العدد 46 - السنة الرابعة – رجب 1411هـ، شباط 1991م

قضية مصيرية وتحية إكبار إلى شعب العراق

لقد حقق العراق حتى الآن سلسلة انتصارات فاجأت العالم من أعداء وأصدقاء.

إنّ اتخاذ قرار المواجهة ضد أميركا وحلفائها ضد أميركا وحلفائها من عتاة العالم هو بحد ذاته انتصار. لم تكن أميركا تتصور، ولم يكن من معها يتصور أن يجرؤ أحد على تحدي أميركا عسكرياً. إنها وقفة عز رفعت الأمة الإسلامية من حضيض الذل النفسي إلى قمة من قمم العز والثقة.

شهر كاد ينصرم والعراق صامد وصابر ومصابر في وجه أكبر قوة تدميرية عرفها تاريخ البشرية حتى الآن. إنه انتصار آخر لم تكن أميركا أو حلفاؤها أو عملاؤها تتصوره. حيّاك الله يا جيش العراق ويا شعب العراق وأمدك بالصبر والنصر، فأنت الآن تفتح الحياة والكرامة في جسد هذه الأمة النائمة.

جيش العراق يحاول أن يجرّ جيوش أميركا وحلفائها إلى المنازلة في معارك البر. فتخاف أميركا ويعلن قادتها أنهم غير مستعدين بعد للحرب البرية. ويعلن (بوش) أنه لن ينجر إلى المعركة قبل الاستعداد. انه انتصار ثالث يحققه العراق. الجيش الأميركي ومعه جيوش العالم وإعلام العالم وهو يستعد من زمن طويل، ثم يجبن عن المنازلة في البر.

من كان يقول بأن دولة مثل العراق يمكن أن تقف وقفة عز في وجه أميركا؟

ومن كان يقول بأن العراق، قد تخلى عنه إخوانه وظلموه ووالوْا أعداءه، من كان يقول بأن العراق يمكن أن يصمد شهراً تحت القصف المدمّر المتواصل ليل نهار من البر والبحر والجو بأقصى كثافة من دول الكفر مجتمعة؟

ومن كان يقول بأن قادة أميركاـ بعد كل هذا القصف، سيجبنون عن منازلة الجيش العراقي في البر؟

إنها انتصارات ضخمة نقلت الأمة الإسلامية نقلة واسعة نحو العلاء. ولو لم يحقق العراق إلا هذه الانتصارات التي حققها حتى الآن لكفاه فخراً.

ولكن الانتصارات لم تنتهِ بعد: العراق لم يستعمل سلاحه الكيماوي بعد، وهو يدخره لحين الحشرة، فهو لم يصل إلى الحشرة بعد.

وأبناء الأمة الإسلامية الماجدة المنتشرون في بقاع العالم لم يقوموا بدورهم بعد.

والجيوش الإسلامية التي تتحرق لنصرة أخيهم جيش العراق، ولمحاربة أميركا وإسرائيل لم تتحرك بعد.

إسرائيل، وما أدراك ما إسرائيل. لقد كانت وهماً إعلامياً، يملأ به الحكام العرب مخيلات شعوبهم ليستسلموا ويعترفوا ويصالحوا.

لقد تمزق نمر الورق اليهودي وبان عن فأر حقير. إن من يتحدى أميركا وإنجلترا وفرنسا والكفر كله تصبح دولة اليهود المسخ شيئاً تافهاً في نظره.

إسرائيل هددت بأنها سترد على العراق، وضغطت عليها أميركا كي لا ترد، كي لا تحرج عن أميركا. ولنفرض أنها ردت فهل سيكون ردها أكثر من زيادة عدد الطلعات الجوية. إنه انتصار آخر حققه العراق بتحطيم الهالة الوهمية التي كانت إسرائيل تحيط بها نفسها.

يا جيش العراق البطل إياك أن توجه سلاحك الآن إلى إخوانك المسلمين. لا تضرب صواريخك على المدنيين السعوديين بل وجهها إلى جيش أميركا وحلفائها الكفار. لا تصطدم بالجيش المصري ولا السوري ولا التركي ولا المغربي ولا الباكستاني. حاول أن تتجنب الأماكن التي تعسكر فيها هذه الجيوش. إنهم أخوتك وإن وقفوا الآن في وجهك. إنهم مسلمون وإن كانوا موالين للكفار. عن قلوبهم معك ولو كانت أيديهم ليست معك. تَحَلَّ بالحكمة والصبر عليهم يا جيش العراق وسترى أنهم سيتحولون بقلوبهم وأيديهم ضد عدوك وعدوهم ضد الكفار.

الجيش المصري والجيش السوري والجيش التركي والجيش الباكستاني كلهم أبناء أمة إسلامية واحدة، ولكنهم جار عليهم أعداؤهم وفرقوهم وجعلوا الاخوة أعداء يحارب بعضه بعضاً. والأمل بالله أن تتفتح عيون المسلمين مع هذا الفجر القتالي ضد الكفار، ويعودوا للانصهار في بوتقة العقيدة الإسلامية، ويتركوا القوميات والإقليميات والوطنيات ويلتفوا جميعاً حول كتاب الله وسنة رسوله r.

)وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا(.

الأمة الإسلامية عملها الأصلي الأول هو أنها حاملة رسالة، وأية رسالة، إنها رسالة خاتم النبيين وسيد المرسلين. إن اهتمامها كله يدور حول حمل الرسالة إلى العالم. إذا كانت تهتم بالعلوم والصناعة والتجارة والزراعة فإن هذا الاهتمام يأتي بالدرجة الثانية بعد حمل الرسالة وبالمقدار الذي يخدم حمل الرسالة. إنها أمة تأكل لتعيش وليست كالأمم الأخرى تعيش لتأكل. إنها أمة الجهاد والصبر، إنها أمة القيادة للعالم، تقود لتهدي وليس لتستعمر وتدمّر وتستعبد )كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ(.

هذه الأمة انحطت وتهاونت بحمل الرسالة وهبطت عن اقتعاد مركز القيادة والريادة في العالم وأصبحت ينطبق عليها حديث المصطفى r: «يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أَوَ مِنْ قلة نحن يومئذٍ يا رسول الله؟ قال: إنكم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل. ولينزعَنَّ الله المهابة منكم من قلوب عدوكم، وليقذفنّ في قلوبكم الوهن. قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حُبُّ الدنيا وكراهية الموت».

لا تتعلقوا بالدنيا أيها المسلمون، ولا تهربوا من الموت. الدنيا تأتيكم وهي راغمة. إن الله أعطاكم أثمن ثروات الدنيا: عندكم البترول والذهب والمال والماء والأرض، وعندكم الرجال وعندكم التاريخ فأنتم أحفاد أمة تبوأت مركز الدولة الأولى في العالم أكثر من ألف عام. وعندكم الرسالة، عندكم القرآن الكريم الذي أصبحتم بفضله خير أمة أخرجت للناس. عندكم العقيدة الإسلامية التي حين لامست قلوب العرب أحالتهم إلى قادة وسادة وفاتحين وهداة للعالمين.

عودوا إلى أصالتكم، وهذه العودة تتطلب منكم الآن أن تُفشلوا أميركا وسائر أمم الكفر التي تداعت عليكم.

إذا عادت أميركا ونجحت في نهاية الأمر بتحطيم جيش العراق وفرض سيطرتها عليه ـ لا سمح الله ـ فإنها ستفرض سيطرتها على سائر بلاد المسلمين وعلى سائر بلدان العالم، وستحكم المسلمين بنعلها، وستذلهم أكثر وأكثر، وستأخذ جميع خيراتهم، وستزداد غطرسة واستكباراً، وسيصبح الذين يصادقونها ويوالونها الآن أحقر من العبيد في نظرها. وستكون أوجدت سابقة دولية بتحطيم كل من يتمرد عليها، وهذا مستقبل أسود للمسلمين وللعالم.

فليسارع المسلمون شعوباً وجيوشاً وحكاماً، المحايدون والموالون لأميركا، فليسارعوا لمحاربة أميركا في صف العراق قبل أن يندموا ويقولوا: أُكِلْنا يوم أُكل الثور الأبيض.

إن الموضوع مصيري، إنه يستأهل أن تبذل الدماء والأرواح والأموال في سبيله. كرامة الأمم وسيادتها لا تقاس بالمتر ولا بالدولار، كرامة الأمم ليست سلعة تجارية. فالموت ولا الذل أمام اليهود وأعوان اليهود.

وإذا استطعتم أيها المسلمون الآن إفشال أميركا ودرَّها خائبة خاسئة فإنكم تكونون قد حوّلتم مجرى التاريخ وسجلتم صفحة بيضاء في هذا الزمن الأسود. الفرصة مهيأة لكم فلا تفوّتوها. المعركة محتدمة وإخوانكم في العراق صامدون فلا تضيعوا الوقت وأنتم تنظرون. تَحرّكوا واعملوا فالأمة أمتكم والحرب حربكم والعدو عدوكم والعراقيون إخوانكم، والهزيمة هزيمتكم والنصر نصركم، )فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ(.

)وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ( ¨

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *