواقًا جامحة إلى حكم الشريعة والعدالة، وجعلت الشعوب متعطشة للتغيير حتى لو خاضت المخاطر. هذا الوضع يشكّل فرصة تاريخية للدولة الإسلامية كي تتوسّع بدعوة الشعوب لسلطان الإسلام ولدولته؛ وتعمل أيضا على تحفيز عوامل الثورة فيها على واقعها، فمتى رأت الشعوب نموذجًا ناجحًا مجسدًا في أرض الواقع، سعت للانضمام إليه طوعًا. وقد رأينا كيف أن سقوط أنظمة طاغية خلال موجة الربيع العربي ملأ الجماهير أملًا بإقامة دولة العدل الإسلامية، إلا إن غياب الكيان القائد حال دون تحقيق ذلك الأمل آنذاك. أما اليوم، فبقيام هذا الكيان في أي بقعة، يمكن أن يتحول الأمل إلى فعل؛ إذ ستتجه أنظار المسلمين إليه ويزداد الضغط من داخل البلدان المجاورة لإحداث تغيير مماثل، ولأحباط محاولة حصاره وخنقه.

تتجلى قابلية التوسع في صور شتى: قد تكون عبر الاختراق السلمي – كأن ينهار نظام مجاور تحت ضغط ثورة شعبية فيسارع أهل ذلك البلد إلى مبايعة الدولة الإسلامية طلبًا للنصرة وتطبيق الشرع. أو عبر الفتح العسكري عندما تتهيأ الظروف، كتفكك جيش النظام الخصم أو استنجاد فئات من شعبه بالدولة الإسلامية لتخليصهم من الظلم (تمامًا كما حصل في بدايات الفتوحات الإسلامية حين رحّب كثير من أهالي الشام ومصر بالمسلمين محرِّرين من ظلم الروم). وفي كل الأحوال، ينبغي مراعاة سنن التوسع الطبيعي باستعمال قوة الجذب والنفوذ الحضاري  بثبات وفق إستراتيجية مدروسة تحفظ تماسكها. لقد أكدت التجارب المعاصرة أن الاقتصار على عمل منعزل في بقعة محدودة يجعل أصحابه لقمة سائغة لتكالب الأعداء؛ بينما الانتشار الأوسع يُكسب المشروع عمقًا ومنعة بتوسيع دائرة المتفاعلين والمؤيدين. كما أن توحيد الجبهات عبر الحدود يُنسي الأنظمة المستبدة قدرتها على التعاون ضد الإسلاميين، إذ تجد كلٌ منها نفسها منهمكة بمشكلاتها الداخلية الكثيرة. إن نجاح الدولة الإسلامية في توسيع رقعة سيطرتها عبر العالم الإسلامي يعني عمليًا نقل المواجهة إلى مرحلة جديدة: بدلاً من صراع مع دولة واحدة محاصَرة، يصبح الصراع بين الأمة كلها وبين القوى المعادية لها. وعندها يقترب الوعد الحق بنصر الأمة النهائي بإذن الله، تحقيقًا لقوله سبحانه: (وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ…) [النور:55].

ولكي تستثمر الدولة الإسلامية هذه البيئة المواتية دون مخاطرة زائدة، فعليها اتباع سياسة “التوحيد على بصيرة”. أي توحيد صفوف المسلمين تحت رايتها لكن ببصيرة تراعي واقع كل قطر وظروفه. فتقديم الدعم لحركات التغيير في بلد ما يختلف إن كانت تلك الحركات مهيكلة ومنضبطة وذات رؤية إسلامية واضحة، عنه في بلد آخر حيث الفوضى أو غلبة العصبيات الجاهلية. وكذلك درجة التدخل العسكري المباشر تختلف بين حالة وأخرى. البصيرة هنا تعني دراسة دقيقة لكل قطر: نقاط قوة وضعف النظام الحاكم، ومدى رسوخ الولاءات القبلية أو الطائفية، ودرجة نقمة الشعب واستعداده، ووجود منافسين على الساحة… إلخ. وبناء على تلك المعطيات تُرسم خارطة طريق للتوسع: أين يمكن التحرك سريعًا، وأين يجب التأجيل حتى إنضاج الظروف، وكيف ننضجها؟ وهكذا. المهم أن يبقى هدف الوحدة الشاملة حاضرًا غايةً نهائية، فلا يركن أهل الدولة إلى حدود سايكس-بيكو المصطنعة أو يرضوا بتوقف المدّ الإسلامي عند قطر معين. إنَّ الأمة الإسلامية بطبيعتها واحدة؛ قسّمها الاستعمار وعمّق انقسامَها الحكامُ العملاء، لكن شريعة الإسلام وتطلعات الشعوب تهفو إلى إعادة اللحمة. وكلما التحمت أجزاء تحت راية الحق، ازداد الضغط تلقائيًا على بقية الأجزاء للحاق بها، لأن شرعية الدولة الإسلامية الحقة سترجح على شرعية الأنظمة القُطرية المهترئة في قلوب الناس. وهكذا تعمل عدوى النموذج الناجح عملها حتى تعمَّ فكرة الخلافة سائر الأرجاء، لتصبح قابلية التوسع واقعًا محققًا لا مجرد احتمال نظري.

خاتمة: في الختام، نؤكد أن الانتقال من مرحلة العجز المانع إلى القدرة المسقِطة للعذر في إقامة دولة الإسلام لا يتحقق تلقائيًا دون تخطيط ومحاولة واعية. الاستطاعة التي أنعم الله بها على هذه الأمة لإقامة دينه يجب أن تُفعّل بأقصى طاقتها كي نسقط كل عذر ونتحمل مسؤولية واجبنا التاريخي. بتفعيل الطاقات الشعبية الداخلية، واستنفار دعم الأمة في الخارج، وتسخير قوة العقيدة الروحية، والتخطيط لتجاوز المخاطر، يمكن للدولة الإسلامية الناشئة – بعون الله – أن تصمد وتستقر وتطبق الشريعة. ومع الوقت ستتحول هذه البذرة إلى شجرة وارفة تجمع في ظلها بقية المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها. وما ذلك على الله بعزيز، (وَيَوۡمَئِذٖ يَفۡرَحُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٤ بِنَصۡرِ ٱللَّهِۚ…) (الروم: 4-5). نسأل الله أن يعجل بتلك البشارة وأن يوفق العاملين المخلصين لتحقيقها إنه ولي ذلك والقادر عليه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *