العدد 414-415-416 - السنة الخامسة والثلاثون – رجب وشعبان ورمضان 1442هـ – شباط وآذار ونيسان 2021م

خطورة تحويل الصراع مع يهود إلى صراع طائفي مع إيران

د. أحمد كباس – اليمن

إن الصراع والعداء بين الإسلام والكفر قائم إلى قيام الساعة، وقد أخذ الصراع أشكالًا عديدة، واتَّخذ وسائل متعدِّدة، ولسنا بصدد الحديث عن تفاصيل الصراع وأشكاله ووسائله وأساليبه جميعها، فلا يتسع المجال لذكرها!! ولكن ثمة أمرًا مهمًا وجدًا خطير على أمة الإسلام ينبغي أن نسلِّط عليه الضوء، ألا وهو تحويل الصراع والعداء من عداء المسلمين لليهود إلى عداء لإيران.

بعد أن هدم الغرب الكافر دولة الإسلام عام 1924م، انتقل إلى تمزيق الأمة الإسلامية إلى دويلات هزيلة، ثم فرض عليها أنظمته وقوانينه المنبثقة من عقيدة فصل الدين عن الحياة، ونصب عليها حكامًا من جلدة المسلمين يحكمون الناس بأحكام الكفر، و بالحديد والنار، ولا يأتمرون إلا بأوامر حكام الغرب الكافر. ولم يكتفِ أعداء الإسلام بذلك، بل عمدوا إلى إذكاء الحروب بين المسلمين؛ لأنهم يعلمون أن أمة الإسلام أمة جهاد وتضحية وشجاعة وبسالة، فاتَّجهوا إلى إنشاء جماعات في بلاد المسلمين تقوم على الأساس الديموقراطي الغربي، وتخدم أجندة الاستعمار، وتديره دول الغرب وعلى رأسها أمريكا وبريطانيا.

ومن هنا يأتي التنافس والصراع على النفوذ بين التيارات التي تخدم مختلف دول الغرب الاستعمارية. ومن جهة أخرى، نتج عن ذلك الصراع شلال دم نازف من جسم أمة الإسلام، وراح الغرب يصنع من جماجم أبناء المسلمين سلمًا لصعود عملائه إلى سدة الحكم، وكل ما يجري دول العالم، وفي العالم الإسلامي خاصة تقف خلفه دول الكفر وعلى رأسها أمريكا وبريطانيا 

ومع كل ذلك، لا تضع كل من أمريكا وبريطانيا نفسها مكان المجرم أو المتَّهم، بل تُقدِّم نفسها على أنها راعية السلام، وتستخدم عملاءها في فرض نفوذها، وإدارة لعبتها الاستعمارية القذرة في بلاد المسلمين، وتظهر على أنها حامية للإنسان كإنسان منادية بحقوقه، تحمل للجائع الغذاء، وللمريض الدواء، وللنازح المخيمات، وتدعو المتصارعين إلى الجلوس على طاولة الحوار لإحلال السلام وتجنُّب الصدام والكوارث الإنسانية على حد زعمها. وعلى هذا المسار بالتحديد تسعى أمريكا إلى تحويل الصراع والعداء من عداء المسلمين لليهود إلى عداء لإيران… وعلى هذا المسار تتالت التصريحات وتواترت من وزارة الخارجية الأمريكية تحت عنوان كبير: (إيران تسعى لتقويض السلام في الشرق الأوسط)

ولقد كان لمثل هذه التصريحات أبعادًا سياسية أخرى، غير البعد الذي نسلِّط عليه الضوء، ومع ذلك فإنه يعطي مؤشرًا خطيرًا على سعي أمريكا إلى تحويل الصراع والعداء بدلًا من أن يكون مع اليهود ليصبح مع إيران، وسبق أن ذكرنا أن أمريكا تضع نفسها موضع المنقذ، وادِّعاء أنها حاملة السلام وحامية حقوق الإنسان أمام الرأي العام الدولي، بينما هي من خلف الستار تدير حكام إيران وأذرعها في البلاد لبسط نفوذها في كامل المنطقة، ولتنفيذ مخططاتها في الحرب على الإسلام والمسلمين، ومن ثم فإنهم ما إن يصلوا إلى الحكم في أي بلد إلا ونراهم يستخدمون سياسة القمع والعنجهية والتجويع وإذلال الناس؛ ما يكسب الناس حقدًا وكراهية لإيران دون تفريق بين الشعوب والحكام. ومع تصاعد التصريحات بأن إيران عدوة السلام، يتنامى شعور من العداء والظلم والقهر مقرونًا بفكرة (إيران تقوِّض السلام) إضافة إلى إثارة الطائفية لدى فريق من المسلمين؛ وهذا ما يسهِّل وجود تحوُّلٍ كبيرٍ وخبيثٍ في طبيعة الصراع والعداء، وهو ما ينذر بإشعال حروب طائفية تفني المسلمين، وهذا ما تهدف إليه أمريكا لإشغال المسلمين بأنفسهم؛ فتنسيهم عدوَّهم، وتجعل كلًّا منهم يستنجد بالكفار على الآخر. وعلى هذا المسار رأينا كيف عملت أمريكا على إيجاد قطبين للنزاع في بلاد المسلمين.

1- قطب يمثل الشيعة (حكام إيران)

2- قطب يمثل السنة (حكام آل سعود)

فلا حكام إيران ساروا على منهج أهل البيت عليهم السلام. ولا حكام السعودية ساروا على منهج محمد صلى الله عليه وآله وسلَّم. بل إن حكام إيران وحكام نجد والحجاز وكل حكام المسلمين يسيرون وفق منهجية فصل الدين عن الدولة، وعلى شرعة الأمم الكافرة، وتتحكم بسياساتهم دول الغرب الرأسمالي الكافر وعلى رأسها أمريكا؛ وهذا ما يجعلهم يسيرون في خدمة الكفار ومخططاتهم في إذكاء الحروب بين المسلمين. فالحذرَ كلَّ الحذر من مثل هذه المخططات… والحذرَ الحذرَ من الانخراط في تنفيذه. 

وليعلمِ المسلمون جميعهم أن هناك فرقًا بين الشعوب والحكام. فالحكام جميعهم، من كلا الفريقين أجرموا في حق أمة الإسلام وشعوبها… وليعلمِ المسلمون أيضًا أنهم أمة واحدة من دون الناس، ويجب أن تبقى وحدتهم واحدة موحدة كما قال ربها (إِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُونِ٩٢) وتكررت في آية أخرى بقوله تعالى: (وَإِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱتَّقُونِ٥٢)، ويجب أن تبقى تحت سيادة حكم الإسلام إيمانًا وعملًا. فالغرب ينظر للمسلمين نظرة واحدة، لا ينظر إليهم نظرة (شيعة) أو (سنِّة)، بل ينظر إليهم نظرة الحقد والبغض على كل من يشهد أن (لا إله إلا الله محمد رسول الله) وما إثارة الطائفية إلا غيض من فيض من بغض الغرب الكافر وحقده على أمة الإسلام، يستعمل لها حكِّامهم  العملاء له والخونة لدينهم ولأمتهم ليكونوا خنجره الذي يطعنهم به. فلا تجعلوا أمتكم ضحية لمخططات الغرب، ولا تساعدوه في خوض غمار حربه عليكم جميعًا، فهو يستهدفكم سواء بسواء، وعلى المسلمين جميعًا أن يصدُّوا كل محاولة لإيجاد النزاع فيما بينهم تلبيةً لأمر الله وطاعةً لرسوله، وانتهاءً بنهيه، وتجنبًا للنزاع الذي لا يجلب عليهم إلا التحريش والاقتتال والتخلف والدمار في الدنيا، وغضب الله وعذابه في الآخرة، قال تعالى(وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفۡشَلُواْ وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡۖ وَٱصۡبِرُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ ٤٦)وفُسِّر الفشل بالضعف عن جهاد العدو والانكسار له.

إن على المسلمين جميعًا أن يوقفوا شلال الدم الجاري، ولا يتأتَّى لهم ذلك إلا بالعمل على إقامة دولة واحدة على أساس الإسلام؛ ليستعيدوا بها قرارهم فيعتصموا بحبل الله وعروته الوثقى التي تؤلف بين قلوبهم فيصبحوا بنعمته إخوانًا …إنها دولة الإسلام، دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة التي بشر بها محمد صلى الله عليه وآله وسلَّم ووعد بها الله في محكم كتابه… فاسعوا إلى إقامتها وشمروا سواعدكم لإرضاء ربكم ولاستعادة مجدٍ تليد، قال تعالى: ( وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡ‍ٔٗاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٥٥) [النور: 55].

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *