العدد 414-415-416 - السنة الخامسة والثلاثون – رجب وشعبان ورمضان 1442هـ – شباط وآذار ونيسان 2021م

منزلة العلماء منزلة تكليف وتشريف… (فأين علماء المسلمين اليوم من قضية إقامة حكم الله في الأرض؟!)

م.موسى عبد الشكور

إن العلماء في الإسلام يُعتبَرون صمام أمان و وسائط الحق للناس، بهم يعرف الحق من الباطل، وينماز بين الطيب والخبيث. وقد جعل الشرع لهم منزلة لا يدانيهم فيها أحد إن هم قاموا بحقِّها وكانوا على مستوى ما يعلمون: علمًا وعملًا ومواقف. هذا وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم قولًا يكرمهم فيه أيَّما تكريم،فعَنْ أَبي الدَّرْداءِ رضي الله عنه قَال: سمِعْتُ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يقول: «منْ سَلَكَ طَريقًا يَبْتَغِي فِيهِ علْمًا سهَّل اللَّه لَه طَريقًا إِلَى الجنةِ، وَإنَّ الملائِكَةَ لَتَضَعُ أجْنِحَتَهَا لِطالب الْعِلْمِ رِضًا بِما يَصْنَعُ، وَإنَّ الْعالِم لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ منْ في السَّمَواتِ ومنْ فِي الأرْضِ حتَّى الحِيتانُ في الماءِ، وفَضْلُ الْعَالِم عَلَى الْعابِدِ كَفَضْلِ الْقَمر عَلى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وإنَّ الْعُلَماءَ وَرَثَةُ الأنْبِياءِ وإنَّ الأنْبِياءَ لَمْ يُورِّثُوا دِينَارًا وَلا دِرْهَمًا وإنَّما ورَّثُوا الْعِلْمَ، فَمنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحظٍّ وَافِرٍ» رواهُ أَبُو داود والترمذيُّ.

وهذا الحديث، في الوقت الذي يشير فيه إلى عظيم منزلة العلماء، فإنه يحمِّلهم مسؤولية عظيمة هي موضع تكليف ثقيل، تكليف يتمثل بقيامهم بالميثاق الذي أخذه الله سبحانه وتعالى منهم وعليهم، وهو أن يبيِّنوا الحق لجميع المسلمين، سواء أكانوا حكّامًا أم محكومين، جماعات وأحزابًا أم أفرادًا، ونهاهم عن كتمان الحق مهما كان تبيانه شديدًا عليهم، فقال جلَّ من قائل: (وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكۡتُمُونَهُۥ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمۡ وَٱشۡتَرَوۡاْ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلٗاۖ فَبِئۡسَ مَا يَشۡتَرُونَ ١٨٧) [آل عمران: 187] قال قتادة رحمه الله: «هذا ميثاق أخذه الله على أهل العلم، فمن علم علمًا فليعلِّمْه الناس، وإياكم وكتمانَ العلم، فإن كتمان العلم هَلَكة…» وقال الحسن رحمه الله: «لولا الميثاقُ الذي أخذه الله على أهل العلم ما حدَّثتُكم بكثير مما تَسألون عنه». وقال الآلوسي في روح المعاني: «واستُدِلَّ بالآية على وجوب إظهار العلم وحرمة كتمان شيء من أمور الدين لغرض فاسد من تسهيلٍ على الظَّلمة، وتطييبٍ لنفوسهم، واستجلابٍ لمسارِّهم، واستجذابٍ لمبارِّهم، ونحو ذلك، وفي الحديث: «من سُئل عن علم فكتمه أُلجم بلجام من نار» رواه أحمد. أما ما قد يواجهه العالم من شدَّة وتضييق عليه وتهديد له جرَّاء قول الحق قد يصل به إلى السجن أو التعذيب أو الموت، فعليه أن يبقى ملتزمًا قول الحق ويثبت عليه، فالرسول الكريم قد طمأنه بأن موته في هذه الحالة شهادة، وسيكون في منزلة سيِّد الشهداء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه، فقتله» رواه الحاكم وصححه. وأن عمله جهاد وفي مرتبة أفضل الجهاد. فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم سئل أيُّ الجهادِ أفضلُ؟ قال “كلمةُ حقٍّ عند سلطانٍ جائرٍ” رواه أبو داود؛ وبذلك ينال العلماء تشريفًا لا يدانيه تشريف، يرفعهم الله به درجات، قال تعالى:

(يَرۡفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ دَرَجَٰتٖۚ ۚ ). فالعلم هو أولًا تكليف، وتكليف ثقيل… والقيام بحقه تشريف وأيَّما تشريف.

 من هنا نرى أن الأمة الإسلامية، وعلى مدى عصورها، تُكنُّ للعلماء المخلصين كل احترام وتقدير، وتتَّخذهم مراجع لهم في معرفة الحق والإيمان به، وتوضيح المعروف والتزامه، وتعريف المنكر واجتنابه، واتِّباع الصراط المستقيم. ولقد كان علماء المسلمين على مدار التاريخ في المقدمة والصدارة: قادة للواعين والمخلصين، وعونًا للمسلمين، وملاذًا للمظلومين، وحربًا على الظالمين، وشوكة في عيون كل من أراد أن يقف في وجه الشرع أو أن يغضَّ من تعاليمه أو ينشر الشبهات بين المسلمين… وكثيرًا ما كانوا فوق السلاطين بل وصل بعضهم، في بعض الفترات، إلى أن يبيعوا الأمراء في سوق النخاسة كما فعل العزُّ بن عبد السلام، رحمه الله!

وظيفة العلماء كورثة للأنبياء:

إذا كانت العبادة هي مطلوب الشرع والغاية من الخلق، فإن العلم هو الطريق إليها، فلا عبادة من غير علم أو فقه في الدين؛ وحيث إن قدرات الناس متفاوتة، ولا يستطيع العلمَ كلُّ الناس، كان العلم فرضًا على الكفاية، وكان للعلم أهله… وبما أنه مطلوب شرعًا من جميع المسلمين أن يلتزموا بأمر الله، كان لا بد من أن يكونَ البعضُ علماءَ، والأغلبُ متَّبعين ومقلِّدين، ويكونَ الجميعُ عبادًا لله معنيِّين بالالتزام بأمر الله، علماءَ ومتبعين.

 وكون العلماء علماء، فإن ذلك لا يعفيهم من واجب الالتزام بما يريده الله، بل عليهم أن يكونوا في المقدمة. فمنزلة العالم لا تعفيه من المسؤولية عن تطبيقه، بل يجب أن يكون سابقًا في الطاعة. فهو إن أفتى بمسائل تتعلق بالصلاة أو الزكاة أو الحج… فعليه أن يلتزم بها إن تعلق بها عمله مثله مثل من يستفتيه. وإن كان الحكم الشرعي يوجب على المسلمين العمل لإقامة دولة إسلامية ويوجب العمل لإقامتها من خلال جماعة، فهو وإياهم معنيُّون بالالتزام بذلك… بمعنى آخر ليست وظيفة العالم أن يستنبط ويفتي وهو جالس في برج عاجي، بل قد يضعه علمه في المقدمة، ويحعله معرضًا للسهام أكثر من غيره. ولعلَّ هذا ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته من بعده!.

ولما كان الإسلام هو دين الله الخاتم، وكان دينًا كاملًا شاملًا يعالج كل أمور الحياة، فعلى العلماء أن ينقلوا ذلك للناس بأن يأخذوا دينهم كاملًا شاملًا، بأن يأخذوا منه الأحكام الشرعية المتعلقة بجميع شؤون حياتهم، سواء فيما تعلق بعلاقتهم مع أنفسهم من أحكام العبادات والملبوسات والأخلاق… أم بغيره من الناس كأحكام المعاملات، أم ما تعلق بأمور الجماعات التي يأمر الشرع بإيجادها لإقامة عمل بها، أم بأمور الحاكم وما يتعلق به من أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وجهاد في سبيل الله، وسائر ما يتعلق بأمور الدولة الإسلامية وأمر الحاكم.

من هنا تتوزَّع مسؤولية العلماء في كل اتجاه: باتجاه المسلمين كأفراد، وباتجاه جماعة المسلمين، وباتجاه الحكَّام، وباتجاه الجماعات أو الأحزاب التي أناط بها الشرع بعض الأحكام الشرعية.

وعلى العلماء أن يلتزموا بالميثاق الذي أخذه الله عليهم. فبمجرد أن يدخل الواحد منهم في زمرة العلـماء فمعناه أنه وضع نفسه تحت هذه المساءلة: أن يبيِّن الحق ولا يكتمه، أن يقول الحق ويقوم به لا يخاف في الله لومة لائم، وأن يصبر عليه، وأن يكون علمه نورًا يمشي به في الناس؛ وعليه فإن وجود العلماء في الأمة ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها. وكما قال الإمام أحمد: «الناس إلى العلم أحوج منهم إلى الطعام والشراب؛ لأن الرجل يحتاج إلى الطعام والشراب في اليوم مرة أو مرتين وحاجته إلى العلم بعدد أنفاسه».

واقع علماء اليوم:

بعد هذا الكلام، هناك سؤال يفرض نفسه: أين علماء المسلمين من هذا اليوم؟! ما هي مواقفهم مما يجري اليوم في العالم الإسلامي، خاصة وأن الشرع قد فرض عليهم أن يكونوا في مقدمة الالتزام كما ذكر؟!.

إن علماء الأمة اليوم وللأسف، لا نراهم على مستوى ما أناطه الشرع بهم، والأمة من كثرة مواقفهم المخالفة لشرع الله تتساءل واجمة: أين هم من تنحية الشريعة عن الحكم والحياة العامة، وفصل الدين عن الحياة، فهي تراهم أصفارًا على الشمال؟؟ تراهم يعيشون في حالة تخلٍّ عن مهمتهم التي أناطها الله بهم، في حالة خيانة للأمانة. ترى أنهم قد قبلوا أن يقتصر دورهم على الفتاوى المتعلقة بأعمال المسلمين الفردية للنساء والرجال من صلاة وصوم وحج وزكاة وزواج وطلاق وحيض ونفاس واستبراء واستنجاء… وهذا تمامًا ما رسمه الغرب الكافر لهم وطبَّقه الحاكم العميل عليهم واستجابوا هم له، ولم يحيدوا عنه قيد أنملة إلا من رحم ربي، وكان هذا التوجُّه استجابة لدعوة الغرب في فصل الدين الإسلامي عن الحياة، أسوة بالدين النصراني واليهودي، أي بعد أن نزعوا عنه صفة المبدئية والشمولية، وأقصوا عنه الحاكمية، وأوقفوا الجهاد وكل أحكام الشريعة المتعلقة بتنظيم شؤون الحياة كلها من اقتصاد واجتماع ونظم حكم… وفي مقابل ذلك، لم يهاجم العلماء الديمقراطية الغربية الكافرة ولا الحريات العامة الغربية المتهتكة، ولم يُفتوا بما يخرج الأمة من حالة الضنك، ولم يتطرَّقوا إلى وجوب العمل لإقامة الحكم بما أنزل الله، ولم يبيِّنوا للأمة كيف تكون عملية التغيير، ولم يتقدموا الصفوف للمطالبة بتحكيم الشريعة وتوحيد الأمة. ويا ليت الأمر اقتصر على هذا التقصير، بل تعدَّاه إلى أن يُفتي بعضهم في الأمور التي تتعلق بوضع الأمة بشكل يخالف الشرع، ووقف البعض منهم إلى جانب الحكَّام الذين يأتمرون بأوامر الغرب فيما يمليه عليهم من توجُّه فصل الدين على الحياة؛ فكانوا بذلك يسيرون على منهج الغرب في فهم دينهم، ويتخرجون من المعاهد الشرعية التي وضع هو منهج التعليم فيها؛ من هنا كان إصلاح العلماء يأتي في مقدمة الاهتمام بأمر المسلمين، فهم والأمراء إن صلحوا صلح الجسد كله، إن فسدوا فسد الجسد كله.

أما العلماء والناس، فقد ذكرنا من قبل أن العلماء اهتموا بأمور الدين المتعلقة بالأفراد؛ ولكنهم ضربوا صفحًا عن الأحكام المتعلقة بالأمة أو بجماعة المسلمين أو بالحاكم، فما تسأل عالمـًا في مسألة فردية إلا وأجاب وردَّ وسدَّ الخلل وأزال العلل؛ وعليه فإن الأمة لا تعاني من العلماء في هذا الجانب؛ ولكنها تعاني من سكوتهم عن تناول الإسلام كدين شامل، فإن ذلك انعكس على عامة المسلمين؛ إذ ساروا على سيرهم في الاقتصار على المسائل الفردية وإهمالهم للدعوة إلى تحكيم الشريعة والاستخلاف في الأرض. 

أما جانب الحكام والحكم بما أنزل الله، فهناك غياب شبه كامل للعلماء في هذا الجانب؛ فمن حيث الواقع اليوم، فإن حكم الله مغيب (منذ مئة سنة) عن الحياة، والواجب شرعًا على المسلمين جميعًا، علماء وغير علماء؛ لأن الفرض يتعلَّق بهم جميعًا، أن يعملوا لإقامة الخلافة من غير تأخير، ولا يجوز لهم شرعًا بالأصل أن يبيتوا أكثر من ثلاثة أيام من دون خلافة. فكيف بهم بعد مئة عام؟! فما عمل العلماء تجاه هذا الفرض العظيم. فإذا كان هذا الفرض على عامة المسلمين واجبًا، فهو على العلماء أوجب؛ إذ عليهم أن يستنبطوا الأحكام الشرعية المتعلقة بالتغيير، وعليهم دعوة الناس إليها، وعليهم أن يكونوا في صدارة الدعوة لإقامة الخلافة.

إن العلماء يجب أن تظلَّ عيونهم مفتوحة على الحكام: يراقبونهم ويذكِّرونهم ويرشدونهم ويقفون إلى جانبهم إذا كانوا على الحق فيدعمونهم ويقربونهم من الناس ويقربون الناس إليهم… ويحاسبونهم أشد أنواع المحاسبة عند انحرافهم عن شرع الله، أو عند تقصيرهم في رعاية الأمة أو الرعية حسب أحكام الإسلام، ويعملون على تغييرهم إن هم رفضوا. ومتى كان العلماء على هذا المستوى الراقي من الدعوة كان الناس إلى جانبهم. وفي مثل هذه الحالات؛ فإن العلماء يمكنهم أن يشكلوا مع الأمة قوة رادعة للحكام من أن يتجاوزوا أحكام الشرع، وتجعلهم يهابونهم وينصاعون لأقوالهم ونصائحهم خوفًا من غضب الناس عليهم؛ لأن العلماء المخلصين هم أقرب للناس من الحكام، وهم معهم في الخندق نفسه عندما يقفون في وجه الحكَّام الظلَّام، وهذا ما رأيناه في العلماء الذين شكَّلوا رأس حربة على الكفار المستعمرين الفرنسيين، وكما فعل علماء الأزهر عندما جاء نابليون إلى مصر، وتقدموا لقيادة الثورات زمن الإنجليز والفرنسيين عندما احتلوا مصر، وكيف بدأ الجهاد بفتوى من الأزهر…

وهذا ما يجعل العلماء يشكِّلون قوة ضغط على الحكام يأطرونهم فيه على الحق أطرًا، ويقصرونهم عليه قصرًا، وهذا ما فطن له الحكام فقاموا بخطوات يستبقون بها حدوث مثل هذه المواقف، فاستمالوا فريقًا من العلماء وأظهروهم وجعلوهم قادة رأي يرجع الناس إليهم، وألزموهم بميثاق غير الميثاق الذي أخذه الله منهم: أخذ منهم أن لا يقولوا إلا بما يقوله الحكام، وأن يؤوِّلوا النصوص لتكون موافقة لما ذهب إليه هؤلاء الحكام من مواقف غير شرعية حتى ولو خالفوا فيها القطعي من الأحكام، وأن يخدِّروا المسلمين بمفهوم طاعة ولي الأمر ولو أظهر المعصية البواح، وأن يفوِّتوا عليهم أي مواقف خطرة قد يتخذها المسلمون ضدهم؛ وبذلك راحوا يستخدمونهم لمآربهم ومصالحهم ومصالح أسيادهم الكفار من الأمريكيين والأوروبيين. ومن هذا القبيل نرى بأن مواقف هؤلاء العلماء الرسميين، علماء السلاطين تتطابق تمامًا مع الحكام الذين وظفوهم في مناصبهم الإفتائية، ومن أمثلة ذلك نرى أنهم قد أفتوا بحرمة الصلح مع يهود عندما كانت مواقف الحكام العلنية تظهر نفاقًا، خوفًا من شعوبها، أنهم ضد التطبيع معهم، ثم تغيَّر إفتاؤهم بجوازه تبعًا لمواقف حكامهم، من غير أن يهتزَّ لهم وتر خشية من الله، أو يرفَّ لهم جفن حياء من الأمة. ومثل ذلك من اعتبر الاستعانة بالكافر إثمه عظيم، ثم هو يتخطَّى كلامه هذا بإصدار فتوى أنه يجوز الاستعانة بأمريكا في حربها على المسلمين في العراق وعلى المسلمين في كل مكان، وتحت الشعار الأمريكي المضلِّل (الحرب على الإرهاب) وهو يريد الحرب على الإسلام السياسي. ونراهم مثلًا في سوريا مع بشار في حربه على شعبه تحت حجة محاربة الإرهاب، وفي أوزبكستان مع حاكمها في قتل واعتقال المسلمين هناك… وهكذا نرى أمثال هؤلاء العلماء شركاء للحكام في إثمهم وبغيهم، أخرج ابن عدي، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن في جهنم واديًا تستعيذ منه كل يوم سبعين مرة، أعدَّه الله للقرَّاء المرائين في أعمالهم، وإن أبغض الخلق إلى الله عالـِم السلطان». وأخرج الحسن بن سفيان في مسنده، والحاكم في تاريخه، وأبو نعيم، والعقيلي، والديلمي، والرافعي في تاريخه، عن أنس بن مالك، رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «العلماء أمناء الرسل على عباد الله ما لم يخالطوا السلطان، فإذا خالطوا السلطان فقد خانوا الرسل؛ فاحذروهم واعتزلوهم». وأخرج الحاكم في تاريخه، والديلمي، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من عالم أتى صاحب سلطان طوعًا، إلا كان شريكَه في كل لون يعذب به في نار جهنم».

 بيد أن هؤلاء العلماء، علماء السلاطين، ليس لهم من تأثير على الناس، بل هم عرضة لانتقادهم والاستهزاء بهم من غير أن يغضَّ ذلك من قيمة الدين في نفوسهم؛ لأن المسلمين يعلمون أن العالِم في الإسلام ليس رجل دين يحلِّل ويحرِّم، فالتحليل والتحريم لله وحده، وكثيرًا ما يتمثل بهم المسلمون بقول الله سبحانه وتعالى بأن مثلهم كمثل من ذكره الله سبحانه بقوله: (وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ ٱلَّذِيٓ ءَاتَيۡنَٰهُ ءَايَٰتِنَا فَٱنسَلَخَ مِنۡهَا فَأَتۡبَعَهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَكَانَ مِنَ ٱلۡغَاوِينَ ١٧٥ وَلَوۡ شِئۡنَالَرَفَعۡنَٰهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُۥٓ أَخۡلَدَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُۚ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلۡكَلۡبِ إِن تَحۡمِلۡ عَلَيۡهِ يَلۡهَثۡ أَوۡ تَتۡرُكۡهُ يَلۡهَثۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِ‍َٔايَٰتِنَاۚ فَٱقۡصُصِ ٱلۡقَصَصَ لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ ١٧٦) [الأعراف:175-176] أو يتمثلون بهم بقوله عزَّ وجلَّ  عن علماء بني إسرائيل الذين وصفهم الله سبحانه بقوله: (مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ ثُمَّ لَمۡ يَحۡمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلۡحِمَارِ يَحۡمِلُ أَسۡفَارَۢاۚ بِئۡسَ مَثَلُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِ‍َٔايَٰتِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥) [الجمعة: 5]

إن الأمة الإسلامية جمعاء تفتقد علماءها، وتريد منهم أن يقفوا معها في قضاياها المصيرية الكثيرة التي لا حلَّ لها الَّا بتحكيم الشريعة الإسلامية، وأن يكونوا معها في المطالبة بتطبيق الإسلام وشريعته، وأن يأمروا الحكَّام بالمعروف وينهوهم عن المنكر، أن يعملوا مع الأمة على تغيير الأنظمة الطاغوتية الحاكمة، وأن ينخرطوا مع العاملين لإقامة الدين بإقامة الخلافة بالعمل الجماعي الحزبي… فكل ذلك فرض عليهم القيام به.

 لا شكَّ أن العلماء عندما يقفون مثل هذه المواقف سيتعرضون لغضب الحاكم وملاحقته لهم وسجنهم وتعذييهم والحدِّ من تأثيرهم… وهذا طبيعي، ولا بد أن تمر بمثله الدعوات وأهلها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يمنعنَّ رجلًا هيبةُ الناسِ أن يقولَ بحقٍّ إذا رآه أو شهِدَه فإنه لا يقرِّبُ من أجلٍ ولا يباعِدُ من رزقٍ أو يقولَ بحقٍّ أو يُذكِّرَ بعظيمٍ». 

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *