العدد 32 - العدد 32 – السنة الثالثة – جمادى الأولى 1410 هـ الموافق كانون الأول 1989م

أوزال والصلاة في مواجهة العلمانيين

للمرة الأولى في تاريخ تركيا ما بعد هدم الخلافة يقوم رئيس الدولة بأداء صلاة الجمعة، فبعد نجاح أوزال في الانتخابات الرئاسية لمنصب رئاسة الجمهورية تساءل العلمانيون عن نية أوزال في الاستمرار في أداء صلاة الجمعة رغم وصوله للمنصب الأول في الدولة العلمانية والذي يفترض في شاغله (حسب الدستور العلماني) أن يكون علمانياً.

ففي الثاني من شهر تشرين الثاني 1989 قام أوزال بعملية تضليل للصحافيين حين أوقف ثلاثة سيارات أمام المداخل الثلاثة لقصره، وحرك إحداها وتبعها الصحافيون لكنه كان في الأخرى وتسلل من باب آخر للقصر وذهب للصلاة في جامع «كوجه تبة» بأنقرة ودخل من بابه الخلفي وجلس في المقدمة، وكان برفقته رئيس بلدية أنقرة السابق، ووزير الداخلية، ووزير دولة سابق، وعضو مجلس الشعب عن مدينة قونية، وأحد أبرز المرشحين لرئاسة الحزب الحاكم وهو وزير المالية، وعقب الصلاة خرج أوزال من الباب الأمامي للجامع وشق طريقه بصعوبة وسط المصلين الذين هتفوا: الله أكبر، الله أكبر، واستعان الإمام (بميكرفون) المسجد لمخاطبة المصلين الذين تزاحموا لمصافحة أوزال لكي يفسحوا له الطريق للخروج ولوحظ فرحاً ودموعاً تغمر وجوه المصلين الذين شاهدوا لأول مرة رئيس للأتراك يؤدي صلاة الجمعة منذ سقوط الخلافة عام 1924م.

وكان الصحافيون قد سألوا أوزال قبل صلاة الجمعة بعدة أيام: هل ستصلي الجمعة بعد أن أصبحت رئيساً للجمهورية ورمزاً للدولة العلمانية؟ أجاب أوزال أنه يصلي طوال حياته وأن وصوله لمنصب رئيس الجمهورية لن يمنعه من أداء الصلاة، وتابع قائلاً: أعرف أنكم ستتبعوني يوم الجمعة حين خروجي للصلاة إلا أنني سأفكر في حلٍ للإفلات منكم.

أما العلمانيون واليساريون فلم يروقهم ذلك وقامت صحفهم بحملة عنيفة وساخرة ضد الإسلام من خلال الاستهزاء بالمسلمين وبتصرفات أوزال التي تذكر بعصر الخلافة، وكنموذج على ذلك نقتطع بعض ما نشرته صحيفة «الجمهورية» اليسارية حيث قال المعلق اليومي في مقال له: «في أيام الدولة العثمانية (يعني دولة الخلافة) كانت هناك مراسيم تحية صلاة الجمعة وذلك بوقوف جماهير الشعب على الطريق الموصل للمسجد حيث يمر الخليفة بين الناس راكباً الخيل ثم تغير ذلك أيام السلطان عبد الحميد الذي كان يركب سيارة.. إن هذه المراسم كانت تدل على تربع النظام الديني في الدولة. وقد ألغي ذلك مع قيام الجمهورية التركية الحديثة. ويلاحظ أن الخليفة تورغوت خليل أوزال ينوي إعادة هذه المراسم. ولكن كيف ستكون هذه المرة؟ وذهابه إلى الجامع كل جمعة سيتحول بالضرورة إلى نظام المراسم العثمانية في صلاة الجمعة، سواء وضع أرقاماً خاصة على سيارته أو وضع أرقام رئاسة الجمهورية.. إن الناس سيصطفون (بالقباقيب) وهم يصفقون لرئيس الجمهورية قائلين حظك كبير وطريقك مفتوح ولا تتكبر يا سلطاني هناك رب أكبر منك.. إن محاولة تخريب أسس الجمهورية التركية مرادفة تماماً مع تحويل عبادة الله إلى مظاهرة سياسية واستخدام المشاعر الدينية كوسيلة سياسية فهل سيُستخدم قصر سُنقايا أيضاً في سبيل هذا الغرض، وإذا كانت مراسم الجمعة أيام العثمانيين خاصة بالخليفة الذي كان يأخذ سلطته من الدولة. فمن أين سيأخذ أوزال سلطته؟ فهي ليست من الله، وليست قطعاً من الشعب إذن تورغوت أوزال في طريق خاطئ والجمهورية التركية في اضطراب.

والوعي لم تورد هذه الأمور من باب الفرحة الشديدة بموقف أوزال، ولكن لتسليط الضوء على مخاض يعيشه مسلمو تركيا تماماً كباقي أجزاء العالم الإسلامي، وفي ظل وضع كهذا وجد المسؤولون الأتراك أنفسهم مضطرين لمسايرة الناس، فإذا صلى أوزال وحجّ فذلك فرض يؤديه تجاه خالقه، ولا ننكر أن موقفه هذا خطوة جريئة ومسمار دق في جسم الدولة العلمانية التي بناها أتاتورك، لكنه ليس لبنة أولى في بناء دولة الخلافة، لأن سلوكه هذا لا يختلف عن سلوك الملك الحسن الثاني أو فهد بن عبد العزيز أو حسني مبارك أو زين العابدين بن علي، فهل سلوك هؤلاء الملوك والرؤساء يبشر باقتراب إعلانهم إقامة دولة الخلافة؟ خصوصاً وأننا نقرأ تصريحاً لأوزال نشرته مجلة تركية تدعى ملّلى جازينا يقول فيه «إن الإسلام هو عنصر تهديد للغرب ولتركيا بشكل خاص وإن على الحكومة محاربة التيارات الإسلامية».

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *