العدد 50 - السنة الخامسة – العدد 50 – ذو القعدة 1411هـ الموافق حزيران 1991م

الدعوة إلى الإسلام (2)

إن الإسلام هو عبارة عن معاريف أمر الله بإقامتها، ومنكرات طلب الشارع الامتناع عنها وإزالتها.

ورأس المعاريف وأعلاها هو الإيمان بالله بصورته الوحيدة، وقد طلب الله سبحانه وتعالى اعتناقه وحمله والدعوة له.

ورأس المنكرات وأعلاها هو الكفر بكل صوره، وقد طلب الله سبحانه وتعالى اجتنابه والتنفير منه والتحذير من الوقوع بحبائله، والدعوة ضده.

ثم يأتي من باب المعاريف من بعد الإيمان التقوى. وهي تتحقق بطاعة الله ورسوله، وهي ثمرة الإيمان ومكملة له وهي من مقتضياته. فتقوى الله هي اجتناب غضبه. ولا يكون ذلك إلا بالالتزام بشرع الله. وهذا الالتزام مربوط بالإيمان. فكلما قوي إيمان المسلم كلما قوي التزامه. ويضعف هذا الالتزام بضعف الإيمان. فالمسلم مأمور بالإيمان وبطاعة الله ورسوله، ومنهي عن الكفر بكل صوره وعن المعاصي بكافة أشكالها.

وإيمان المسلم وتقواه، واجتنابه للكفر والمعاصي لا يمكن أن يبقى وينتثر إلا بحمله والدعوة له، وإيجاد الكيان الذي يحفظ على المسلمين عقيدتهم وتقواهم، ويمنعهم من الوقوع بحبائل الكفر والمعصية. هذا ما دلّ عليه واقع الرسول صلى الله عليه وسلم وعمله. فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يطلب من المؤمنين معه مجرّد الإيمان والتقوى، بل كان يعمل معهم على إيجاد بيئة الإيمان والتقوى بإقامة الكيان الذي يجعل المجتمع كله يسير بنفس الاتجاه الذي يسير عليه إيمان الفرد وتقواه. وهذا ما تحقق له عندما أقام الدولة الإسلامية في المدينة المنورة.

فالمعاريف التي يجب أن توجد لا بدّ من حملها للناس والدعوة لها، وإيجاد الكيان الذي يحافظ عليها. والمنكرات التي يجب أن يبتعد عنها لا بدّ من محاربتها وملاحقتها والتنفير منها ومحاسبة مرتكبها وإزالة الكيان الذي يتسبب بوجودها، ويحمي مرتكبيها.

ولذلك لا بدّ للمسلمين من الأمر بالمعروف، ومن النهي عن المنكر. ولا بدّ أن يسبق أمرهم بالمعروف ائتمارهم به، وأن يسبق نهيهم عن المنكر انتاؤهم عنه. ولنقسم البحث إلى جانبين:

الجانب الأول وهو المتعلق بجهة الائتمار بالمعروف والانتهاء عن المنكر.

والجانب الثاني وهو المتعلق بجهة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

الجانب الأول: الائتمار بالمعروف والانتهاء عن المنكر:

فالمسلم مطلوب منه الإيمان بالله ورسوله وكل العقيدة الإسلامية، أي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر. وبكل ما جاء في الكتاب والسنة مما كان قطعياً.

فالإيمان واجب عيني على كل مسلم، وهو مطلوب بالإجمال، ومطلوب منه أن يحوز أصله. فالمطلوب منه أن يؤمن بوجود الله الخالق لكل شيء والذي ليس كمثله شيء، والذي يتصف بكل صفات الكمال ويتنزه عن كل صفات النقص وأن كان ما في هذا الكون، وما تقوم عليه الحياة ويحتاج إليه الإنسان هو من الله القدير الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء والذي لا يخرج شيء عن إرادته وعلمه. فهو وحده المعبود الحق الذي لا ملجأ إلا إليه ولا خضوع إلا له، ولا راحة إلا برضاه. فمتى حاز المسلم هذا الأصل فقد حصل الإيمان بالله. وكذلك مطلوب منه أن يؤمن بأن محمداً رسول الله جاء بدين الإسلام وحياً من عند الله وليس بعبقريته وفطنته، وأنه معصوم فيما بلّغه عن ربه. وأن يؤمن بسائر رسل الله وكتبه على وجه الإجمال وأن يؤمن بسائر رسل الله وكتبه على وجه الإجمال وأن يؤمن بالملائكة وباليوم الآخر. هذه هي أصول الإيمان فمن أقرّ بها فقد صار مؤمناً وإن فاتته التفاصيل – طبعاً ما لم يقم أو يعتقد بشيء ينقض هذا الإيمان. ولكن هذا الإيمان يقوى وزيد وهذا بالتالي يستدعي قوة الالتزام واستقامة السلوك. فالإيمان بالله يزداد ويقوى ويصبح أكثر تأثيراً في واقع الحياة وذلك بأن يكثر المؤمن من التفكّر بآيات الله الكونية والمنزّلة. فكلما فكّر المسلم في مخلوقات الله وفي دقة تركيبها وقدرة وحكمة وعلم خالقها كلما قوي إيمانه وازداد تقدسه لهذا الخالق العظيم. وكلما فكر الإنسان في أنعم الله عليه من نِعم وحاول أن يعدها وأن ينبّه حسّه إلى ما غفل منها كلما أقبل على هذا الإله الكريم حامداً شاكراً مطيعاً، وكلما فكر المسلم في نقص ما سوى الخالق وحاجته وعجزه كلما سارع إلى إفراد هذا الخالق وحده بالعبادة والطاعة والخضوع.

وكذلك الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم يقوى ويضعف فكلما ازدادت معرفة المسلم بالقرآن كلما ازداد يقينه باستحالة أن يكون هذا القرآن من عند غير الله وازداد يقينه بأن محمداً هو رسول الله. وكذلك كلما تفكر في سيرة رسول الله، وفي حياته، وما عاناه في سبيل الله، وفي مواقفه، كلما ازداد حبه لرسول الله وتعلقه بشخصية هذا النبي العظيم. وبالتالي يزداد حرصه على إرضائه وطاعته وحمل الهم الذي حمله رسول الله صلى الله عليه وسلم طيلة حياته.

كذلك الإيمان باليوم الآخر، فكلما تفكّر المسلم بأقوال يوم القيامة حيث يجعل الولدان شيبا، وحيث تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها، ويكون الناس فيه سكارى من غير شرب، بل من هول ما يحدث كلما هاله هذا المنظر الغيبي الذي أخبره الله عنه، وبالتالي صار يتجنّب فزع ذلك اليوم ويتلمس أسباب الأمن في ذلك اليوم. وكلما تفكر المؤمن بالآيات والأحاديث التي تتكلم عن الجنة وما أعدّه الله فيها للمؤمنين من النعيم المقيم والسعادة الأبدية كلما صغرت في عينيه ملذّات الدنيا وزداد شوقه إلى تلك الجنة العالية… وأيضاً كلما تفكر المؤمن بالآيات والأحاديث التي تتحدث عن النار وما أعدّه الله فيها للكافرين والآثمين من العذاب الأليم والجحيم المقيم كلما ازداد خوفه من عذابها، وهان عليه خوفه من عذاب الدنيا وآلامها وأصبح يتجنّب أسباب دخول النار ولو أدّى به ذلك إلى دخول سجون الظالمين وإلى تعريض ظهره لسياطهم. وهكذا.. فمتى انعقد القلب على الإيمان استجابت الجوارح لله طاعةً مبصرةً والتزاماً قوياً. فكلما كبرت الآخرة في عين المؤمن كلما صغرت الدنيا وصغر ما فيها. وكلما قوى الإيمان قوي الالتزام وأيّد المؤمن بالثبات على القول والعمل مهما كانت الصعوبات والمشقات.

والإيمان بالله يجب أن يصحبه كفر بكل ما عداه من أنداد مهما اتخذت هذه الأنداد من أشكال وصور، سواء أكانت أصناماً أم أفكاراً. فقد واجه القرآن عبدة الأصنام وحملة الأفكار. قال تعالى: ]قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ[ وقال تعالى: ]أَفَرَأَيْتُمْ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى * أَلَكُمْ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى[ وقال تعالى: ]وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ  يَعْلَمُونَ[.

فكل ما عدا الإيمان بالله باطل يجب أن ينبذ ويكفر به. وكما أن الإيمان يحتاج إلى نظر وتدبر، وكذلك فإن الكفر حتى ينبذ يستدعي النظر والتدبر. فالآيات السابقة تحرّك عقول الناس وتطلب منهم أن يتدبروا في واقع عقائد الكفار حتى يتيقنوا أنها باطلة وحتى يكفروا بالطاغوت حق كفره. قال تعالى: ]فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ[. فكما أن النظر والتدبر هو وسيلة للإيمان بالله فكذلك هو وسيلة أيضاً للكفر بالطاغوت. وكلاهما مطلوب من المسلم حتى يستمسك بالعروة الوثقى ويهتدي الاهتداء الصحيح.

هذا الإيمان المطلوب من كل مسلم يجعله متقيداً بحسبه. فمن آمن بالله ونبذ كل ما عداه وجد نفسه تميل إلى هذا الإله العظيم الخالق القدير، فيحبه ويخشاه ويطمع برحمته ويتعبده ويتقيد بأمره، فينشأ عند المسلم محبة ما يحبه الله وبغض ما يبغضه. ويتوجه المسلم في حياته إلى الله ليحمده على ما أنعم عليه وتفضل به له. كيف لا وهو الإنسان الضعيف العاجز المحتاج إلى من يدبِّر أمره. فلولا الله لما اهتدى، ولما استقام وصلح آمره. فباتباعه لأمر الله يحيا حياة طيبة وبإعراضه عن ذكر الله يعيش معيشة ضنكاً ويخسر الدنيا والآخرة. فالإيمان يجر حتماً إلى الالتزام والتقوى ويرتب على كل مسلم التوجه إلى الخالق لعبادته وطاعته والابتعاد عن كل ما يبغضه والحرص على الإتيان بكل ما يرضيه. فما الذي يرضي الله؟ وما الذي يغضبه؟… إن ما يرضي الله هو الطاعة وهو معاريف كثيرة حدّدها الشارع للمسلمين وطلب الالتزام بها. وما يغضبه هو المعصية وهو منكرات كثيرة أيضاً حددها الشارع وطلب الابتعاد عنها ولننتقل إلى تفصيل ذلك.

إن الناظر في الأوامر والنواهي يجد أن منها العيني ومنها الكفائي. فالفرض العيني هو الفرض الذي يجب أن يقوم به كل مكلف بعينه. فلو تركه المسلم لم يسقط عنه حتى لو قام به جميع المسلمين، ولو قام به وحده وتركه جميع المسلمين لسقط عنه وبرئت ذمّته أمام الله. وهذا يعني أنه يجب على كل مسلم أن يفتش عن كل الفروض العينية ويلتزم بها حتى تبرأ ساحته وتخلوا ذمته أمام خالق الذمم. وما يقال في الفروض العينية يقال في النواهي إذ أنها كلها عينية. وهذا يعني أن المسلم عليه أن يؤدي الصلاة ويصوم رمضان ويحج البيت الحرام حتى استطاع ويزكي متى ملك النصاب ويبرّ والديه ويأكل الحلال الطيب ويبتعد عن أكل الحرام الخبيث ويبتعد عن الزنا والكذب والغيبة… وغيرها مما يجب على المسلم أن يتحراها فيقوم بها إن كانت معروفاً ويبتعد عنها إن كانت منكراً.

وهناك فروض كفائية والمطلوب هو أن توجد هذه الفروض بغض النظر عمن يوجدها من المسلمين. فهي ليست مطلوبة من كل فرد بعينه، وإنما المطلوب أن توجد. فقد توجد بالقليل وقد توجد بالكثير. فإن لم توجد يصبح المسلمون كلهم آثمين حتى توجد. ولا يسقط الإثم إلا عن من سعى لإيجادها وتلبس بهذا السعي تلبّساً جاداً. ولا يظنن ظان أن مشاركة المسلمين له في الإثم سيخفف عنه فيتهاون بفروض الكفاية لأنه سيأتي يوم القيامة وحيداً يحمل إثمه بمفرده. قال تعالى: ]وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا[ فوقوع الأمة معه في الإثم يعزيه في الدنيا ولكنه لن يخفف عنه شيئاً في الآخرة. فليسارع كل مقصر في الفروض الكفائية التي لم توجد إلى التلبّس الجاد بالعمل لإيجادها ليبرئ ذمته أمام الله قبل أن يأتي يوم تتقلب فيه القلوب والأبصار. فالمسلم الذي آمن بالله وخاف من وعيده وطمع في وعده يهمه أن يرضي الله ويفوز بالجنة ويزحزح عن النار، هذا المسلم ينظر إلى الفرض الكفائي على أنه يجب أن يقام. فطالما أنه لم يقم بعد فإن الإثم سيناله إن لم يتلبس بالعمل على إقامته. وأما إن كان قائماً فلا حرج عليه طالما أن هناك من أقامه، فمتى تبرأ ذمة المسلم أمام الله يجب عليه أن يهتم بالفروض الكفائية اهتمامه بالفروض العينية. فمثلاً الحكم بما أنزل الله، والجهاد في سبيل الله والاجتهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كلها من الفروض الكفائية التي يجب أن يعمل المسلمون على إيجادها وإلا أثموا. فإذا فقد الاجتهاد في الأمة مثلاً فإن الجميع يأثم إلا من عمل على إيجاد مجتهدين. ووجود العاملين لإعادة الاجتهاد لا يسقط الإثم عن غيرهم طالما أن الاجتهاد لم يوجد بعد. فإذا وجد الاجتهاد سقط الحرج عن الجميع، وكذلك إيجاد الدولة الإسلامية، فإن كل قاعد عن العمل لإيجادها آثم أمام الله ووجود العاملين على إيجادها لا يسقط الإثم عن القاعدين طالما أن الدولة لم تقم بعد. وقد جاء في كتاب الفكر الإسلامي لمؤلفه محمد محمد إسماعيل تحت عنوان الفرض على الكفاية فرض على كل مسلم ما نصّه: «ولا يسقط الفرض بحال من الأحوال حتى يقام بالعمل الذي فرض، ويستحق تارك الفرض العقاب على تركه ويظل آثماً حتى يقوم بهز ولا فرق في ذلك بين فرض العين والفرض على الكفاية فكلها فرض على جميع المسلمين. فقوله تعالى: ]انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً[ فرض كفاية. وكلها طلب الفعل فيها طلباً جازماً. فمحاولة التفريق بين فرض العين وفرض الكفاية من جهة الوجوب إثم عند الله وصد عن سبيل الله، ومغالطة للتساهل بالقيام بقروض الله تعالى. أما من حيث سقوط الفرض عمن وجب عليه فإنه أيضاً لا فرق بين فرض العين وفرض الكفاية. فلا يسقط الفرض حتى يقام العمل الذي طلبه الشارع. سواء طلب القيام به من كل مسلم كالصلاة المكتوبة، أو طلب القيام به من جميع المسلمين كبيعة الخليفة. فإن كلاً منها لا يسقط حتى يقام العمل أي حتى تقام الصلاة وحتى يقام الخليفة وتحصل البيعة له. ففرض الكفاية لا يسقط عن أي واحد من المسلمين إذا قام بعضهم بما يقيمه حتى يتم قيامه. فيبقى كل مسلم آثماً ما دام القيام بالعمل لم يتم. وعلى ذلك فمن الخطأ أن يقال أن فرض الكفاية هو الذي إذا قام به البعض سقط عن الباقين، بل فرض الكفاية هو الذي إذا أقامه البعض سقط عن الباقين، وسقوطه حينئذ أمر واقعي لأن العمل المطلوب قد قام ووجد فلم يبقَ مجال لبقائه. هذا هو الفرض على الكفاية، وهو كفرض العين سواء بسواء. وعلى ذلك فإن إقامة الدولة الإسلامية فرض على جميع المسلمين أي على كل مسلم من المسلمين. ولا يسقط هذا الفرض عن أي واحد من المسلمين حتى تقوم الدولة الإسلامية. فإذا قام البعض بما يقيم الدولة الإسلامية لا يسقط الفرض عن أي واحد من المسلمين ما دامت الدولة الإسلامية لم تقم. ويبقى الفرض على كل مسلم، ويبقى الإثم على كل مسلم حتى يتم قيام الدولة. ولا يسقط الإثم عن أي مسلم حتى يباشر القيام بما يقيمها مستمراً على ذلك حتى تقوم. وجهاد الفرنسيين في الجزائر فرض على جميع المسلمين، فإذا قام أهل الجزائر بجهاد الفرنسيين لا يسقط الفرض عن أحد من المسلمين حتى يتم إخراج الفرنسيين من الجزائر ويتم انتصار المسلمين. وهكذا كل فرض على الكفاية يبقى فرضاً على كل مسلم. ولا يسقط هذا الفرض حتى يقام العمل المطلوب».

ويقول عبد الوهاب خلاّف في كتابه «علم أصول الفقه» في الصفحة 108 ما نصّه: «والواجبات الكفائية مطالب بها مجموع أفراد الأمة بحيث أن الأمة بمجموعها عليها أن تعمل على أن يؤدي الواجب الكفائي فيها. فالقادر بنفسه وماله على أداء الواجب الكفائي عليه أن يقوم به. وغير القادر على أدائه بنفسه عليه أن يحثّ القادر ويحمله على القيام به. فإذا أدى الواجب سقط الإثم عنهم جميعاً، وإذا أهمل أثموا جميعاً. أثم القادر لاهماله فرضاً قدر على أدائه وأثم غيره لاهماله حثّ القادر وحمله على فعل الواجب. فلو رأى جماعة غريقاً يستغيث ومنهم من يحسنون السباحة ويقدرون على إنقاذه، ومنهم من لا يحسنون السباحة ولا يقدرون على إنقاذه. فالواجب على من يحسنون السباحة أن يبذل بعضهم جهده في إنقاذه. وإن لم يبادر من تلقاء نفسه إلى القيام بالواجب فعلى الآخرين حثّه وحمله على أداء واجبه. فإذا أدى الواجب فلا إثم على أحد، وإن لم يؤدِ الواجب أثموا جميعاً».

وقد جاء في الموافقات للشاطبي في الجزء الأول في الصفحة 76 حول موضوع فرض الكفاية ما نصه: «فقد جاء عن مالك أنه سئل عن طلب العلم: أفرض هو؟ فقال: أما على كل الناس فلا (يعني به الزائد على الفرض العيني) لكن قد يصح أن يقال أنه واجب على الجميع على وجه من التجوز. لأن القيام بذلك الفرض قيام بمصلحة عامة. فهم مطلوبون بسدها على الجملة فبعضهم هو قادر عليها مباشرة وذلك من كان أهلاً لها. والباقون وإن لم يقدروا عليها قادرون على إقامة القادرين. فمن كان قادراً على الولاية فهو مطلوب بإقامتها، ومن لا يقدر عليها مطلوب بأمر آخر وهو إقامة ذلك القادر وإجباره على القيام بها. فالقادر إذا مطلوب بإقامة الفرض وغير القادر مطلوب بتقديم ذلك القادر».

ومتى تبيّن لنا ما هي فروض العين وما هي فروض الكفاية تبيّن لنا كيف أن المسلم حتى تبرأ ساحته أمام خالقه وديّانه عليه أن يقوم بفروض العين وأن يشارك غيرها في إيجاد فروض الكفاية.

على أن القيام بالفروض العينية له أولويات شرعية. فإذا استطاع المسلم أن يقوم بكل الفروض العينية والكفائية فهذا هو المطلوب ولا يوجد عنده مشكلة. أما إذا حصل تضارب فإن القيام بالفروض العينية مقدم على القيام بالفروض الكفائية. وإذا حصل تضارب فيما بين الفروض العينية فإن الشرع، وليس العقل، وضع أوليات لبعضها على بعض، فنفقة العيال مقدمة على سداد الدين. وسداد الدين مقدم على نفقه الحج. وصوم رمضان مقدم على صوم النذر. وصلاة الجمعة مقدمة على الوفاء بالوعد. وهكذا… وإذا حصل تضارب فيما بين الفروض الكفائية بحيث لا يمكن إقامتها جميعها فإن الشرع كذلك، وليس العقل، وضع أوليات لبعضها على بعض. وهنا يكون الميدان فسيحاً ومتشابكاً. لأن الفروض الكفائية كثيرة ومنها الصعب والباهظ التكاليف، ومنها الفرض الذي يأخذ الجهد الكبير والوقت الكثير. وهي من الكثرة بحيث لا يستطيع المسلم أن يقوم بها جميعاً. فصار لا بد من أن يقوم ببعضها دون بعضها الآخر. وما يقوم به وما يتركه لا يكون بناء على هواه ولا على تقديره العقلي أو اختياره الشخصي بل بناء على ترجيح شرعي وإعطاء الشرع الأولوية له. ويؤخذ من القرائن الشرعية التي تبين أهميته.

فمثلاً نحن حين نقرر أن إقامة الدولة الإسلامية تأتي في رأس الأولويات بين الفروض الكفائية فإنما أخذنا هذا من نصوص القرآن والسنة.

فالآيات التي توجب الحكم بما أنزل الله كثيرة، منها: ]وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ[ و]وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ[ و]وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ[ و] يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ[ و]فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ[ و]وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ[ و]أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ[. هذه النصوص وما في معناها من آيات أخرى وأحاديث يتوقف العمل بها على وجود الدولة الإسلامية التي تحكم بما أنزل الله.

والآيات التي جاءت تأمر بإقامة الحدود كثيرة والآيات التي جاءت تأمر بإقامة الحدود كثيرة منها: ]وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا[ و]الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ[ و]وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً[ و]وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا[ و]إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاَفٍ أَوْ يُنفَوْا مِنْ الْأَرْضِ[. وجاءت أحاديث كثيرة بجلد شارب الخمر وبرجم الزاني المحصن، والسن بالسن، والقصاص في الجروح، والأَرْش حيث لا يحصل القصاص، وإيقاع عقوبة التعزير حيث لم يحدد الشرع حداً. هذه الأحكام والحدود التي شرعها الله يتوقف العمل بها على وجود الدولة الإسلامية التي تحكم بما أنزل الله.

والآيات التي جاءت تأمر بالجهاد في سبيل الله كثيرة،منها: ]انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ[ و]قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ[ و]وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً[ و]وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ[ و]وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ[. فهذه الآيات وما في معناها من آيات وأحاديث يتوقف العمل بها على وجود الدولة الإسلامية التي تحكم بما أنزل الله. لقد جاءت أحاديث تقول بأن الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة لا يعطله عدل عادل ولا جور جائر. أي أن المسلم عليه أن يجاهد حين يدعو داعي الجهاد سواء كان هناك دولة إسلامية أو لم يكن. أي أن الجهاد يكون مع كل أمير بَرّاً كان أو فاجراً. ولكن هؤلاء الأمراء الفجوة لا يجاهدون ولا يأمرون بالجهاد في سبيل الله. وإذا أمروا بقتال فإنهم يأمرون بقتال المسلمين فيما بينهم. وسيستمرون على ذلك حتى ينهض رجال يؤمنون بالله واليوم الآخر ويهدموا دويلات الكفر هذه ويقيموا بدلاً منها دولة الإسلام الواحدة التي تحكم بما أنزل الله.

والآيات التي جعلت الأمة الإسلامية حاملة رسالة للعالمين وخير أمة بين الأمم، كثيرة منها: ]كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ[ و]وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ[ و]وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً[ و]وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا[. وكيف تكون العزة للمؤمنين، وكيف لا يكون للكفار سبيل على المؤمنين، وليس للمؤمنين دولة؟ وكيف يأمرون غيرهم من الأمم بالمعروف وينهونهم عن المنكر وهم في عقر دارهم قاصرون عن ذلك. إن ذلك لا يستقيم إلا بوجود الدولة الإسلامية التي تحكم بما أنزل الله.

والأحاديث الكثيرة التي تأمر المسلمين أن يكون لهم إمام يبايعونه على العمل بكتاب الله وسنة رسوله كثيرة منها: «ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية». و«من كره من أميره شيئاً فليصبر عليه فإنه ليس أحد من الناس خرج من السلطان شبراً فمات عليه إلا مات مميتة جاهلية». وقد أجمع الصحابة رضوان الله عليه على لزوم إقامة خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته. وأجمعوا على إقامة خليفة لأبي بكر، ثم لعمر، ثم لعثمان، بعد وفاة كل منهم رضوان الله عليهم والصحابة كلهم أجمعوا طوال حياتهم على وجوب نصب خليفة. ومع اختلافهم على الشخص الذي ينتخب خليفة فإنهم لم يختلفوا مطلقاً على إقامة خليفة.

وكذلك فإن ما يحتاجه المسلمون أثناء عيشهم في مجتمع إسلامي من صناعات وطب وبناء للمستشفيات وإقامة للمصانع والمختبرات وإعداد للقوة وغيرها الكثير من الفروض الكفائية، كل هذه الأمور يتوزع المسلمون فيما بينهم تأمينها. ولكن لا ينتظم هذا التأمين بحيث يتكامل تكاملاً من شأنه أن يحقق العيش الإسلامي الرغيد والقائم على عبوديته لله من جهة والإعداد والقوة للمسلمين لكي ينشروا الدعوة من جهة ثانية إلا من خلال دولة تشرف هي على إيجاد هذه الفروض إيجاداً فعّالاً ينسجم انسجاماً كلياً مع حقيقة الإسلام وغاياته.

كذلك وقد أوكل الشرع إلى الحاكم أن يجبر الناس على التزام ما أوجبه الشرع عليهم. وفي حال غياب الدولة الإسلامية تتعطل جميع الأحكام المنوطة بالحاكم. كذلك إذا أهمل الناس الأحكام المتعلقة بهم فلن يجدوا حاكماً يلزمهم بها. وبذلك تتعطل أكثر الأحكام المتعلقة بالناس وبهذا يصير وجود الدولة الإسلامية هو أساس من الأسس التي يقوم عليها الوجود العملي للإسلام في معترك الحياة. فإذا انهدم هذا الأساس وتعطلت نصوص كثيرة جداً من نصوص الإسلام. وفقد المسلمون هويتهم وعزتهم واستبيحت ديارهم، وتسلّط عليهم عدوّهم، وفشت فيهم المنكرات كما هو حاصل اليوم.

ومن عجيب الأمر أن ترى أن هناك من يقوم لإقامة الإسلام من غير أن يصب جهده على إيجاد الدولة الإسلامية.

ومن عجيب الأمر كذلك أن ترى أن بين المسلمين من لا ينظر إلى الدولة الإسلامية والعمل لإيجادها إلا على أنها حكم شرعي عادي لا يفضل ولا يقدم على غيره.

ومن عجيب الأمر كذلك أن ترى بين المسلمين من يعمل لتطبيق الأحكام الشرعية من خلال الأنظمة القائمة على حساب العمل لإقامة الدولة الإسلامية التي تقوم هي بما أناطه الشرع بها من إقامة أحكام الإسلام.

وبذلك نستطيع أن نقرر أن أهم وأوجب فرض من الفروض الكفائية هو العمل لإقامة الدولة الإسلامية التي تحكم بما أنزل الله. وهذا العمل يقوم به قسم من المسلمين. ولكن الكفاية غير حاصلة بهذا القسم لأن الدولة غير قائمة حتى الآن. وبذلك يصبح هذا الفرض الكفائي شبيهاً بفرض العين، كما تقدّم آنفاً، أي أن كل مسلم صار الآن مطالباً أن يعمل قدر استطاعته لإقامة الدولة الإسلامية.

ومن هنا فإن أدق اقتداء برسول الله وأصحه هو أن ينظر المسلم إلى الواجبات العينية التي أوجبها الله عليه وأن ينظر إلى المحرمات – وهي كلها عينية – التي حرمها الله عليه ثم ينظر إلى الواجبات الكفائية التي أمر الله بإيجادها ليقوم بها أو يشارك في القيام بها قدر استطاعته. وبعد النظر هدانا الله لأهم فرض كفائي، وهو العمل لإقامة الدولة الإسلامية التي هي الطريقة لإقامة غالبية أحكام الإسلام من عينية وكفائية.

والمسلم بهذا يكون قد حضر نفسه ليوم الحساب عندما يُسأل عما قدم وأخّر. فهو قد قام بالفروض العينية وانتهى عن المحرمات – وكلها عينية – وقام بالواجب الكفائي الأول الذي بقيامه فيه يسقط عنه كل الفروض المتعلقة فيه وما أكثرها. وبهذا يكون المسلم قد أمسك بالحقيقة من كل أطرافها. فقام بما يقيم الإسلام في المجتمع وهو إن بقي عليه شيء لم يقم بعد فلا يعدو القليل من الفروض الكفائية والتي طبيعة قيامها تكون فردية وليست جماعية. ومن مثل رد السلام وتشميت العاطس والصلاة على الميت.

وبحث الائتمار بالمعروف والانتهاء عن المنكر هذا يجرنا إلى بحث العلم بالمعروف والعلم بالمنكر، فالعلم يسبق الائتمار والانتهاء. ولا ائتمار ولا انتهاء إلا بعلم. فما هي حدود العلم المطلوب شرعاً من المسلم؟

من بديهي القول أن يسبق العملَ. وأن يكون العمل بحسب العلم الشرعي. وإلا لما كان العمل عبادة. فالله سبحانه وتعالى طلب من المسلمين القيام بالمعاريف، فلا بد من معرفتها حتى يقام بها. وكذلك طلب منهم أن ينتهوا عن المنكرات، فلا بد من معرفتها حتى يُنتهى عنها.

فالعبادة والطاعة والتقيد هي الأصل والعلم لازم لها ومن أجلها. فليس العلم مطلوباً لذاته وإنما لأجل العبادة والطاعة. قال تعالى: ]وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ[. وكما يقول عبد الله بن المبارك رحمه الله: «طلبنا العلم لأجل العلم، فأبى العلم إلا أن يكون لأجل الله». فالعبادة والطاعة هما المقصودان، والعلم بهما يتحقق بحده الأدنى وهو التقليد ويتحقق بحده الأعلى وهو الاجتهاد. وفي كليهما خير طالما التقيد قد وجد والطاعة قد تحققت. فمن صلى محافظاً على أركان صلاته وشروطها مبتعداً عن مبطلاتها فقد قام بالعبادة وأدى ما هو مطلوب، ولكن كون قيامه بالعبادة لم يكن عن اجتهاد وتتبع فقد فاته خير كثير: خير العلم الذي يرفع الله به المسلم درجات. فقد قام بالعبادة مقلداً يأخذ الحكم ممن عنده علم وتقوى وورع بنظره. فيغلب على ظنه أن ما يقوله هذا العالم هو الأصوب والأقرب إلى طاعة الله. وكذلك من صلى اتباعاً أي أخذ الحكم عن غيره ولكن مع معرفة الدليل، فهو أيضاً مقلد. ولكن أفضل حالاً من العامي الذي يأخذ الحكم دون دليله. وكلاهما قد أخذ الحكم من غيره وحقق الطاعة والعبادة، أما المجتهد فهو أحسن حالاً وأفضل مآلاً وأرفع درجات. فهو يأخذ الحكم الشرعي بنفسه ويفتش عن الأدلة ويستنبط منها حكم الله في حقه.

أما الحكم الشرعي فهو أنه يجب على كل المسلم بالغ عاقل أن يتفقه في الدين الأمور التي تلزمه في الحياة لأنه مأمور أن يسيّر أعماله كافة بأوامر الله ونواهيه. ولا سبيل إلى ذلك إلا بمعرفة الأحكام الشرعية المتعلقة بأعماله. وعلى ذلك يكون التفقه في الدين للأحكام اللازمة للمسلم في معترك الحياة فرض عين لا فرض كفاية. وما زاد على ذلك فهو مستحب بالنسبة له. فهو إن صلى وجب عليه معرفة كيفيتها وإن بلغ ماله النصاب وحال عليه الحول ووجبت عليه الزكاة كان عليه معرفة ما يؤديه وبالمقدار الذي يملكه. فإن كان ماله ذهباً أو فضة كان عليه أن يتعلم كيفية تأديتها ولمن تؤدى ولا يضره عدم معرفة أحكام الزكاة المتعلقة بالثمار والمواشي. وإن علمها فقد استزاد من الخير وله أجره. وإن قام يعمل لإقامة الدولة الإسلامية كان عليه أن يتعلم ما يقيم به هذه الدولة. وهكذا فإن كل فرض تعلق بذمته، تعلّق تبعاً له العلم به.

وبهذا يستطيع المسلم إن تأمّن له ذلك أن يطمئن لصحة إيمانه واستقامة التزامه.

فهو إن صفت نيّته لربه وهُدِيَ إلى صواب العمل فإنه سيجد رباً رحيماً يقبل منه عمله. وينجّيه من يوم الحساب برحمته وبذلك يكون قد تأمن الجانب الأول من بحثنا وهو بحث الائتمار بالمعروف والنهي عن المنكر.

ويتبع الجانب الثاني من هذا البحث، وهو بحث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر¨

يتبع

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *