العدد 37 - السنة الثالثة – رمضان 1410هـ، أيار 1990م

التهيئة لإنشاء التصنيع الثقيل

 في هذه الكلمة نريد أن نوجه نداء إلى كل مسلم غيور على إسلامه، غيور على أمته، غيور على بلاده، نداءَ إلى كل مسلم يرى في نفسه كفاءة علمية أو كفاءة مهنية أو كفاءة توجيهية أن يوظف كفاءته على أنشط وجه من أجل إدخال التصنيع إلى البلاد الإسلامية.

ونحن نضع بين أيدي المسلمين من خلال «الوعي» فكرة مختصرة عن هذا الأمر، آملين أن يقوم حشد كبير من أبناء المسلمين الغيورين بالتقاط هذه الفكرة وتعميقها وتفصيلها ودعمها ووضعها موضع التنفيذ.

الخطوط العريضة لهذه الفكرة هي:

1- الدولة الإسلامية، دولة الخلافة الراشدة على وشك أن تقام بتوفيق الله، هذه الدولة التي ستجسّد الصحوة الإسلامية والتحرك الإسلامي على امتداد البلاد الإسلامية. وإذا كان حكام البلاد الإسلامية الآن قانعين بالتبعية لدولة الغرب في السياسة والتشريح والاقتصاد والتصنيع وسائر الأمور، فإن حكام الدولة الإسلامية، أي خليفة المسلمين وأعوانه سيعملون ليس لترك التبعية فقط، بل لجعل دولة الخلافة الدولة الأولى في العالم: ]كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ[.

2- إدخال التصنيع الثقيل وبأقصى سرعة ممكنة سيكون من الأسس الهامة لنجاح الدولة الإسلامية.

3- التمهيد والتهيئة ممكنة من الآن ولا يجوز إهمالها وتأخيرها إلى بعد قيام الخلافة. وعند قيام الخلافة يستفيد الخليفة من مرحلة التهيئة التي تكون قد قُطِعتْ.

4- مرحلة التهيئة تكون بنهوض رجل يتمتع بقدرة في حقل إدارة الأعمال يستعين بمن لديهم معرفة جيدة بالصناعات التي يجب إدخالها. يستعين بهم لوضع جدول بكل هذه الصناعات. وبعد وضع الجدول ينتقل إلى كل من مفرداته ليضع دراسة مناسبة عنها مستعيناً بالخبراء.

5- لتكن المفردة التي يضع دراسة مناسبة عنها هي صناعة طائرة حربية مثلاً. يحتاج رجل إدارة العمل بهذه الصناعة، والتعرف على الخبراء المسلمين الذين تتعلق خبرتهم بتكنولوجيا هذه الصناعة. وأن يقوم بالاتصال بأكبر عدد ممكن من هؤلاء العلماء والخبراء حيث هم الآن سواء كانوا في دول أوروبا أو أميركا أو غيرها. يتصل بهم ليحرك فيهم إيمانهم بإسلامهم وواجبهم تجاه أمتهم ورسالتهم، وينتقل من هذا ليقول لهم: هل أنتم مهتمين بمعرفة جميع أسرار المهنة التي تعملون فيها؟ إذا دعتكم أمتكم للانتقال إليها وتأسيس مصنع فيها ينتج طائرة حربية ما هو مدى الكفاءة عند كل واحد منكم؟ هل في وسع أحدكم، أن يحصل على معلومات وخبرات وأسرار إضافية عن هذه الصناعة؟ هل تستطيعون أن تشكلوا فريقاً متكاملاً بحيث إذا جمعت المعلومات والخبرات تكفي لتأسيس هذه الصناعة والانطلاق بها؟ ماذا ينقص لجعل هذه المعلومات والخبرات كاملة، وكيف يمكن لتأسيس هذه الصناعة والانطلاق بها؟ ماذا ينقص لجعل هذه المعلومات والخبرات كاملة، وكيف يمكن سد هذا النقص؟ وفي حال صار فريق العمل كاملاً هل يعرف رئيس هذا الفريق من أية دولة سيتم شراء الآلات التي سَيُنْشأ منها المصنع، وهل من السهل إقناع هذه الدولة ببيعنا هذه الآلات؟

6- وما يقال عن صناعة طائرة حربية يقال مثله عن صناعة طائرة مدنية، أو طائرة مروحية. أو صناعة دبابة أو سيارة أو جرار زراعي أو رافعة، أو مدفعاً أو صاروخاً. أو صناعة الأدوية أو الآلات الطبية. أو صناعة الآلات الكهربائية والإلكترونية والمعلوماتية. أو صناعة الكيماويات والجرثوميات والوقاية منها. أو الصناعة الذرية والنووية. أو الصناعة الفضائية. وغيرها…

7- هذا الأمر لا يستطيع أن يقوم به فرد مهما كان نشاطه ومهما كانت القدرة التي يتمتع بها في حقل إدارة العمل. هذا الأمر يجب أن ينغرس في نفس كل واحد من هذه الأمة كي تستطيع التغلّب على العوائق. والمثل القائل: (ربَّ همّ’ أحيتْ أمّة) ويشير إلى أن هذه الهمة قد تبدأ من فرد ولكنها لا تبقى معتمدة على هذا الفرد، بل سرعان ما تدب عدوى النشاط والإحساس بالمسؤولية في سائر الأمة. وهذا مصداق قول المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته». وهذا يعني أن من يقرأ هذه الكلمة نتوقع منه أن تهزه هذه الكلمة، وأن تتولد عنده الحوافز الذاتية ليصبح هو محركاً لغيره وموجهاً لمن يأنس فيهم قدرة أو نفعاً في هذا المضمار.

8- أنتم يا من أعطاكم الله قدرة علمية أو قدرة تكنولوجية أو قدرة توجيهية يمكن أن تفيد في أي حقل من حقول الصناعة التي تحتاج إليها بلادكم الإسلامية، لا تنتظروا حتى يأتي إليكم شخص يسألكم أو يحثكم أو ينظمكم ضمن فريق عمل. فقد يأتي إليكم وقد لا يأتي. ولكن فليبادر كل واحد إلى تشكيل هذا الفريق. فمن وجد في نفسه قدرة على ترؤس الفريق فبها، ومن وجد غيره اكفأ منه عليه أن ينبهه وأن يضع نفسه هو كعضو في الفريق في تصرف رئيس الفريق. وأن يبحث مختلف الأعضاء عن زملائهم في المهنة نفسها لإكمال الفريق واغنائه.

9- تشكيل الأفرقاء لا يعني أن يتركوا عملهم، بل بالعكس من ذلك، إذ عليهم أن يزدادوا لصوقاً بعملهم ويزدادوا اهتماماً لمعرفة ما خفي عنهم. والإنسان الذي لا مبدأ عنده ولا هدف لديه إلا العيش والتمتع في هذه الحياة هو إنسان تافه كالحيوانات بل هو أضل لأنه أهمل العقل الذي لا تملكه الحيوانات. ونحن نعمل أن كثيراً من أبناء المسلمين في أوروبا وأميركا وصلوا إلى مراكز علمية وتكنولوجية راقية في مراكز البحوث أو المختبرات أو المصانع في تلك البلاد. والغالبية العظمى من هؤلاء لا يهتمون إلا بأداء وظيفتهم وقبض رواتبهم والتمتع بحياتهم. هؤلاء ندعوهم إلى الارتقاء ليشعروا بلذة المبدأ وسعادة العقيدة، ندعوهم ليفتحوا عيونهم وآذانهم ويجهدوا أنفسهم في الإحاطة بكل ما تصل إليه أيديهم من علم وتكنولوجيا من أجل نقل الصناعة إلى بلادهم لخدمة أمتهم ورسالتهم. لا نقول لهم اتركوا المختبرات والمصانع ومراكز البحوث الآن، بل ابقوا فيها واستزيدوا منها، وحين تدعوكم أمتكم كونوا مستعدين لتلبية الدعوة.

10- دولة اليهود في فلسطين بالأمس نشأت، وهي قامت ضمن محيط من الأعداء. وهي شرذمة قليلة في بقعة صغيرة، وليس لديها موارد إلى الشحاذة. ومع ذلك فها هي تتحول إلى دولة صناعية.

والبلاد الإسلامية العريقة في الوجود، والغنية في الثروة المادية والعدد البشري والاتساع الجغرافي والموقع الاستراتيجي، والتي تفخر بتاريخ مجيد من الجهاد والانتصارات، والتي كرمها الله برسالة القرآن… هذه البلاد تصبح مجرد ذنب محتقر تابع لدول الغرب.

ذلك لأن اليهودي أحس أنه صاحب قضية وصمم على خدمة قضيته. والمسلم فَقد قضيته وهويته وأهمل مبدأه ورسالته، وقنع بالحياة ولو كانت خالية من الكرامة وممزوجة بالذل.

11- إذا حصل ووجد لكل فرع من فروع الصناعة فريق عمل أو أكثر من فريق، ثم قامت دولة الخلافة الإسلامية، فإن الخليفة سيستدعي من يمثل هؤلاء الأفرقاء الذين يعرفهم أو يعرفونه بأنفسهم، يستدعيهم ليستشيرهم، الأرجح أنه سيوكل إليهم أمر بناء الصناعات بعد أن يوفر لهم ما يطلبونه من أموال وصلاحيات.

أما إذا لم يكن قد تم شيء من هذه التهيئة، وقامت الخلافة، وبدأ الخليفة وأعوانه يبحثون في حينها في هذه الأمور من بدايتها، فإن هذا سيؤخر أمور التصنيع، وبالتالي سيؤخر التحرك الفعال لدولة الخلافة. والأصل هو تلافي هذه الثغرة من الآن (ونحن نأمل أن يكون العمل فيها جارياً منذ زمن بعيد).

12- ذكرنا في البند الرابع والبند الخامس من هذه البنود أن مرحلة التهيئة لإدخال التصنيع تكون بأن ينهض شخص يمتع بقدرة في حقل إدارة الأعمال… وأن يتصل بالعلماء وخبراء التكنولوجيا ليحثهم على الاستزادة من المعرفة وعلى تشكيل أفرقاء عمل متكاملة في كل صناعة… وهناك أمر آخر لا يقل أهمية في شأن هذه التهيئة. هذا الأمر هو أن ينهض شخص (أو أشخاص) يتمتع بقدرة فائقة على إقناع الحكام الحاليين في البلاد الإسلامية، وإقناع أصحاب الثروات الكبيرة من أجل إنشاء مصانع ثقيلة في البلاد الإسلامية.

وإذا وَجَدتْ دول الخلافة عند قيامها أن البلاد قد نشأت فيها مصانع ثقيلة تكون قطعت شوطاً كبيراً.

13- توجد الآن بعض الصناعات في تركيا ومصر والعراق والباكستان. حاول عبد الناصر إقامة صناعة الحديد والصلب في مصر ولم ينجح، وأقنعوه بتحويل الاهتمام إلى الزراعة عن طريق بناء السد العالي. وحاول السادات والسعودية وبعض دول الخليج إقامة هيئة التصنيع الحربي، وفشلت عندما دخلت مصر في الصلح مع إسرائيل. وقام العراق ببناء مفاعل ذري ولكن دمرته إسرائيل سنة 81. ويقول العراق الآن بأن لديه قدرة على صناعة صواريخ قريبة ومتوسطة المدى ولكنها ليست صناعة ذاتية بل هي تعديل لصواريخ مستوردة. ويقول العراق بأن لديه سلاحاً كيميائياً مزدوجاً يعادل في قوته التدميرية الأسلحة الذرية. ويقال إن ليبيا تصنع أسلحة كيماوية. ويقال إن باكستان عندها مفاعل ننوي وهي تطور سلاحاً نووياً. تركيا ومصر وباكستان تصنع ذخائر وتصنع (تُجمّع) بعض السيارات. والمطلوب ليس مجرد التجميع، المطلوب هو الصناعة الكاملة ابتداءً من استخراج المواد الخام، وصناعة المحركات سواء للسيارات أو الطائرات أو السفن.

24- المطلوب الآن أن ينهض من يجد في نفسه الكفاءة ليقوم بوضع مشروع صناعي من الصناعات الثقيلة وأن يكون هذا المشروع قابلاً للتنفيذ وأن يكون مربحاً من الناحية التجارية. وبعد توفر هذه العناصر في المشروع يقوم صاحب المشروع بطرحه على الحاكم الذي هو مظنة أن يتبناه. أو يقوم بطرحه على بعض أصحاب رؤوس الأموال الذين هم مظنة أن يتبنوه. ولا بد من توفر الحنكة الكبيرة لدى واضع المشروع كي ينجح في إقناع الحكام أو في إقناع أصحاب رؤوس الأموال. وهذا ليس أمر مستحيلاً رغم كون أغلب الحكام وأصحاب رؤوس الأموال يتوجهون بتوجيهات الدولة الغربية التي تحاول منع دول العالم الثالث من إدخال التصنيع الثقيل كي تبقي هذه الدول تابعة لها، فتستثمر مصادرها الأولية وتبقيها سوقاً لتصريف منتوجاتها، بدل أن تتحول إلى منافس لها.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *