العدد 65 - السنة السادسة، ربيع الأول 1413هـ، أيلول 1992م

ديمقراطية بالدولار فمن يشتري ؟ وديمقراطية بالطائرات والمحميات !

مارس الناس في لبنان في شهر أيلول ما يسمى (باللعبة الديمقراطية) وكانت هذه اللعبة مضحكة مبكية، فهي أقرب إلى مهرجانات السيرك أو بازارات الصفقات. وكثيرا ما سمع المرء تأفف الناس من أبواق سيارات المواكب التابعة للمرشحين وحتى من صورهم على الجدران. هذا في المناطق المؤيدة لإجراء الانتخابات، أما المناطق المقاطعة والمعارضة لها فلا مواكب ولا صور، واكتفى أولئك بشعارات على الجدران «قاطعوا الانتخابات».وبما أن المناطق المقاطعة ليس فيها ملاحظات انتخابية سوى منع استقبال الصناديق أحيانا في المباني الخاصة فقد اضطر أهل الحكم لنصب الخيم لتكون مقراً لقلم الاقتراع.

أما عن الانطباعات التي يخرج بها الإنسان المراقب لهذه الهمروجة الانتخابية فهي كثرة، ومنها التافه ومنها الهام، ولا ضير من ذكر أمثلة على كلا الناحيتين :

لكل زمان شعاراته: كل من عاش في حقبة الستينات والسبعينات من هذا القرن كان يسمع ويقرأ شعارات طنانة رنانة من مثل «تحرير فلسطين» و «الوحدة العربية» و «ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة» و «الأرض بتكلم عربي وليس صومالي» و «نفط العرب للعرب» و «سنطرد الاستعمار والصهيونية» و «وسنقضي على الفقر والجهل والمرض» و «من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر» و «عبد الناصر يا حبيب الملايين» و «دقّت ساعة العمل الثوري بكفاح الأحرار» وكان كل مرشح للنيابة أو للبلدية يضع بعض هذه الشعارات في بيانه الانتخابي وخصوصا «السعي لتحرير فلسطين من الصهاينة الجبناء» وكانت السيارات الجوالة للمرشحين تصدع بالأناشيد الثورية وخصوصا المصرية منها والتي كانت ترددها إذاعة صوت العرب، وكان الناس غارقين في أحلامهم الوردية، فاستفاق بعضهم من غفوته، ولا زال البعض الآخر يغط في نومٍ أعمق من ذي قبل.

ما هي الشعارات التي أطلقها المرشحون في لبنان مؤخراً؟

إنها انقلاب كامل شامل لا يكتشفه إلاّ المدقق والممعن للنظر والمتأمل، فقد انقلبت الأمور رأساً على عقب ويا للأسف، شعار «تحرير فلسطين»لم يذكره أحد لا في بيانه ولا في مهرجاناته الانتخابية، خصوصا وأن بعض من اختاروهم كممثلين لأهل فلسطين يقومون بالتفاوض الآن مع اليهود في أمريكا على حكم ذاتي إداري، فلماذا إذن تحرير فلسطين؟ شعار «الوحدة العربية» اندثر وذهب أدراج الرياح لأن طارحيه كانوا مزايدين بطرحه وغير جادين وأصبح واقع القسم العربي من العالم الإسلامي هو ما نرى ونسمع يومياً من أخبار تُدمي القلب. شعار «تحرير الأرض شبرا شبرا، وطرد المستعمر» أصبح بديلاً منه الآن شعار «السلام»، «المشاركة»، «بناء مساكن شعبية»، «كل مواطن ملاك» ملاّك بتشديد اللام وليس ملاكا بفتح اللام «إعادة وجه بيروت المشرق»، «انتخبوا فلان يعيد لكم الضوء» ]ملاحظة: أحد المرشحين بما أنه كان وزيرا للكهرباء فقد قام مناصروه بلصق صورة على الجدران إلى جوارها صورة سوداء فيها لمبة كهربائية ومكتوب أسفل الملصق كلمة الضوء، وكأنه يقول للناس أنا أتحكم في الكهرباء فانتخبوني. و في يوم الانتخاب في بيروت لم تنقطع الكهرباء طيلة النهار رشوة للناخبين[ ومن الشعارات «دعم الليرة اللبنانية في وجه الدولار» و «إعمار لبنان» «وتحقيق الوفاق الوطني» هذا عدا عن الشعارات التي تؤكد أن كل مسؤول حاول استغلال منصبه لكسب عطف و تأييد الناس، ومثال ذلك أن أحدهم وُضعت له يافطة تقول: «انتخبوا الأب العطوف على أبنائكم الطلاب» وهو يشير بذلك إلى أنه رفع نسبة النجاح في الشهادة الرسمية فنجح من الطلبة عددٌ أكبر من الأعداد التي نجحت في الأعوام السابقة. ثم «التعايش» والعيش المشترك.

أما عن الأناشيد التي بثتها مكبرات الصوت من خلال السيارات الجوّالة فقد كان كلٍّ يُغني على ليلاه، فبعد أن كانت أناشيد الستينات تتركز على «القدس العتيقة» و «جسر العودة» و «دقت الساعة العمل الثوري بكفاح الأحرار» و «الله أكبر فوق كيد المعتدي» وغيرها من الأناشيد أصبحت الأناشيد في التسعينات وفي قلب العاصمة التي كانت تتصدر  باقي العواصم في طرح الشعارات العروبية وحمل هموم أكبر من حدود لبنان لتصل إلى شواطئ الأطلسي، أقول أصبحت هذه الشعارات تتقزم شيئاً فشيئاً حتى انحصرت في بيروت، فأصبحت مكبرات الصوت تصدح بالتغني لبيروت ولجنوب لبنان «الشريط الحدودي» مثل: «يا بيروت يا ست الدنيا» و «يا حبيبتنا بيروت» و «اشتقنا كثير يا حبايب نمشي دروبنا سوا» «راجع راجع يتعمّر لبنان» وأحيانا كانت تختلط أصوات مكبرات الصوت المنبعثة من سيارات بيع البطاطا مع أصوات مروجي الانتخابات.

أما عن الأمور التي ركّز عليها الخطباء في المهرجانات الانتخابية فقد ركّز البعض على تشجيع المزارعين في البقاع وخصوصاً زراعة البطاطا، أو تشجيع الصناعة، وبعضهم ركّز بشدّة على تشجيع الرياضة والنشاطات الرياضية لرفع رأس لبنان عالياً، ولوحظ ذلك في البيانات الانتخابية وفي اليافطات التي احتلت مفاصل بيروت، ولا ننسى أن البعض أشار بحماس إلى الفن ولوازمه الأخرى. هذا مع الإشارة إلى أن كل مرشح كان يركز على منطقته وإنعاشها «بالزفت» الذي اتشحت به الطرقات الجبلية والقروية قبيل الانتخابات بأسابيع قليلة. فمرشح الشمال مثلاً ركّز على إنعاش الشمال ومرشح البقاع أعطى وعوداً لأهل البقاع ومرشح بيروت وعد بمسح الحزن عن وجه بيروت وضاعت كل المبادئ عند أصحاب المبادئ، وضاعت كل أمنيات وأحلام الستينات والسبعينات.

أرأيتم كيف تقزّمت طموحات الأجيال فأصبحت بحجم طموحات الأطفال؟

أرأيتم ماذا فعلت سياسة التدجين و التدجيل بنا؟!

أرأيتم كم كان البعض مخدوعا بشعارات الستينات فإذا هو الآن أكثر انخداعاً؟!

أرأيتم كيف أصبحنا كالحمل الوديع، حتى اسم اللائحة تغير فمن لائحة «الثورة، والتحرير والوحدة، تحولت إلى لائحة «السلام، والأمن والأمانة» ولولا الحياء لأسموها «لائحة رغيف الخبز». فهل هذه طموحات الأمة يا ترى؟ وهل تعبّر هذه العبارات الساذجة عن طموحات أمّة سادت الأرض ما يقارب الـ1300 عام؟

كل ما تقدم يهون أمام تنازل المرشحين الذين يمثلون الحركات الإسلامية عن مبادئهم فأصبحت أهدافهم تتلخص في: الإسكان، والاستفتاء والدواء، ودعم الجامعة اللبنانية «والاهتمام بالعاصمة بيروت لناحية تامين كافة الخدمات الضرورية لأبنائها وساكنيها من مياه وكهرباء وطرقات وهاتف» «إقرار قانون الجنسية» «الغاء الطائفية السياسية لإفساح المجال أمام تكافؤ الفرص ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب» و «ترسيخ مبدأ فصل السلطات لمنع التدخل في الصلاحيات بين الحكومة ورئاسة الجمهورية ومجلس النواب» فهل هذه المطالب هي المطالب التي أًمَرَنا بها اللهُ سبحانه وتعالى في كتابة الكريم؟ وماذا دهاهم حتى يتجاهلون المطالبة بالحد الأدنى من مطالب المسلمين والتي يفرضها الإسلام، ألا وهو المطالبة بأن يكون رئيس لبنان مسلما، إضافة إلى أن هذا يعتبر حقاً من حقوقهم كأكثرية، وهذا المطلب يُعتبر أقل ما يمكن أن يطالبوا به، وأما إن قال البعض أنهم يضمرون ذلك في قلوبهم فهذا عكس ما يطلبه الشرع تماما قال تعالى: )وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ](الكهف29]

وإذا ما قارنا ما طرحه المرشحون المسلمون المنتمون إلى أحد الأحزاب الإسلامية في الستينات (عام 1964) وما طرحه المرشحون الحاليون لوجدنا بَوناً شاسعاً، فقد جاء في البرنامج الانتخابي لأحد هؤلاء المرشحين عام 1964 ما يلي: «إني أرشح نفسي لأسعى لتحقيق ما يلي:

1-                  جعل رئيس الدولة مسلما.

2-                  تطبق أحكام الإسلام في المجتمع.

3-                  إزالة ازدواجية الحكم الموجودة في البلاد. ]الجيش والسياسيون في تلك الأيام   .[

4-                  إيجاد السياسة الاقتصادية الصحيحة للبلاد.

5-                  تحرير البلاد من النفوذ الأجنبي وعدم زجها في التيارات الدولية».

ديمقراطية بالدولار: كثرت الأنباء التي تتحدث عن استعمال الدولار لكسب الأنصار والمؤيدين في الانتخابات البرلمانية في لبنان وتناقلتها الصحف وألسنة الناس حتى أصبحت حديث المجالس يتندّرون بها. فقد نشرت صحيفة الحياة الصادرة في 1/9/92 ما يلي: «مرشح ثالث في موقع بارز، على رغم لجوئه في نصف الساعة الأخيرة إلى (فتّ المصاري) لتأمين بضعة أصوات انتخابية حيث بلغ ثمن الصوت الواحد مئة ألف ليرة».

أما الناخبون فقد وقعوا ضحية كذب بعض المرشحين حيث يتناقل الناس أن هؤلاء الناخبين أخذت هوياتهم ووعُدوا بمبلغ نقدي بالدولار وانتظروا طيلة النهار وحينما وصلت الساعة إلى تمام الخامسة ساعة انتهاء الانتخابات وجدوا أنفسهم ضحية خدعة وكذبة كبيرة، وقد تكررت هذه الخدعة من قبل أكثر من مرشح. هؤلاء الناخبون السُّذج لم يتعلموا درسا من انتخابات عام 1972 حينما باعوا أصواتهم ب 50 ليرة لبنانية وكان الثمن الذي دفعوه أضعافاً مضاعفة وهو وصول نواب باعوهم للحرب والصراع الدولي على لبنان، بل نواب أدوات لمن يدفع أكثر، فقد صوّت هؤلاء النواب على مرشح اليهود للرئاسة وقبضوا الثمن، ثم صوتوا لاتفاق 17 أيار مع اليهود وقيضوا الثمن. وتجاهل هؤلاء النواب كل ويلات الناس وكأن الأمر لا يعنيهم إلاّ أن بعضهم استفاق الآن من نوم عشرين سنة وبدأ يتجول في قرى الجنوب مستجديا بعض الأصوات.

وعن ديمقراطية الدولار نورد بعض ما كتبه مرشح بيروتي في بيانه الانتخابي حيث كتب ما يلي: «إنهم لا يخجلون: أن يبيع من يتولى قيادة البلاد الكرسي النيابي بمئات الألوف من الدولارات لمن لا يستحق وكأن الشعب بالنسبة له مجرد سلع للبيع.

أن يجهد بعض المرشحين لشراء مقعد في لائحة من يتولى قيادة البلاد بمئات الألوف من الدولارات وكأنه يقوم بعملية استثمار صفقة تجارية.

أن يستغل العديد من المرشحين معاناة الناس المعيشية ومصاعبهم ليعرضوا الإغراءات المادية ويطلبوا إيداعهم إخراجات قيدهم كضمان للالتزام بالصفقة القذرة».

ديمقراطية المحميات: الرئيس الأمريكي بوش يمارس ديمقراطية من نوع آخر فقد قام باستغلال محنة المسلمين في العراق والصومال ليكسب المزيد من الأصوات الانتخابية وليستدر عطف البسطاء كي ترتفع أسهمه داخل الرأي العام الأمريكي، فهو أعلن حرصه الشديد، وأَبوّتُة العطوفة ورقّة إحساسه تجاه مسلمي جنوب العراق، وتهرّب من ذلك الشعور في البوسنة وفلسطين ولبنان وأذربيجان وأفغانستان وغيرها، أما في الصومال فهو يقوم بالتمثيل بأنه يقوم بدور المنقذ للسكان من المجاعة ففضحته منظمات الإغاثة الأوربية.

لقد استعمل بوش بعض المناطق التي تهم الرأي العام الأميركي لرفع أصواته الانتخابية وذلك كالعراق في محاولة لإعادة البريق لصورته التي هزها بعنف المرشح المنافس له («كلينتون». هكذا يفهم بوش الديمقراطية، وهكذا يفهمها حلفاء أمريكا، تماماً مثل ديمقراطية رهائن السفارة الأمريكية في طهران التي جعلت ريغان يفوز على كارتر.

هذه ديمقراطيتهم الكافرة اللعينة لا تنطلي على المسلمين الواعين المخلصين فقد طلقوها وفضحوها واظهروا عوارها منذ أمد بعيد□

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *