العدد 33 - العدد 33 – السنة الثالثة – جمادى الآخر 1410 هـ الموافق كانون الثاني 1990م

بين فيهم الواقع وفهم الناس 1- مفهوم المجتمع على ضوء النصوص

بقلم: محمد أبو وائل

إن استنباط أي حكم شرعي مستحيل بدون فهم الواقع، فلا بد لمن يريد تطبيق الإسلام أن يفهم الواقع فهماً عميقاً شاملاً، وأن يفهم الإسلام فهماً عميقاً شاملاً حتى يستطيع تطبيقه على الواقع، أي حتى يستطيع معالجة هذا الواقع بالإسلام، وبمعنى آخر حتى يعرف الحكم الشرعي في هذا الواقع.

فحتى يستنبط المجتهد حكم استعمال عطور الكولونيا مثلاً، عليه أن يكون محصلاً للعلوم الشرعية التي تمكّنه أن يكون مجتهداً. ولكن هذا لا يكفي بل عليه قبل كل شيء أن يفهم واقع الكولونيا فهماً صحيحاً، ولا يحتاج فهمه للواقع إلى أدلة شرعية. فالمجتهد حين يدرس واقع الكولونيا ويقول: إنها مُسكرة لأن فيها مادة الكحول، لا يُسأل ما الدليل الشرعي على هذا الكلام، لأن المسألة تتعلق بوصف الواقع ولا تتعلق بتعيين الموقف تجاهه فوصف الواقع لا يحتاج إلى دليل شرعي، ولكن الحكم عليه هو الذي يحتاج إلى الدليل الشرعي، فعندما يقول المجتهد: «إن استعمال الكولونيا حرام» هنا يُسأل ما الدليل؟ وعندها سيجيب بأن الحكم الشرعي أن استعمال المسكر حرام، وأن الكولونيا مادة مسكرة لأنها تحتوي على الكحول، فيكون تحريم المسكر منطبقاً على واقع الكولونيا.

إذاً فهناك مسألتان: مسألة فهم الواقع وتعريفه، ومسألة تعيين موقف الإنسان تجاه هذا الواقع. وغرض النصوص الشرعية الأساسي يدور حول المسألة الثانية أي تعيين موقف الإنسان تجاه الوقائع وضبط سلوكه وتصرفاته وفق أوامر الله ونواهيه على أساس إشارات وتعريف للوقائع فإنها تبقى ضمن الغرض الأساسي وهو تعيين موقف الإنسان. وأما فهم الواقع فقد تركه الشرع للعقل، وجعله حكماً في ذلك (أي في تعريف الواقع) فلذلك لا يقال لمن يقول: «إن الأرض بيضاوية الشكل» ما الدليل الشرعي على ذلك؟ ولا يقال لمن يقول: «إن الجلد هو مركز الإحساس بالألم» أو يقول: «إن عظام الجنين تخلق قبل لحمه» لا يقال له ما هو دليلك الشرعي؟ فكل هذه الأمور تندرج تحت مسألة فهم الواقع وإدراك طبائع الأشياء وهي من اختصاص العقل.

وهذه المسألة قد التبست على كثير من الناس من جراء فهمهم المغلوط لقوله تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْء) فظنوا أن سنن الكون وطبائع الأشياء جميعها ـ من علوم فيزياء أو سنن الكون وطبائع الأشياء جميعها ـ من علوم فيزياء أو علوم كيمياء أو علوم طب أو رياضيات أو علم فلك ـ كلها موجودة في القرآن، وصاروا يفتشون عن هذه العلوم في القرآن، ونسوا أن غرض القرآن الأساسي هو أن يحكم حياة البشر ويضبط معتقداتهم وسلوكهم وفق أوامر الله ونواهيه. وأما قوله تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْء) فهو يعني أنه ما من وقاع إلا وقد بيَّن الشرع حكمه وعيَّن موقف الإنسان منه، ولا يعني أنه قد بيّن ماهيته وشرح تركيبته شرحاً مفصلاً. على أنه ليس هناك عاقل يقول إن البشر لو أهملوا دراسة سنن الكون وفهمهما. واقتصروا على دراسة الشرع كانوا سيصلون على اختراع القنبلة الذرية أو جهاز الكمبيوتر أو غيرها، فهذه العلوم إنما نصل إليها عن طريق إعمال العقل، وحتى إذا وردتْ إشارات إليها في القرآن فإنها تكون إشارات سريعة لا تكفي للوصول على اختراع قنبلة ذرية، مع أن الآية تقول: (تِبْيَاناً) أي إن الكتاب ـ هو يتضمن كل ما كان وحياً من قرآن أو سنة أو إجماع صحابة أو قياس ـ قد بيّن كل شيء ولم يتركه غامضاً يحتاج تبيانه على مصادر أخرى، وكما قلنا إن الإشارات الشريعة على سنن الكون وطبائع الأشياء لا تكفي للوصول على معرفة واقع الكمبيوتر وماهيته، فيكون معنى الآية تبياناً لكل شيء ما هو حكمه وليس ما هي تركيبته. فما من واقع إلا وله حكمٌ شرعي يعيِّن موقف الإنسان تجاهه، ولكن هناك الكثير من العلوم ومن أسرار الكون لم يشرحها لنا القرآن شرحاً كافياً.

ورغم أن غرض النصوص الشرعية الأساسي هو التشريع وتعيين الموقف تجاه الوقائع إلا أن هذه النصوص قد تعرضت لوصف بعض الوقائع، وطبيعيٌّ جداً أن يكون وصفها مطابقاً للحقيقة تماماً لأن هذه النصوص من عند الله سبحانه خالق كل شيء والعالم بحقيقة كل شيء، لذلك كان وصفها للوقائع مقطوعاً بصحته ـ طبعاً ما ثبت منها بشكل قاطع ـ غير متأثر بزيادة المعرفة الإنسانية أو نقصانها. فالقرآن قد تعرض لوصف بعض الوقائع زمن كانت فيه المعرفة بالنسبة على ما وصلت إليه اليوم من التقدم العلمي، ولكن الله سبحانه عليمٌ بكل شيء علماً كاملاً مطلقاً لا يتأثر بزمان نزول القرآن ـ حيث المعرفة العلمية قليلة نسبياً ـ أن يدركوا هذه الوقائع على حقيقتها. ومن هذا مثلاً قوله تعالى: (ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا) فكون عظام الجنين تخلق قبل حلمه حقيقة واقعية لم يكن البشر يدركونها في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم. أو قوله تعالى: (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) أو قوله تعالى: (وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا) أو قوله تعالى: (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ) على غير ذلك من الآيات التي وصفت الواقع وصفاً صحيحاً محكماً. ولكن وبالرغم من ذلك لا نقول إنه كان بإمكان البشر أن يكتنهوا أسرار الكون وأن يدركوا طبائع الأشياء من خلال تلك النصوص وحدها، وأصلاً لم يكن غرض النصوص إعطاء البشر المعارف العلمية المجردة، وإنما كان غرضها الأساسي تعيين موقف الإنسان تجاه الوقائع، وإيجاد الدافع عنده على الالتزام بما شرعه الله له.

بعد أن عرفنا أن النصوص الشرعية غرضها التشريع وليس وصف الواقع، ولكنها إن تعرضت لوصفه كان وصفها قطعياً، نأتي الآن إلى موضوع المجتمع وتعريفه.

إن تعريف المجتمع بحثّ واقعي وليس شرعياً، بمعنى أنه منوطٌ بالعقل، وطالما تحدثنا في هذا الموضوع، ولكنّ الجديد في الأمر أننا سنعالجه على ضوء النصوص الشرعية حتى لا يبقى إدعاء لمدَّع أو مجال لمتأوْل: فالقرآن والسنة قد وردا بإشارات واضحة حول هذا الموضوع، عدا عن كون الشرع لا ينطبق إلا على الواقع الصحيح للمجتمع.

نبدأ بحصر نقطة الخلاف بيننا وبين من يقول: «إن المجتمع هو مجموعة أفراد» وتنحصر هذه النقطة حول سؤال واحد هل المجتمع هو هؤلاء الأفراد فقط أم شيء آخر؟ لا شك أن المجتمع مركبٌ من الأفراد، ولكن السؤال: هل تركيب المجتمع من الأفراد تركيب حقيقي أم تركيبٌ وهمي؟؟ لنوضح ذلك: التركيب الحقيقي يكون بجمع عدة عناصر مع بعضها تتفاعل فيما بينها فيفقد كل عنصر خصائصه أو بعضاً منها، فينشأ عن هذا التفاعل مُركّب جديد له خصائص ذاتية مستقلة وأما التركيب الوهمي فيكون بجمع عدة عناصر فقط دون أن يتفاعل مع غيره وبالتالي يبقى الوجود الحقيقي للعناصر ولا يوجد من اجتماعها أي مركب جديد ذي خصائص مستقلة. فمثلاً تركيب الماء من الإيدروجين والأوكسجين هو تركيب حقيقي، لأن عناصره ـ الأيدروجين والأوكسجين ـ قد فقدتْ خصائصها حين تفاعلت فيما بينها، ونشأ عن تفاعلها مركبٌ آخر ـ هو الماء ـ ذو خصائص ذاتية مستقلة ليست كخصائص الأيدروجين ولا كخصائص الأوكسجين، فإذا أردنا أن نُسَخِّن هذا الماء مثلاً فلا نستطيع أن نسخّن الأيدروجين أولاً ثم الأوكسجين ثانياً، وإنما نسخن هذا الكلّ المستقل الذي يسمى ماء. فتركيب الماء إذاً من الأوكسجين والأيدروجين هو تركيب حقيقي يوجد مركباً جديداً مستقلاً، وأما تركيب «غرفة النوم» ـ مثلاً من خزانة وتختين ودورسوار وغير ذلك فإنه لا يعتبر تركيباً حقيقياً بل يبقى تركيباً وهمياً، لأن الخزانة والتختين والدرسوار لم تتفاعل فيما بينها، ولم تفقد شيئاً من خصائصها، وبالتالي لم ينشأ مركبٌ آخر ذو خصائص مستقلة عن خصائص تلك العناصر فالتخت لم يفقد شيئاً من خصائصه ولم يؤثر في الخزانة ولم يتأثر بها، وإذا طرأ خللٌ في هذا التخت فإن لا يؤثر على غيره من العناصر، ولذلك إذا فسدت عناصر غرفة النوم فإنما نصلحها عنصراً عنصراً حتى يتم إصلاحها جميعاً لأنه لا جود لمركب مستقل إسمة «غرفة نوم».

ونعود إلى مفهوم المجتمع وإلى نوعية تركيبه حتى نعرف إن كان للمجتمع وجود حقيقي أم مجرد وجود وهمي. إن المجتمع مركبٌ من الأفراد ولكن هذا التركيب ليس تركيباً وهمياً، بل هو تركيب حقيقي يفقد كل عنصر من عناصره بعضاً من خصائصه فينشأ عن ذلك مركبٌ آخر ذو خصائص مستقلة. وبيان ذلك أن شخصية الإنسان ليست هي هذا الجسد الظاهر ـ فالجسد غير قابل للتفاعل مع الأجساد الأخرى ـ وإنما هي عقليته ونفسيته، وهي قابلة للتفاعل، ولا شك أن اجتماع الأفراد مع بعضهم بشكل دائم يجعلهم يتفاعلون مع بعضهم، فيفقد كل فرد بعضاً من خصائصه العقلية والنفسية ويتفاعل مع الباقين مكتسباً بعض الخصائص الجديدة، فينشأ عن ذلك الفكر الجماعي والمشاعر الجماعية التي ينبثق عنها نظام ينظم هذا المجتمع وهؤلاء الأفراد. فشخصية المجتمع شخصية مستقلة نشأت عن تفاعل الشخصيات الفردية وتمازجها، فكانت لها خصائص ذاتية مستقلة وليست هي مجرد تلك الشخصيات.

وهذه الشخصية الجديدة المستقلة عن فكر الفرد ومشاعره، واندماج الأفراد في المجتمع لا يعني أنهم قد تحولوا إلى شخصية واحدة بل يبقى لكل فرد ما يميزه عن غيره وتبقى له شخصيته المستقلة وإن كانت في أغلب الأحيان متأثرة إلى حد كبير بشخصية المجتمع.

والقرآن الكريم يرى أن للأمة عمراً ومصيراً مشتركاً: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ) كما يرى أن للأمة فكراً خاصاً وشعوراً خاصاً: (زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ) فهذه الآية تدل على أن كل أمة تتكيف ضمن إطار مشاعر واحدة وطريقة تفكير خاصة، وكل أمة تحكم على الأشياء بمقاييس مشتركة ولها ذوق خاص في فهم الأشياء. والقرآن يتحدث في بعض آياته عن عمل فرد وبنسبه إلى المجتمع بجميع أفراده، فمثلاً في قصة صالح مع ثمود هناك فردٌ واحد هو الذي قام بعقر الناقة، ولكن القرآن ينسب العمل إلى القوم بمجموعهم (فَعَقَرُوهَا) فكل القوم مشتركون في الجريمة، لأن الجريمة جريمة المجتمع وليست جريمة الفرد، فالرأي العام قد حكم على الناقة بالعقر. وما الفرد الذي نفذ الجريمة إلا وسيلة لهذا المجتمع في التنفيذ، ولذلك استحقوا جميعهم العقاب على السواء: (فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا). ولذلك أيضاً قال لهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم عندما سألوه: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال «نعم إذا كثير الخبث» (رواه مسلم) فحين تخبث الشخصية الاجتماعية، وحين يفسد المجتمع بمجموعه، يصبح هلاكه حتمياً مهما كان فيه من الصالحين، فالمسألة مسألة هلاك شخصية المجتمع الفاسدة، أما الصالحون فإنهم أفراد وينجون كأفراد ولكنهم لا ينجون كمجتمع. روى مسلم في صحيحه: «عن عائشة رضي الله عنها قالت: عبث رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامه، فقلنا: يا رسول الله صنعتَ شيئاً في منامك لم تكن تفعله! فقال: العجب! إن أناساً من أمتي يؤمون بالبيت برجل من قريش قد لجأ بالبيت، حتى إذا كانوا بالبيداء خسف بهم. فقلنا: يا رسول الله إن الطريق قد يجمع الناس؟ قال: نعم فيهم المستبصر والمجبور وابن السبيل يهلكون مهلكاً واحداً ويصدرون مصادر شتى يبعثهم الله على نيّاتهم» هذا لأن مجتمعهم استحق العقاب، ولكن بعض أفراده لا ذنب لهم كالمجبور وابن السبيل لذلك يهلكون كشخصية اجتماعية يخسف بها، ولكنهم ينجون كأفراد فيبعثهم الله على نياتهم. وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا أراد الله بقوم عذاباً أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على أعمالهم» (رواه مسلم) فالمجتمع فاسد يستحق العذاب، ولكن أفراده فيهم الصالح وفيهم الفاسد فلذلك يصيب العذاب ذلك المجتمع بمن فيه لأنه مجتمع فاسد، وأما الأفراد فيبعثون على أعمالهم ومصداق ذلك قوله تعالى: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً).

إذاً فالمجتمع هو شخصية مستقلة قوامها الرأي العام المتمثل في الأفكار الجماعية، إضافة إلى مشاعر الجماعة كالاستهجان والغضب عندما يخالف فرد قواعدها العامة أو يفكر بطريقة تخالف طريقتها في التفكير، ثم النظام الذي يضمن تنفيذ أفكار المجتمع ووجهة نظره في الحياة. والمجتمع يؤثر تأثيراً كبيراً في تكوين شخصية الأفراد، فالفرد الذي يعيش في مجتمعات أوروبا يختلف كثيراً عن الفرد الذي يعيش في مجتمع الأمة الإسلامية، ولذلك فإن شخصية المجتمع أقوى من شخصية الفرد، ولكن هذا لا يعني أن الفرد مسلوب الإرادة أمام الإرادة الجماعية، فالإسلام يرفض رضوخ الأفراد لرضوخ لضغوط الرأي العام الفاسد، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يمنعنَّ أحدكم هيبة الناس أن يقول الحق إذا علمه»، ويقول صلى الله عليه وسلم: «لا يكن أحدكم إمّعة يقول: إن أحسن الناس أحسنت، وإن أساؤوا أسأت» فضغوط الأعراف الفاسد لا ينبغي أن تؤثر على تكوين شخصية المسلم، ومسايرة الواقع والرغبة في قبول الناس لا ينبغي أن تكون في حساب حامل الدعوة: (وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِي عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً @ وَلَوْلاَ أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً @ إِذًا لأََذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا) فالمجتمع يضغط على الفرد كي يتأقلم معه، فيصبح حينئذ خليلاً لأفراده مقبولاً عندهم، ولكن المسلم لا يركنْ إلى ما يخالف مبدأه ولو شيئاً قليلاً، ولا يتأقلم إلا مع الوحي، فالوحي وحده هو الذي يكوّن شخصيته وليس الواقع ولا الأعراف؛ ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» فالتغيير باليد أو باللسان هو لجعل الفرد يؤثر في المجتمع ويسعى لصياغة الشخصية الاجتماعية حسب شخصيته الإسلامية، ولكنه إن عجز عن تغيير الواقع وعن التأثير في شخصية المجتمع، فجب عليه ـ في أضعف الإيمان ـ أن لا تتأثر شخصيته هو بشخصية المجتمع، فالتغيير بالقلب ليس تغييراً للمنكر بحد ذاته، ولكنه عصر الوقاية الذي يحافظ على شخصية المسلم حتى لا تتأقلم مع المنكر حين يسود، أي حتى لا يسمح للمجتمع الفاسد أن يفرض شخصيته عليه ويؤثر فيه، بل يستقل بتفكيره ومشاعره ولا يغير شيئاً من شخصيته التي صاغها مبدؤه ركوناً إلى المجتمع الفاسد أو بحجة مسايرة الواقع أو حتى بحجة مصلحة الإسلام. وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «بدأ هذا الدين غريباً وسيعود غريباً فطوبى للغرباء» صريح بكون الفرد يمكنه أن يعيش في غربة فكرية وشعورية عن مجتمعه. الفرد لا يدور مع المجتمع كما يدور السن في الدولاب، وليس هناك جبرٌ جماعي مفروض على الفرد، فالاستقلال والغربة الفكرية والشعورية صعبة ولكنها ممكنة، وليس المقصود بالغربة العزلة والعيش بعيداً عن المجتمع، فهذه ليست غربة، وإنما هي هروب، لأن الغريب لا يكون غريباً إلا بين الناس، فالذي يعيش وحيداً لا يكون غريباً لأنه لا يوجد معه من يستغربه حتى يكون غريباً، ولكن الذي يعيش بين الناس ويتعامل معهم، ولكنه يفكر بطريقة تخالف طريقتهم في التفكير، ويكون بارداً أمام ما يلهب الناس حماساً، وتأثراً أمام شيء لا يثير انتباههم، ويستهين بأمور يحسبونها هم من أعظم العظائم، ويستعظم ما يحسبونه هيّناً، ويبكي لما يضحكهم ويضحك لما يبكيهم، هذا يكون غريباً بين هؤلاء الناس، إذاً الغريب بين الناس هو من اختلفت أفكاره ومشاعره عن أفكارهم ومشاعرهم.

فالمجتمع إذاً يؤثر في الفرد، ولكن تأثيره ليس حتمياً، وأما تفكير الفرد فإنه لا يؤثر في تفكير المجتمع، وليس للفرد أي أثر في تكوين شخصية المجتمع، إلا إذا تحول تفكير هذا الفرد إلى تفكير جماعي. والمجتمع لا يصلح ولا يفسد إلا بصلاح أو فساد الرأي العام، فإذا فسد الرأي العام فقد فسدت شخصية المجتمع، وليس لفساد الفرد أي أثر في فساد المجتمع إلا إذا تحول فساد هذا الفرد إلى خرق للرأي العام وإفساد له. والأمة الإسلامية لم تهبط ولم تنحدر إلا بعد فساد أفكارها الجماعية، فأفكار الإسلام الفردية لم تُحرّفْ ولم تفسد عند الأمة: فأحكام الصلاة والصيام وأحكام التجويد وغيرها من الأحكام لا تزال موجودة محفوظة يتخرج من المعاهد والجامعات الشرعية في كل سنة الآلاف من العلماء الذين ينفقون معظم وقتهم في حفظها ورعايتها: وأما الأفكار الجماعية فهي التي فسدت عند الأمة وهي التي أدت إلى انحطاطها، فالقومية والوطنية والاشتراكية والعلمانية ومسايرة الواقع وجعل الشرع يدور مع المصلحة وإنزال الخلافة عن مستوى القضية المصيرية وفكرة أن الخلافة من ابتداع الصحابة وليست فرضاً فرضه الله وفكرة «ليس في الإسلام أحزاباً سياسية» وفكرة الخنوع والاستسلام للأقدار وغير ذلك من الأفكار الخبيثة النّتنة هي التي أفسدت الجو الجماعي وبلبلت تفكير الأمة! فهل نعي ذلك؟!! هل نعي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها؛ وكان الذين هم في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم. فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا! فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً» (رواه البخاري). إن هذا الحديث يلخص كل ما قلناه: فالمجتمع ليس مجرد أفراد، بل هناك شيء يجمعهم ولولاه لما كانوا مجتمعاً، وهو الرأي العام المنبثق عنه النظام، ويشبّهه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسفينة، ثم يصف لنا الفساد الذي يؤدي إلى هلاك المجتمع، وهو أن تخرق السفينة (الرأي العام): ففساد بعض الأفراد لا يؤدي إلى هلاك المجتمع كله لأن السفينة لا تغرف إذا مرض بعض أفرادها مثلاً أو سكروا أو غير ذلك. ولكن إذا تعدى فساد هؤلاء الأفراد فرديتهم، وتحول إلى فساد للرأي العام وانتهاك لحدود الله (أي خرق السفينة) عندها سيغرق الجميع، الصالح منهم والطالح. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الناس إذا رأوا المنكر ولم ينكروه أوشك أن يعمّهم الله بعقاب من عنده» فكلمة «إذا رأوا» تعني أن المنكر ظاهر أمام الرأي العام، وسكوت الرأي العام عنه يعني إقراره، وإقرار الرأي العام للمنكر يعني فساده، وفساد الرأي العام يعني غرق السفينة.

نسأل الله العظيم أن يعين أمتنا وأن يبصرها بقضيتها¨

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *