العدد 417 - السنة السادسة والثلاثون، شوال 1442هـ،الموافق أيار 2021م

خطة الغرب الدائمة في استعمار بلاد المسلمين

نبيل عبد الكريم

إن إلغاء منصب الخلافة، وإعلان انتهاء حكم الإسلام على أرض الواقع بسقوط آخر خلافة، وهي الخلافة العثمانية عام 1924م، لم يكن نتاج عمل في مرحلة السقوط فحسب، بل طالت وتشعبت عبر تركة الرجل المريض (الدولة العثمانية) التي نخرت عظامها مفاهيم الحضارة الأوروبية عبر البعثات العسكرية والدبلوماسية، والطلابية، والتبشيرية… المنظَّمة والمدروسة بعناية فائقة من قبل الأوروبيين، وخاصة بريطانيا، حتى أصبح سقوط الخلافة نتيجة منطقية، تقبَّلها الشارع أو لم يتقبَّلها، فهو حدث وقع أمام أعينهم، وأصبح ميزان القوى يميل إلى صالح أوروبا، وقد ظهر ذلك بتطوُّرها الصناعي والعسكري الذي أفضى إلى توسيع السيطرة الغربية باقتطاع أجزاء كبيرة من أطراف الدولة العثمانية التي كانت سمعتها ترهب الدول لمجرد ذكر اسمها؛ حيث خرجت الجزائر عام 1835م، وأصبحت تحت يد فرنسا، وتبعتها مصر بيد بريطانيا 1882م، ثم ما نتج عن حرب البلقان الأولى 1912م ضد اتحاد البلقان (بلغاريا- صربيا- اليونان- الجبل الأسود) فقد انتهى، بمساعدة لندن، إلى خسارة الدولة العثمانية لغالبية أراضيها في القارة الأوروبية.

وسنتطرق هنا، وفي عجالة، إلى بعض الأسباب التي أدَّت إلى مرض الدولة حتى السقوط، منها:

ضعف الالتزام بالدين الإسلامي وتعاليمه، وتفكك الرابطة المبدئية رويدًا رويدًا بسبب عدم الترابط الحقيقي بين أقاليمها مما ساعد الغزو الفكري في نخر عظام الدولة، وقد ساعد في ذلك ضعف اللغة العربية، واستخدام لغات مختلفة معها، وهو الذي عمَّق ضعف فهم الإسلام وتعاليمه.

الغزو التبشيري والثقافي ممَّا ساهم في تسرُّب النعرات القومية والنزاعات الوطنية. ولم يقتصر هذا الغزو على الدول الأوروبية وحسب، بل شاركت أمريكا وروسيا وأغلب دول الكفر آنذاك، وقد ساعد في ذلك إدخال بعض الأحكام الدستورية الغربية؛ حيث كانت هناك محاولات كثيرة لاستبدال الأحكام الشرعية بالقوانين الغربية، ومنها محاولة عبد الحميد الأول، وكان حديث السن! وبعدها محاولة مدحت باشا التي وقف عبد الحميد الثاني في وجهها، وبعدها أصبح إدخال بعض القوانين الغربية بقرار من شيخ الإسلام (مفتي الديار) الذي كان ينظر لهذه القوانين من ثلاثة نقاط فقط هي: (ما لا يخالف الإسلام يجوز أخذه) (المباح لا حرج فيه، فيكون أخذ ما لم يرد نهي عنه مباح) (الديمقراطية من الإسلام لأنها قائمة على الشورى، والعدل، والمساواة) وبناء على هذا كله أعطيت الفتاوى بجواز الأخذ من الدستور الديمقراطي الغربي مع بقاء الدولة سائرة على نظام الخلافة؛ ومن هنا بدأ يزيد الخلل والانحراف.

انتشار الفرق الدينية الضالة التي تحمل العداء لدولة الخلافة وللمسلمين فأخذت تبث الفرقة والفتن، وساعد في ذلك وصول بعض شخصيات منهم إلى مناصب في الدولة.

الجيش الانكشاري بالرغم من كل ما قدَّمه هذا الجيش الذي أنشأه السلطان أورخان، إلا أنه عندما وثب هذا الجيش إلى مركز القيادة في الدولة، فأصبحوا هم الآمرين الناهين والسلطان ألعوبة بأيديهم، ظهر الفساد، وضاعت البلاد وأدخلت في معارك ما كان لها أن تدخلها.

تآمر الدول الأوروبية على الدولة الإسلامية، وقد سلكوا لذلك عدة طرق، فقد أثاروا النعرات القومية والوطنية والاستقلالية، وحرَّكوا أهل البلاد على الدولة الإسلامية، ودعموها بالمال والسلاح. وقد ركزت بريطانيا جهودها في مسألة العرب والترك، ووعدت العرب بخلافة عربية، ومراسلات الحسين مكماهون، وتأكيد بريطانيا أنها تعترف باستقلال الدول العربية وقبولها للخلافة العربية.

ولأن الغرب كان ينظر للدولة العثمانية بأنها عائق كبير أمام مصالحها، وحتى أمام وجودها كمبدأ في هذا العالم، وتطبيق مشاريعها؛ لذلك عُقد مؤتمر كامبل بانرمان عام 1905م، واستمرت جلساته حتى 14/5/1907م بدعوة سرية من حزب المحافظين البريطانيين، وقد ضمَّ هذا المؤتمر عدة دول (بريطانيا- فرنسا- هولندا- بلجيكا- إسبانيا- إيطاليا) حيث افتتح رئيس الوزراء البريطاني هنري كامبل بانرمان بكلمة مطوَّلة قال فيها مخاطبًا الحضور «إن الإمبراطوريات تتكوَّن وتتَّسع وتقوى ثم تستقرُّ إلى حد ما، ثم تنحلُّ رويدًا رويدًا، ثم تزول، والتاريخ مليء بمثل هذه التطورات، وهو لا يتغير بالنسبة لكل نهضة ولكل أمة، فهناك إمبراطوريات –كروما، والهند، والصين وغيرهم- فهل لديكم أسباب أو وسائل يمكن أن تحول دون سقوط الاستعمار الأوروبي، وانهياره أو تأخر مصيره؟»

وفي آخر هذا المؤتمر الذي يعتبر أخطر مؤتمر حصل لتدمير الأمة الإسلامية ومنع نهضتها، هو العمل على عدم الاستقرار فيها؛ حيث قالوا إن البحر الأبيض المتوسط هو الشريان الحيوي للاستعمار لأنه الجسر الذي يصل الشرق بالغرب، والممر الطبيعي إلى القارتين الآسيوية والأفريقية، وملتقى طرق العالم. ولعلَّ أبرز ما جاء في توصياته نقطتان:

إبقاء شعوب هذه المنطقة مفككة جاهلة متأخرة، وهذا ما طبَّقوه علينا إلى هذا اليوم، فقد منعوا العلوم والمعارف والتقنيات أن تصل إليها، أو أن نحصل عليها، وكلما حاولنا نجد نواطيرهم يمنعون ذلك! بكل ما لديهم من قوة.

محاربة أي توجُّه وحدوي؛ لذلك هم دعوا إلى قيام كيان غريب في فلسطين لأنها هي نقطة الوصل بين قارتي أسيا وأفريقيا، وعلى أن يعمل هذا الجسم الغريب على تفرقة وجعل المنطقة برمتها في حالة عدم الاتِّزان، وقد حقَّق الكيان الصهيوني لهم هذه المطالب، بل وذهب إلى أبعد مما كانوا يتوقعون، وحالنا اليوم يشرح نفسه، ويظهر مدى المكر الذي كُبِّلنا فيه.

وقد بدأت عملية تقاسم تركة دولة الخلافة العثمانية مع بداية الحرب العالمية الأولى من عام 1914م، أي بدأت مع بداية الحرب، وقد كانت هناك لقاءات سرية بين المملكة المتحدة وفرنسا بعلم من الإمبراطورية الروسية، لأجل تقسيم منطقة الهلال الخصيب لأنهم كانوا متأكدين من الفوز في الحرب لما زرعوا من خونة وشقاق داخل نسيج الدولة العثمانية، وقد تم الاتفاق على جميع البنود بين الطرفين بمصادقة الإمبراطورية الروسية بما عرف باتفاقية (سايكس بيكو) في 16/09/1916م؛ ولكن مع وصول الشيوعيين إلى سدة الحكم في روسيا عام 1917م، تمَّ فضح هذه الاتفاقية، ومع ذلك لم يكن هناك عوائق تذكر أمام تنفيذها. وبعد الاتفاق على الحصص وتقاسمها بينهم، انتقل الصراع إلى صراع غربي غربي، أي أصبح الصراع: من يستطيع أن يأخذ من حصص بعضهم البعض أكثر، وبدأت حقبة الاستعمار المباشر.

 وبعد الحرب العالمية الثانية، ظهرت قوة جديدة على الساحة الدولية، هي الولايات المتحدة الأمريكية، وهذه الدولة لم يكن لها حصص من تركة الخلافة العثمانية؛ لذلك ومع بدء ظهورها على الساحة الدولية، رفعت شعار حق الشعوب في التحرُّر، وبدأت تدعم الثورات العربية ضد وجود الاحتلال؛ وهذا ليس بسبب حسها النبيل، بل طمعًا منها بأخذ هذه الحصص إلى صالحها.

وبسبب رغبة الشعوب القوية بالاستقلال ورفضها للمحتل وتقديمها الشهداء في سبيل ذلك، ومع أن جميع الثورات كانت تنحرف لتأخذ طابعًا وطنيًّا، إلا أنَّ ذلك أجبر الاستعمار على الانتقال إلى حقبة جديدة ألا وهي الاستعمار غير المباشر، وذلك للالتفاف على الثورات، وتجلَّى ذلك في مغادرة المستعمر بعد أن نصَّب عملاء له يديرون البلاد نيابة عنه، ويضمن حقوقهم ومصالحهم، وتخطيطهم هو أن يقضوا على كل مخلص، ومحاربة الإسلام، والسيطرة على رموز الثورة الحقيقيين، والتخلُّص منهم ونهب ثروات البلاد، والعمل على إبقاء هذا البلاد متخلِّفة وعاجزة عن أي نهضة في أي مجال، وجعل شعوب هذه البلاد تعاني في الحصول على لقمة العيش، وبثِّ شروش الفساد في كل المجالات على الإطلاق.

هذا وقد وضع الغرب خطوطًا أساسية تكاد أن تكون واحدة في كل بلد نال الاستقلال، وهي الركائز التي اعتمد عليها للحيلولة دون وحدة الأمة ودون عودة الإسلام إلى سدَّة الحكم؛ ولذلك كان الصراع بين الدول الغربية على استقطاب عميل مكان آخر، هي الحرب التي كانوا يمارسونها بين بعضهم على أراضينا ووقودها شعبنا، وضمن هذا الصراع لا يخافون من صحوة الأمة بسبب وجود هذه الركائز التي سوف نعرج على بعضها:

تعيين طاغوت يحكم البلاد:

الطاغوت هو الذي يشرِّع التشريعات ويقنن القوانين ويقدم كلامه على كلام الله تعالى، فهو يشعر أن له الحقَّ في أن يشرِّع للناس شرائع يسنُّها مجلس الشعب أو النواب أو الرئيس… فكلُّها تتبع لصاحب الصلاحية، وهو الطاغوت، سواء أكان حاكمًا للدولة أم من عمل على تنصيبه من طواغيت. فتعيين الطواغيت الذين يحكمون بغير ما أنزل الله جعله الغرب من الخطوط الحمراء التي يجب أن لا تمسَّ، ولا يطمئن الغرب إلا أن تكون الأمة بعيدة عن مسِّها. ولما تحركت الأمة في ثوراتها تريد التغيير تحرك معها الغرب وركب الموجة وأبعدهم عن هذا الخط الأحمر بأن سمح لهم بتغيير طاغوت بطاغوت آخر، مع تحسين في الشكل فقط. ومع هذا التغيير، نرى أن الغرب يحرص ويصرُّ على إبقاء الدستور مستمَدَّة أحكامه من الديمقراطية وترك سن القوانين للناس عبر المجالس التمثيلية.

سن القوانين:

لقد حاول الغرب بوجود الخلافة تغيير القوانين فلم يستطع، فأدخل بعضًا منها وقام بفصل المحاكم، فأصبحت محاكم أحوال شخصية، ومحاكم مدنية، وكان هذا تهيئة لإدخال وجهة نظره (فصل الدين عن الحياة). وبعد سقوط الدولة تمَّ ترك محاكم الأحوال الشخصية وفق أحكام الإسلام، وتم تغيير جميع القوانين المدنية باستبعاد الشريعة الإسلامية كليًّا، وبدأ بسنِّ القوانين أو أخذها من الدول المستعمرة التي طبقت قانونها على البلاد التي استعمرتها. وبخديعة ما يسمَّى بالاستقلال، تم تشكيل هيئات ولجان محلية حتى يوهم أهل البلاد أن أبناءهم هم من وضع الدستور، وكانوا يرفعون شعار (يُعدُّ الفقه الإسلامي مصدرًا للتشريع) وهذا الشعار لم يكن له في الحقيقة سوى مجرد ذكره ضمن دفتي الدستور، أما في الواقع العملي فلم يكن له أي أثر تشريعي، وهذه قد تم إلغاؤها من أغلب الدساتير الحديثة.

ومعلوم أن خطر الدستور الوضعي هو أنه تشريع من دون الله، وهو أول دلالات بعد الأمة عن الشرع، وهذا من أهم المؤشرات لدى الغرب أنهم ما داموا يضعون لنا الدساتير فهم بألف خير؛ لأننا حينها أبعد ما نكون عن الإسلام السياسي، وعن أي وحدة أو عودة لحياتنا الإسلامية التي ترضي رب العباد.

ومعلوم كذلك أن الدستور هو وسيلة هامة ترسم صورة الحياة في الدولة وتحدِّد حركتها ونظرتها لحياتها وترسم على ضوئه مستقبلها، وبما أن الدساتير وضعها الغرب ابتداء وفرضها على المسلمين في بلادهم التي قسمها إلى دول، فإننا نرى أن هذا الغرب الماكر يسهِّل إجراء تغييرات في هذه الدساتير لتبقى تخدم مخططاته ومصالحه وأهدافه المستقبلية، لا  مصالح وأهداف أهل المنطقة، ومن ذلك وعلى سبيل المثال أصرَّ في التغييرات الحديثة على إلغاء أن يكون التشريع الإسلامي مصدرًا للتشريعات، وخاصة بعدما رأى من توجُّه قوي لدى الأمة ورغبة جامحة بالعودة إلى الحياة الإسلامية الكاملة،  وسنَّ فيها ما يراعي وجود الطوائفية والمذهبية والعرقية ليبقي بلاد المسلمين عرضة لتدخله في إثارة النعرات وإيجاد المنازعات الداخلية التي يعمل على تغذيتها بالتوقيت الذي يريد، ويجعل حدود الدم تشتعل والتفرقة تسود حتى داخل البلد الواحد.

القبضة الأمنية:

منذ إنشاء الدول القومية كبديل عن الاستعمار المباشر، وتنصيب طواغيت وسنِّ قوانين، كان لا بدَّ من وجود قبضة أمنية محكمة الصنع تفضي لحماية هذا الطاغوت، وتبقي الأمة بعيدة كل البعد عن التغيير، وتبعدها عن قضاياها الأساسية. وباعتبار أن كل الحكومات هي حكومات دكتاتورية كان لا بد من إقامة أجهزة مخابرات تساعد على تثبيت الحكم، وتعمل على درء أي خطر داهم من الأمة على هؤلاء الطواغيت؛ فتقوم بمراقبة نبض الشارع وإحصاء الأنفاس على الناس، واستعمال سياسة القمع والتخويف كسبيل وحيد لاستقرار الحكم لهؤلاء الطواغيت. ولأهمية هذه القبضة الأمنية في بلاد المسلمين، نرى أنه غالبًا ما يكون المسؤولون عن إدارة هذه المخابرات موصولين مباشرة برئيس الدولة، بل وبالمخابرات الخارجية التابعة لها هذه الدولة.

ولأن هذه القبضة تؤمِّن أمن الحاكم، وتؤمِّن له التخلُّص من المخلصين، فإن المسؤولين في هذا الجهاز يتغيَّرون مع تغيُّر الحاكم، وعليه فهم جسم لصيق به، وكل حاكم له جهازه الأمني الخاص به، ويعتبر صمام أمان له وللدولة التي هو عميل لها، ويبقى عمل هذا الجهاز الأساسي هو إبعاد الناس من الاقتراب من الخطوط الحمراء التي وضعها الغرب، ومهما تبدَّلت الأنظمة الطاغوتية تبقى القبضة الأمنية هي يدها التي تبطش ولا يستغنى عنها، ويبقى من أهم أعمالها الاتصال المباشر والتعاون المشترك مع المخابرات الدولية الراعية بشكل خاص.

المؤسسة العسكرية:

توضع المؤسسة العسكرية تحت سيطرة الحاكم، وهي تصنع بعناية شديدة ومراقبة دائمة، وتُسلَّط على الداخل،  وهي إذا سلِّطت على الخارج فلخدمة الدولة الغربية الراعية لها فقط. وتُجعل التراتبية العسكرية حسب الولاء للحاكم، وبتزكية من الدولة الراعية، فهي مؤسسة قمعية بامتياز، وعملها الأساسي حماية الحكم والحاكم، وتنفيذ مخططات الدولة الغربية. وفي خضم الحَراك الشعبي الحالي، فقد كانت المؤسسة العسكرية هي صمَّام الأمان لانتقال الحكم إلى اليد الأخرى، وعدم خروجها عن النفوذ، وهي من أهم الأوراق التي استهلكت للالتفاف على الثورات، ولا يطمئن الغرب إلى بقاء الحاكم العميل له إلا إلى هذه المؤسسة، إلى جانب القبضة الأمنية المخابراتية. وهذا ما دفع الغرب إلى فرض موادَّ جديدة في الدساتير لمنع حدوث أي تغيير للنظام عبر هذه المؤسسة يقوم به المخلصون فيها، ومنها أن الانقلاب العسكري عبر الجيش غير معترف به قانونيًا ولا دوليًا.

مصادرة المؤسسة الدينية ودار الإفتاء:

قام الغرب بوضع الإسلام تحت وصاية النظام السياسي القائم، وتمَّ إيجاد وزارات للشؤون الدينية ومراكز للفتوى من أجل توظيفها في خدمة النظام الحاكم، وتمَّ اصطناع رجال دين يخدمونهم، وتمَّ التلاعب في المناهج التي تخرِّج ما يسمى برجال الدين التي تولَّت كبر الدعاية إلى طاعة ولي الأمر! حتى لو خالف الدين نفسه، ووضع كلامه أعلى من كلام الله! والتي راحت تلوي عنق النصوص لتكون في خدمة سياسته وسياسة أسياده الكفار، وراحت هذه المعاهد والجامعات الشرعية تضمن تخريج رجال دين متشرِّبين لأفكار الحاكم وخاضعين له، ومصالح هؤلاء (رجال الدين) مجابة، ويتم اختيارهم وانتقاؤهم ليكونوا رجال دين مخلصين للدولة وليس للدين! وعملوا عن طريق هؤلاء على إبعاد الناس عن الإسلام السياسي،  ومحاربة الداعين له، وعملوا على تكريس فكرة أن الإسلام هو دين تعبدي مثله مثل الدين النصراني والدين اليهودي. فهؤلاء كانوا كما رسم الغرب لهم: أداة بيد النظام لإصدار الفتاوى التي تخدم مصالح الحاكم والغرب على حد سواء، وهذا ما جعلهم مِعول هدم لهذه الأمة بينما عملهم الأساسي والحقيقي هو بناء النهضة الصحيحة لهذه الأمة؛ وعليه كان وجودهم هو من ضمانات الخطوط الحمراء التي وضعها الغرب. وإذا ما شذَّ أحدهم فالقبضة الأمنية حاضرة.

إيجاد عدو مصطنع يستنزف الدولة:

لقد خطَّط الغرب من أجل إدامة سيطرته على بلاد المسلمين أن يكونوا في مواجهة عدوٍّ مصطنع بشكل دائمي؛ وذلك من أجل أن يستنزف جهود الأمة وإمكاناتها، وليكون ذريعة لنهب خيرات الأمة وبثِّ الرعب في داخلها، وهذا العدو على نوعين: عدو داخلي، وعدو خارجي.

أما العدو الخارجي: فكان هو الكيان الصهيوني بشكل رئيسي الذي أنشأه الغرب ليكون خنجرًا مغروزًا في صدرها يستنذف إمكانات الأمة وطاقاتها في مواجهته من قبل أنظمة طاغوتية مصطنعة مثله تدعي كذبًا ونفاقًا أنها تعاديه، فيتم استنزاف موارد الأمة بحجة التسلح من أجل القضاء عليه، والتجهُّز للمعركة القادمة معه، وتجعل من القضية الفلسطينية وتحرير الأقصى شماعتها التي تلهي بها الشعوب، وتقيم عداواتها وصداقاتها مع الدول الأخرى عبر تحالفات تتزيَّن بشعارات كاذبة خاطئة (الصمود والتصدي) و(الممانعة والمقاومة) فلا هي حرَّرت شبرًا من أرض، بل شكلت في الحقيقة سياج حماية لهذا الكيان الغاصب؛ حيث أصبحت الحدود المشتركة معه هي الدرع الحصين الذي يحصِّن وجوده ويؤمِّن حدوده… وبمجرد أن تبدَّلت سياسة الأسياد الغربيين وتحولت من العداء لـ(إسرائيل) إلى إيران فسرعان ما تحول هذا (العدو الكبير) إلى أعزِّ صديق لهذه الأنظمة، وانكشف (التعاون الكبير) المستتر معه في المجال الأمني والسياسي الذي كان يجري من تحت الطاولة. ولكم أن تتصوروا كم استهلك هذا العداء الخادع من جهود وإمكانات، تارة تحت ذرائع وطنية، وتارة تحت ذرائع دينية زائفة…

أما العدو الداخلي: فقد قاموا بإنشاء جماعات باسم الدين لتقوم بأعمال تخريبية باسم الدين، ضمن أجندة داخلية للنظام أو خارجية لدول الكفر، والهدف منها إبعاد المسلمين عن تبنِّي قضاياهم المصيرية على أساس دينهم، وإبعادهم عن التعامل مع دينهم على أنه مشروع حياة فيه شريعة ونظام حكم، وتوسيع الفجوة بين الأمة وبين أي حركة أو جماعة أو حزب يعمل أو يحاول أن يعمل على إعادة الإسلام إلى الحكم، ومقابل ما تقوم به هذه الجماعات من أعمال تخريبية باسم الدين تقوم بسن قوانين جديدة تعطي الغرب، وبالتالي الأنظمة العميلة له، تسمح بضربه والتهجم عليه، وتسمح للغرب بالتدخل بحجة مكافحة الإرهاب، كل ذلك في إطار ما يسمَّى بالحرب على الإهاب الذي يقصد به الإسلام السياسي أو إسلام الحكم.

هذه الركائز تكاد تكون واحدة في كل دول المسلمين مهما اختلفت وجوه العمالة فيها، وهي ركائز وضعها الغرب منذ إنشاء الدول القومية ذات الاستقلال المزيَّف؛ ليضمن استمرار استعماره وسيطرته عليها، وهذه الركائز جعل منها الغرب خطوطًا حمراء يمنع تجاوزها…

 لذلك، عندما تحركت الشعوب ضد أنظمة الظلم والقهر بما يسمى بـ(الربيع العربي) نجد أن الغرب وأدواته من الحكام تحركوا بسرعة شديدة، وقاموا باستيعاب الوضع بحركات مدروسة عرفت بـ(الثورة المضادة) والتي استخدموا فيها أنظمة عربية ادَّعت أنها مع هذه الثورات، وراحت تمدُّها بالمال السياسي القذر وتدعمها إعلاميًا وإنسانيًا، فتمَّ بها خداع الشعوب الثائرة، وكان من أبرز هذه الدول المجرمة المخادعة والتي قامت بأدوار قذرة هي قطر والسعودية وتركيا… وكل هذا كان يحدث بتخطيط من الغرب، فالجزَّار هو الغرب، والسكين هي هذه الأنظمة الخائنة، والضحية هي الأمة.

إن الأمة عندما قامت على الأنظمة إنما قامت على كل من هو مسؤول عن مآسيه من الغرب إلى الحكام الطواغيت العملاء له، إلى الأنظمة الدستورية الطاغوتية التي تحكم بغير ما أنزل الله، ومخطئ من يظن أن الامة فشلت أو هي في طور الاستسلام نتيجة هذا التآمر الدولي الخبيث والعميق؛ إذ ما زالت الأسباب التي دفعتها للثورة قائمة بل وتأكَّدت أكثر، وظهر للأمة أكثر أن الغرب وعلى رأسه أمريكا يشنُّ حربًا عالمية لا تهدأ على إسلام الحكم، وأن مآسي المسلمين اليوم تنتشر في كل أصقاع العالم، وشعار هذا الإجرام بحق الأمة إنما هو شعار أصحاب الأخدود (وَمَا نَقَمُواْ مِنۡهُمۡ إِلَّآ أَن يُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَمِيدِ ٨). وبما أنه لا شيء تغيَّر للأحسن بعد كل ما نراه من إجرام، إذًا فإن الأمة لن تستسلم بل ستمضي بهدي من الله نحو التغيير الذي يرضي الله سبحانه، لقد ذهبت الأوضاع إلى الأسوأ؛ وذلك ليس بفعل الثورات بل بفعل الغرب وعملائه الذين مضوا في التعامل مع هذه الثورات بسياسة الأرض المحروقة، سواء في سوريا أم في اليمن أم في العراق، أم في مصر… فكان الموت والقتل والتشريد والتجويع للناس من هذه الأنظمة ومن وراءها، وهذا لا يخفى على المسلمين، ومهما حاول الإعلام المأجور أن يطمس هذه الحقائق ويصوِّر الضحية بمظهر الجلاد والجلاد بمظهر الضحية، فإن الأمة باتت واعية وستفاجئ الجميع وأولهم الغرب، بأنها إن كانت قصيرة اليد فإنها لم تكن عامية عن تآمره وإجرامه، بل كانت بصيرة العين، ولا بد أن يشق فجر الإسلام نوره عما قريب إن شاء الله تعالى.

إذا كان الغرب قد استطاع إلى حد ما ركوب ظهر الثورات، فإن الأمة سرعان ما ستوقعه عنها، وتناجزه حقَّها، وإن الأمة ليست بعيدة عن ذلك، ففي دينها خلاصها، وهي لا تحتاج إلَّا إلى أن يقوم أهل نصرة لهذا الدين من أبنائها ويقلبوا الأوضاع على رأس أعدائها ويعطوا قيادة الأمة إلى الثلة الواعية المخلصة التي تمسَّكت بكتاب الله وسنَّة رسوله وجعلت إقامة الخلافة نصب عينيها، فتقوم الدولة التي تقف في وجوه الدول قاطبة ومعها إيمانها بالله الذي تغلب به كل من يواجهها ويعاديها، فتقوم بهدم الخطوط الحمراء، وترفع يد الغرب عن التدخل في أمور حياتنا وديننا. فهل هذا ممكن الحدوث؟ إنه لممكن، بل إنه لواجب، ومن ضمن التكليف، وإنه للحل الوحيد، وفيه المخرج الوحيد، وإنه لأقرب من رد الطرف، بعون الله وحده. فقط مفتاحه أن يهدي الله ثلة الخير من أهل القوة لتقوم مع ثلة الخير من أهل الدعوة التي تدعو وتعمل لإقامة الخلافة؛ ليكونا معًا كما كان حال المهاجرين مع الأنصار في إقامة الدولة الإسلامية الأولى زمن الرسول، فتقوم الدولة الإسلامية الثانية في زماننا وتتحقق بشرى رسول الله: «ثم تكون خلافة راشدة».

 وقال الله سبحانه وتعالى عن المهاجرين والأنصار:(وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلۡأَوَّلُونَ مِنَ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحۡسَٰنٖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُ وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي تَحۡتَهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١٠٠).

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *