العدد 36 - السنة الثالثة – رمضان 1410هـ، نيسان 1990م

سؤال وجواب

السؤال 1:

هل يمكن أن تعطونا صورة عن الأحداث التي جرت في دول أوروبا الشرقية؟ وما هو تأثير التغييرات الدستورية في الاتحاد السوفيتي على مستقبله؟

الجواب 1:

إن ما حدث في أوروبا الشرقية من تغييرات جذرية أطاحت بالأحزاب الشيوعية الحاكمة، وبالقادة الشيوعيين التاريخيين، قد تمّ بإيعاز وتخطيط من موسكو. ذلك أنه لا يعقل أن تحصل أحداث بهذه الضخامة في دول أوروبا الشرقية دون تخطيط من موسكو، لأن روسيا تحكم سيطرتها على هذه الدولة منذ أكثر من أربعين عاماً من خلال وجود عسكري مباشر، وحلف عسكري سياسي صارم، وأحزاب شيوعية وقادة شيوعيين يدينون بالولاء للدولة الاشتراكية الأم، وللحزب الشيوعي الرائد، وقد أريد لهذه التحولات أن تسبق التحولات في الاتحاد السوفييتي لأن زعامة موسكو نابعة من كونها حصن الماركسية، والدولة الماركسية الرائدة، ولهذا لا يتصور أن تتحول روسيا عن الماركسية. وتبقي دول أوروبا الشرقية متمسكة بها، فكان لا بد من أن تجري التحولات فعلاً في دول أوروبا الشرقية، بعد أن أرسى غورباتشوف أسس التحول النظري داخل الاتحاد السوفييتي. وقد كان موقف موسكو واضحاً في دعم التحولات، ومباركة حق تقرير المصير لشعوب هذه الدول، والتلميح باستخدام القوات السوفيتية في إسناد هذه التغيرات.

وقد اتخذت هذه التغيرات طابعاً حاداً ومتلاحقاً من أجل إحداث صدى شعبي ضخم لدى الرأي العالم الغربي، ذلك أن الأضواء سلطت على الأحداث بشكل كثيف، وجرى تضخيم لها. لإبراز أن هذه الدول تنعتق من سيطرة موسكو وتتجه نحو العرب، وتتفلت من الماركسية باتجاه الرأسمالية. وقد كان لذلك أثر كبير على الرأي العام في أوروبا الغربية وحتى في أميركا واليابان، مما اضطر حكومات هذه الدول إلى تقديم المساعدة، والتعهد بتقديم المعونة لإنهاض أوروبا الشرقية اقتصادياً، وهو ما يخفف الأعباء الاقتصادية عن موسكو، وكأنه مساعدة غير مباشرة لغورباتشوف.

وقد تمت معظم هذه التحولات قبل قمة مالطا، وإن كان جرى بحثها بين بوش وغورباتشوف من زاوية التنسيق التام بينهما حتى لا تخرج الأحداث من السيطرة. وحتى يحولا دون تدخل طرف أوروبي غربي فيها. ولهذا طار بوش عقب قمة مالطا إلى بروكسيل ليبلغ رؤساء الدولة الحليفة بضرورة توخي الحذر الشديد في التعاطي مع المستجدات الأوروبية، حتى لا تحصل انتكاسة وتعود أجواء الحرب الباردة التي تخشاها أوروبا كثيراً، لأنها كانت مسرحاً لها.

وقد كان موقف أميركا من التحولات موقف الدعم والتشجيع والوعد بالمساعدة، والمراقبة الشديدة ولكنها لم تقم بأي عمل عسكري أو سياسي أو دبلوماسي يثير الشكوك والهواجس ويحرص الأميركان على أن تجري التطورات في أوروبا كلها بمشاركة فعالة منهم. لأن البديل عن ذلك هو انكفاء أميركا خارج العالم القديم، كما أخطأت في عزلتها بعد الحرب العالمية الأولى، ولهذا تصر أميركا على بقاء حلف الأطلسي، الذي يعزون إليه الانتصارات التي حققها الحلفاء ضد الاتحاد السوفييتي، وداخل أوروبا الشرقية.

التغيرات الدستورية في الاتحاد السوفييتي:

عندما جاء غوباتشوف إلى الحكم، أدرك مدى الانهيار الذي يعانيه الاتحاد السوفييتي إن على صعيد الوضع الاقتصادي. أو على صعيد الإدارة أو على القصور التكنولوجي، ولهذا بادر إلى إحداث إصلاحات جذرية تعتبر في حقيقتها تحولاً عن الماركسية، وإن كان يحاول أن يجد لها مبررات في الفكر الماركسي اللينيني. ولكنها في النهاية ستؤدي إلى الانعتاق من الماركسية، وقد جرى تكريس هذه التغييرات في الدستور لكي لا يحصل التراجع عنها. وذلك أن غورباتشوف أدرك أن سبب تخلف الاتحاد السوفييتي راجع إلى فشل الماركسية وعقمها. فوضع أسس التحول عنها، بأن فصل الحزب عن الدولة وألغى دكتاتورية الحزب ودوره القيادي، وأوجد مؤسسات رئاسية تستمد سلطتها من الشعب أو من نواب الشعب، وأباح التعددية الحزبية، وأباح الملكية الخاصة، والملكيات الجماعية، وكل ذلك جرى تثبيته في الدستور، وذلك لطمأنة الرأسمالي الغربي الذي يحاول غورباتشوف أن يستدرجه للاستثمار داخل الاتحاد السوفييتي. لأن غورباتشوف مقتنع بأن إنهاض الاقتصاد الروسي لن يتم بدون مساعدة من الغرب، ولهذا بني علاقاته مع الغرب بحسب مقتضيات ومستلزمات الوضع الداخلي. وقد عدّل من سياسته الحربية فأصبحت قائمة على الدفاع الفعال بعد أن كانت قائمة الهجوم على أوروبا الغربية من أراضي دول أوروبا الشرقية، لحرمان أميركا من رأس جسر لها في أوروبا، ومن ثم طرد القوات الأميركية منها وهزيمة حلف الأطلسي لاقتناع غورباتشوف باستحالة قيام حرب عالمية نووية في العصر النووي وبالتالي فلا حاجة لبقاء قواته في دول أوروبا الشرقية وكانت مبادراته بشأن تخفيض القوات التقليدية في أوروبا. وكأنها تنازلات لأميركا، ولكنها في حقيقتها تنسجم مع السياسة الحربية الجديدة ومتطلباتها العسكرية.

وقد أدت سياسة الغلاسنوست (المكاشفة والمصارحة والعلنية) وحق تقرير المصير إلى انتعاش المشاعر القومية والوطنية والدينية، فكان أن تحركت بعض الجمهوريات للانفصال عن موسكو. فتحرك المسلمون الأذربيجانيون على أسس عرقية، ولكن الدول المحيطة بهم لم تشجعهم. فتصرفت إيران مع تحرك الأذربيجانيين بحذر شديد بناءً على نصيحة أميركية وكذلك تركيا فكان أن قمع الروس حركة الأذربيجانيين، وكذلك الحال مع أوزبكستان وسواها. لأنه لا سند دولياً لها يدعم تحركها. ذلك أن الحدود التي استقرت بعد الحرب العالمية الثانية أصبحت نهائية منذ مؤتمر هلسنكي، وليس متوقعاً أن يحصل عليها أي تعديل.

أما ما حصل في جمهوريات البلطيق الثلاث فهو مختلف عمّا حصل في جمهوريات آسيا الوسطى، ذلك أن هذه الجمهوريات جرى إلحاقها بالاتحاد السوفييتي إبان الحرب العالمية الثانية وبناء على اتفاق بين هتلر وستالين، ولم تعترف أميركا بهذا الإلحاق حتى الآن، ومع ذلك تصرفت أميركا بحذر شديد في التعامل مع قرار ليتوانيا الانفصال عن الاتحاد السوفييتي وليس متوقعاً أن تستقل هذه الجمهوريات أو سواها، والراجح فقط أن يجري إعطاؤها سيادة كاملة داخلية على أراضيها، وتطلق يدها في بعض التصرفات الخارجية من مثل العلاقات الاقتصادية، ولكن تبقى شؤون الأمن والجيش، والسلم والحرب. والتمثيل الخارجي والعلاقات الدولية متركزة في يد موسكو.

أما تأثير ما يحدث داخل الاتحاد السوفييتي على الموقف الدولي. فمما لا شك فيه أن انكفاء الاتحاد السوفييتي نحو الداخل لإصلاح أوضاعه الداخلية، وبناء سياسته الخارجية على ما يلزم لتحقيق النهوض بالداخل السوفييتي، سوف يقلص من تأثير موسكو في الساحة الدولية؛ ولكن بقاء قوتها العسكرية الهائلة، سيجعلها قادرة على التأثير، وسيمكنها من العودة للمسرح الدولي بقوة، ولهذا فإن أميركا ستُبقي على مشاورتها لروسيا في القضايا الدولية، وستتلاحق الاجتماعات بين زعماء الدولتين على الأصعدة جميعاً، وستمر سنوات قبل أن يتضح الموقف الدولي الجديد، من انفراد أميركا، أو نشوء أقطاب جديدة.

السؤال 2:

هل مسألة توحيد ألمانيا جدية، وما تأثير ذلك على دول أوروبا؟

الجواب 2:

أصبح من المؤكد أن يعاد توحيد ألمانيا، فأميركا موافقة على ذلك، وكذلك روسيا، ولكن الخلاف هو على وضع ألمانيا الموحدة. هل تكون على الحياد كما تطالب روسيا، أم تبقى ضمن حلف الأطلسي كما يصر كول وبوش، مع المحافظة على مصالح روسيا الأمنية في الجزء الشرقي منها. أما دول أوروبا الغربية فهي موافقة على توحيد ألمانيا من حيث المبدأ، ولكن من خلال أوروبا موحدة. ذلك أن ألمانيا الموحدة ستكون أكبر قوة غرب الاتحاد السوفييتي من حيث عدد السكان ومن حيث الازدهار الاقتصادي، ومن حيث كمية النقد الأجنبي المتوفرة لديها. وهذا مما يزعج فرنسا بشكل خاص، لأنها عانت من حربين عالميتين خاضتهما ألمانيا ضد أوروبا. وكانت فرنسا أكثر الدول تضرراً منهما. ولهذا كان ميتيران أول المبادرين لمعالجة الوضع الألماني باتصالاته الثنائية وبالمؤتمرات الأوروبية التي دعا إليها، وكلها كانت منصبة على معالجة وضع ألمانيا.

أما إصرار أميركا على توحيد ألمانيا، وبقائها ضمن حلف الأطلسي، فلأنها ترى في لجماً لألمانيا، وإبقاء لها تحت السيطرة الغربية، ذلك أن جهود كبيرة بذلك حتى أمكن تطبيع العلاقات بين ألمانيا وغيرها من الدول الغربية التي تخشى العسكرية الألمانية ولا يمكن السيطرة على ألمانيا الموحدة إلا من خلال نظام دفاعي غربي مشترك، أي حلف الأطلسي. ولكن الراجع أن أميركا تريد أن تخوّف أوروبا الغربية لتبقى متماسكة خلف الزعامة الأميركية، فبعد أن أصبحت دول أوروبا الغربية لا تحس بالتهديد الروسي لا على مستوى الحكومات ولا على مستوى الشعوب، فإن ألمانيا الموحّدة يمكن أن تكون هي الأداة التي يجري تخويف دول أوروبا الغربية بها، سيما وأن ماضي العلاقات بين ألمانيا وهذه الدول يثير القلق والخوف الحقيقي. ولا يشكل توحيد ألمانيا قلقاً في بولندا الجارة الشرقية، بعد أن تعهدت ألمانيا بتوقيع معاهدة مع بولندا تعترف فيها بالحدود الحالية بين الدولتين. إلا أن ألمانيا الموحدة سوف تبقى مصدر تحسب وخوف لأوروبا، لا سيما فرنسا.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *