العدد 237 - العدد 237 – السنة الواحدة والعشرون، شوال 1427هـ، الموافق تشرين الثاني 2006 م

في حساب ميزان القوى بين الدول: قوة العقيدة هي الأقوى

في حساب ميزان القوى بين الدول: قوة العقيدة هي الأقوى

 

دخلت الولايات المتحدة الحرب على الإسلام والمسلمين، وفي حسابها وحساب جميع دول العالم أنها أكبر قوة في العالم، وتشكل حالة غير مسبوقة في التاريخ من حيث امتلاك كل عناصر القوة التي تجعل منها دولة أولى في العالم من غير مزاحم لها؛ لذلك فكرت هي، مع عهد بوش الابن ومجيء المحافظين الجدد معه إلى الحكم بفرض مشروعها للقرن الأميركي القائم على التفرد والأحادية في حكم العالم، مبتدئة به من بلاد المسلمين.

ولكن المفارقة التي حدثت ولفتت نظر دول العالم أجمع، هو أن أميركا بالرغم من استعمالها أقصى طاقاتها العسكرية وبشكل مفرط ومهين لكسر إرادة المسلمين وإلجائهم إلى الاستسلام، وأقصى طاقاتها الاقتصادية حيث صرفت حتى الآن  حوالى 500 مليار دولار على حربها ضد المسلمين، وأقصى طاقاتها السياسية حيث ضغطت على دول العالم، وأجبرتها لكي تسير معها في مخططها، وأقصى طاقاتها الإعلامية لكي تقلب الحقائق لمصلحتها، وللتأثير على الرأي العام الأميركي والعالمي وحتى الإسلامي… فضربت وأنفقت وأجبرت وشوهت وبالرغم من كل ذلك لم تستطع أن تحسم الحرب لمصلحتها ولا أن تحقق نصراً، ولا أن تفل إرادة المسلمين، بل على العكس من ذلك، فقد وجدت حالة عامة من الرفض لدى المسلمين أفرزت توسعاً في المقاومة، وشدة في المواجهة، وسرّعت العودة إلى الإسلام، وجعلت أميركا ودول الغرب الأوروبي وما يمثلونه من حضارة في الحضيض نظراً للارتكابات البشعة التي ارتكبوها باسم حضارتهم… وفي الخلاصة أصبحت أميركا كما قال كوفي أنان في ورطة فهي لا تستطيع الانسحاب ولا تستطيع البقاء. ونحن هنا لسنا في صدد تفصيل ردود الفعل في الداخل الأميركي إن على الصعيد السياسي حيث بات متوقعاً بقوة خسارة الحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية في تشرين الثاني المقبل، أو على الصعيد الديني حيث بدأت كنيسة بوش نفسها تطالبه بالانسحاب من العراق، حيث أعلن قسيسهم موريسون في تظاهرة احتجاج أمام البيت الأبيض قائلاً: «إننا نطالب بإنهاء الحرب فوراً»، أو على الصعيد الأمني حيث صدر أحدث تقرير للاستخبارات الأميركية يعلن تصاعد وتيرة الإرهاب وازدياد قوته بشكل مخيف، ويعلن أن أميركا أصبحت أقل أمناً…

والسؤال الذي يطرح نفسه هو: إذا كانت أميركا تملك كل هذه القوى، وقد استعملتها بشكل مفرط، فلماذا لم تحقق أهدافها؟ وما الذي يمكن أن تفعله غير الذي فعلته لتحقق انتصارها على الإسلام والمسلمين؟

إن الجواب في غاية الوضوح لدى المسلمين، وغائب عن أميركا ودول الغرب الأوروبي، ودول العالم… ذلك أن هؤلاء لا يهتمون إلا بالقوى المادية من عسكرية إلى اقتصادية إلى سياسية إلى إعلامية… دون أن يحسبوا لقوة العقيدة في ميزان القوى حساباً يذكر، حتى وإن كان يوجد في قواميسهم ذكر لعقيدة الجيوش، إلا أنها عبارة عن بعض الأفكار المعنوية التي لا تشكل قوة دافعة للجندي لمواجهة الموت ولا تجعله يقدم نفسه في سبيلها، وذلك كفكرة الحريات، والسلام العالمي ونصرة الشعوب الضعيفة وغيرها من الشعارات الواهية الخاطئة الكاذبة… نعم لقد غاب حساب قوة العقيدة في ميزان القوى أو كاد عن حلبة الصراع الدولي بعد طغيان وانتصار الفكر الرأسمالي المادي القاصر لدى الدول المتصارعة، وحل عنصر الإحصاء في ترتيب قوة الدول، فالدولة التي تملك قوة بشرية أكبر، أو سلاحاً أكثر تطوراً، أو اقتصاداً أقوى، أو إعلاماً منتشراً أكثر تكون بحسب حساباتهم أقوى… هكذا ينظر إلى أميركا وروسيا والهند والصين واليابان و(إسرائيل)… هذا الكلام قد يكون صحيحاً إلى حد كبير حينما يطبق على الدول التي تشترك في هذه النظرة، لكنه غير صحيح حينما يتعلق بالإسلام والمسلمين، فإن عنصر قوة العقيدة يأخذ عندهم المرتبة الأولى في الاهتمام، وإذا أحسن استثماره يؤتي أفضل الثمار، ويحقق الانتصار تلو الانتصار، والتاريخ أكبر شاهد على ذلك، وسيعيد نفسه إذا عاد المسلمون إلى هذا العنصر من قوة العقيدة، وسيحدثنا عن أكثر صفحات البطولة إشراقاً… وإن هذا ما بدأنا نلمسه ويلمسه أعداء المسلمين، ويدخلونه مجبرين في حساباتهم، فهم أدركوا وجوده، وإن لم يدركوا كيف يتشكل ويفعل فعله لدى المسلمين على أرض الواقع، وحق لهم أن لا يفهموا حقيقته لأنه لا يفهمه إلا المؤمنون به. ولو أخذنا أمثلة سريعة لوجدنا أن أول معركة خاضها المسلمون وهي معركة بدر كان عدد المسلمين فيها من المهاجرين والأنصار 315 وكان معهم فارسان فقط وسبعون بعيراً يعتقب الرجل والرجلان والثلاثة على البعير الواحد ويقابل ذلك من الكفار 650 رجلاً معهم 200 فارس وعدد كبير من الإبل لركوبهم وحمل أمتعتهم ومأكلهم. وكان الكفار مطمئنين إلى نصرهم على المسلمين لكثرة عددهم وعدتهم، وكان المسلمون مطـــمئنين لنصــر الله لهم… وكان النصــر للمؤمنين، حتى إنه نشأ لدى المسلمين مفهوم قرآني: ( كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ) [البقرة 249] ونشأ مفهوم لدى المسلمين «نحن قوم لا نغلب من قلة» ثم إن المسلمين خاضوا معاركهم التي قضوا فيها على إمبراطوريتي الفرس والروم مع قلة عددهم وعدتهم… وليست بعيدة عنا معركة الكرامة التي كبل فيها الجنود اليهود حتى لا يهربوا من المعركة… أما حرب لبنان الأخيرة فلم تستطع الآلة العسكرية المتطورة التي يملكها يهود أن يحسموا فيها الحرب لمصلحتهم، بل منوا بهزيمة وانكشف جبنهم أمام ثلة من المؤمنين، وما يحدث في العراق من عمليات ضد الأميركيين يقض مضاجعهم، وما وصفهم العمليات الاستشهادية بالانتحارية، وربطهم الجهاد بالإرهاب إلا من باب تشويه صورة الإسلام والمسلمين. وقد بدأنا نقرأ لبعضهم أن قوة العقيدة ومحبة الاستشهاد قد أعادت التوازن الاستراتيجي بين المسلمين وغيرهم ونحن نقول: بل إن قوة العقيدة قد أظهرت تفوقاً على القوى الأخرى.

نعم إن قوة العقيدة يقف وراءها إيمان بالله لا يتزعزع، وإن المسلم الذي يؤمن بالله وباليوم الآخر المستعد للشهادة مستعد لأن يترك أولاده وزوجته وأمه وأباه وكل دنياه لوعدٍ صادق من الله بالجنة… إن قوة المبدأ الإسلامي وتفاعل العقيدة الإسلامية في نفوس المؤمنين، وكون العقيدة الإسلامية عقيدة روحية سياسية تجمع بين الاهتمام بالدنيا والآخرة وتجعل موضوعهما واحداً قائماً على العمل لإرضاء الله تعالى، وكون الآخرة عند المسلم هي خير وأبقى من الدنيا، وأن الدنيا هي دار ممر ونعيمها عاجل بينما المقر والمستقر في الآخرة… كل ذلك يجعل المسلم يندفع بقوة، وعن وعي وبصيرة، في أي معركة يخوضها، وكله حرص للفوز بإحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة… لذلك كان حرص على الموت أكثر من حرصهم على الحياة، وكانت من مفاهيم الجيوش الإسلامية: احرص على الموت توهب لك الحياة، وكانوا يخاطبون أعداءهم: جئناكم بجنود يحبون الموت كما تحبون الحياة… لذلك نالت الجيوش الإسلامية وصف أنها لا تقهر.. إن مثل هذه الجيوش، ومثل هؤلاء الجنود لا يمكن للغرب أن يفهم كيف تتكون الجرأة والقوة وشدة البأس لديهم… وإن أراد أن يفهم ذلك فإنه لا يمكنه أن يستوعب ذلك، إذ كيف يستوعب أن الله سبحانه هو الذي يؤيد ويثبت المسلمين ويمدهم بالملائكة. ويسلط الريح على أعدائهم، ويقذف الرعب في قلوبهم، ويكثر سواد المسلمين في عيون أعدائهم أو يقللهم… إذا لم يكن مؤمناً؟! لذلك لن يستطيع بوش الذي يدعي الإيمان، ولا بلير، ولا رامسفيلد، ولا غيرهم أن يستوعبوا عقيدة النصر عند المسلمين وأنها من عند الله وأن وراءها الإيمان بالله واليوم الآخر.

إن المسلمين يجب أن يكونوا على يقين أنهم لن يغلبوا إذا كانوا مع الله، هذا ما قاله الله سبحانه ( إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ) [آل عمران 160] وهذا ما جاء الواقع يصدقه، وهذا ما جعل الغرب يطيش رأسه من هذه الحقيقة…

إن هذه الحقيقة يجب أن يعيها المسلمون جيداً ويثقوا أنهم قادرون بها على الوقوف في وجه أعتى قوى الأرض. وإن ميزان القوى أول ما يقوم على العقيدة لدى المسلمين ثم تأتي باقي القوى على أهميتها. وإن ميزان القوى تتعهده دول لا حركات ولا جماعات… فلا مخرج للمسلمين مما هيم فيه إلا بدولة تهيئ القوى اللازمة لها للقيام بأمر الله وتحقيق وعده بالاستخلاف وأول هذه القوى وأشدها تأثيراً هي قوة العقيدة.

وبناء على هذه الحقيقة يمكن القول بكل ثقة بأن مشروع إقامة الخلافة هو مشروع قابل للحياة، وبه سيقوم الأمر كله… وإن الدولة الإسلامية حتى تقوم تحتاج إلى أهل قوة ينصرونها… وليعلم أهل القوة من واقع ما حدث في لبنان أن بإمكان الأمة أن تقيم دولتها بهم، وأن تواجه أميركا ويهود وكل من يريد مواجهتها، ولن يغلبها أحد إن صدقت العهد مع ربها، فإذا كان ثلة من المؤمنين يقاتلون هنا وهناك، ويحققون الانتصار تلو الانتصار، فما بالكم بدولة إسلامية يصبح فيها كل جندي، بل كل مسلم بالغ مشروع استشهاد… ألا من فتية آمنوا بربهم من أهل القوة، يتشوقون للعزة في الدنيا والجنة في الآخرة، يهبون نفوسهم لهذا الدين؟… ألا من ثلة من أهل القوة المؤمنين تهوي قلوبهم إلى هذا العز المفقود، فيعقدون عزمهم على التغيير ونصرة هذا الدين بنصرة العاملين على إظهاره؟… اللهم افتح قلوب أهل القوة لهذا الأمر، واجعل نواصيهم نواصي خير وفتح لهذا الدين…

إن هذا الدين منصور بإذن الله، وطوبى لمن كانت له يد في نصرته. قال تعالى: ( مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ(15)وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ ءَايَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ ) [الحج 15-16].

شاهد أيضاً

w387

مجلة الوعي: أبرز عناوين العدد (387)

مجلة الوعي: أبرز عناوين العدد (387) ربيع الآخر 1440هـ – كانون الأول/ديسمبر 2018م

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *