العدد 29 - السنة الثالثة – العدد 29 – صفر 1410هـ، الموافق أيلول 1989م

«وجهة نظر في الأدب»

 كَثُرت التعاريفُ والعباراتُ التي تُظهرُ وتُبيّتُ مدلولات كلمة «الأدب»، وفي هذه الكلمات القليلة سأتجاوزُ مقولة الكثيرين من الكُتّاب والتي فحواها «أنه لا يمكنُ أن نضع تعريفاً يحصرُ الأدبَ بين جنباته».

سأتجاوزها إلى دارسة مبسطة للبدايات التي ينطلق منها الكاتب حين يود الكتابة في أي لون من ألوان الأدب المتعددة. فبصرف النظر عن كون النص الأدبي مسرحية أو قصة قصيرة أو رواية أو قصيدة شعرية فإنه ينطلق راسماً آثاره ومحدداً غايته إثر انفعال ألمّ بالكاتب تجاه حدث عصف في محيطه القريب أو البعيد فجعله يقرر ذلك الحدث ويدعو له بالديمومة المبنية على أسس معينة حتى تتحقق غاية الكاتب التي هي في حقيقة الأمر غاية فئة من الناس قد انطلق قلمه معبراً عما يعتمل في صدرها من مشاعر وفي ذهنها من أفكار. وبالمقابل ربما يكون نتاج الكاتب ناقداً لواقع ما وفي نفس الوقت يكون ذلك النقد وجهة نظر لجمهرة من الناس قد مثل الكاتب بلون عطائه الأدبي توظيفاً لها في السبيل الصحيحة وقد حفظها نبراساً يشع معالم واضحة إذا كان يُبتغى تغيير واقع فاسد.

وفي كلتي الحالتين نلاحظ أن النتاج الأدب له غاية تتجاوز جمال الألفاظ وحماسة الأشعار الصاخبة وهيكلية الفن الروائي والمواقف المسرحية المضحك منها والمحزن..؛ تتجاوز كل ذلك إلى تبني ذلك الموقف الذي له حيثياته والذي يرمز إلى وجهة نظر متبناةٍ في الحياة، لأن معنى أن أثور على واقع فاسد، هو وجود تصور لواقع صحيح أسعى لأن أجعل منه حقيقةً ملموسة من خلال هدم الواقع الفاسد وبروز الواقع الصحيح في كل الأنظمة والتشريعات وفي كل الأصول والفروع وبالتالي في كل الأفعال والممارسات.

وحقيقة الحال أننا لو تناولنا أي نموذج من النماذج الأدبية لأي كاتب كان على وجه البسيطة لأمكننا أن نصنف عطاءه الأدبي في إحدى خانات ثلاث، فمفاهيم الناس وأفكارهم عن الحياة تتأصل في أفعالهم وممارساتهم، والنتاج الأدبي لا بد وأنه فعلٌ واقعه أنه نشرٌ لأفكار ومفاهيم متبناة في الحياة من خلال حدث قد وضع أو آخر متخيل وممكن الوقوع، وعليه نرى أن الكاتب الشيوعي يمكنك أن تدرك واقعه الفكري ووجهة نظره في الحياة بمجرد تناولك بالقراءة لأحد أعماله الأدبية وإن لم يكن بحوزتك معلومات سابقة عن منهج تفكيره ككاتب… وكذلك شأن الكاتب الرأسمالي الذي يروج لأفكاره ومفاهيمه عن الحياة والمنبثقة أصلاً عن المبدأ الرأسمالي فإنها تبدوا جليه واضحة من خلال نماذجه الأدبية، وبالمقابل تكاد تنعدم الأعمال الأدبية التي تعبر بصراحة وبجدية عن وجهة النظر الإسلامية في الحياة وبالتالي عن أفكار ومفاهيم المبدأ الإسلامي ولعل ذلك عائدٌ لغياب الإسلام الذي سبق بالغزو الثقافي والحضاري الغربي لبلاد المسلمين منذ أواسط القرن التاسع عشر وحتى يومنا هذا والذي أضحت خطورته ذات حدين، لأن الغزو قد اصبح غزوين، غزواً حضارياً عربياً أساسه المبدأ الرأسمالي وغزواً آخر شرقياً أساسه المبدأ الشيوعي.

وخلاصة القول أن حقيقة الأدب كما أراها… «أنه تعبيرٌ جميل له قوالب خاصة به تشدُّ القارئ إليها، وجوهرة يزخر بآراء ومواقف هي غايةٌ في التجانس مع وجهة النظر المتبناة في الحياة، ولا بد له في المحصلة من أن يعبر بآليته الفنية عن دعوة للمبدأ الذي يحمله ويعتنقه صاحبه وإلا يكون عندها العمل الأدبي خالياً من الجدية الحقيقية ومن كونه عملاً هادفاً له مبتغاه».

بقلم: سعيد رضا الخطيب ـ طرابلس ـ لبنان

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *