العدد 51 - السنة الخامسة – العدد 51 – ذو الحجة 1411هـ الموافق تموز 1991م

سؤال وجواب

السؤال:

في حفلات الأعراس يحصل اختلاط بين النساء والرجال الأجانب. ويحصل غناء ورقص وموسيقى. ويحصل طواف بالسيارات وتزمير وإطلاق نار. فهل هذه الأمر مشروعة؟

الجواب:

في الأعراس، هذه الأيام، تحصل أمور مشروعة وتحصل أمور غير مشروعة. في بعض الأعراس يشربون الخمور وهذا حرام. وفي بعضها تكون عورات النساء بارزة، بل إن غالبية الأعراس تكون فيها نساء متبرجات وكاشفات عوراتهنّ، كما هو الحال خارج الأعراس في أكثر نواحي المجتمع، وهذا شيء حرام. والحرام في مثل هذه المواقف هو على المتبرجات الكاشفات لعوراتهن، وليس على جميع من يحضر العرس. ولكن على من يحضر العرس أن يظهر عليه أنه غير راض بالمنكر، وذلك بأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، أو بأن يبدو منه عدم رضاه بأسلوب من الأساليب، أو بأن ينسحب من العرس. فإن بدا عليه رضاه بالمنكر كان آثماً (وهذا يشمل الأعراس وغيرها). فما يحصل من الرقص المختلط أو الدبكة المختلطة بين النساء والرجال الأجانب حرام.

هناك حالات محددة أجازت النصوص فيها الاختلاط والغناء (دون تبرج ودون كشف عورات) من هذه الحالات حالة إهداء العروس للعريس (أو ما يسميه بعضهم بزفّة العروس)، فقد ذكر ابن قدامة في المغْني ج 5/ ص 538 ما يلي: (وعن عائشة أنها زوجت يتيمة رجلاً من الأنصار وكانت عائشة فيمنن أهداها إلى زوجها. قالت فلما رجعنا قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما قلتم يا عائشة؟» قال: سلمنا ودعونا بالبركة ثم انصرفنا. فقال: «إن الأنصار قوم فيهم غزل، ألا قلتم يا عائشة: أتيناكم أتيناكم فحيانا وحياكم» رواه ابن ماجه في سننه) وهناك رواية أخرى لهذه الأغنية مثل: «أتيناكم أتيناكم فحيونا نحييكم، لولا الذهب الأحمر ما حلت بواديكم، ولولا الحنطة السوداء الحنطة السوداء ما سرت عذاريكم». وفي رواية البخاري: «يا عائشة ما كان معكم من لهوٍ فإن الأنصار يعجبهم اللهو».

فعندما تأخذ النساء العروس للعريس ويغنين أمامه وغالبيتهن أجنبيات عنه، وربما يكون عنده بعض الرجال من ذويه فإن الاختلاط حاصل لا بد، والغناء مشروع بل مندوب في هذه الحالة.

وبدل أن يأخذ النساءُ العروس إلى بيت العريس قد يحضر الرجال إلى بيت العروس ويأخذونها إلى بيت العريس، ويحصل في هذه الحالة غناء واختلاط.

وأثناء نقل العروس إلى بيت العريس، (وقد يحصل هذا مشياً وقد يحصل على فرس وقد يحصل في سيارة أو غير ذلك) أثناء هذا الانتقال ترتفع الأصوات وقد تطلق النار ومزامير السيارات، ولك هذه الأمور مشروعة بل مندوبة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فصل ما بين الحلال والحرام الدُّفُ والصوت في النكاح» ولقوله صلى الله عليه وسلم: «أعلنوا هذا النكاح واضربوا عليه بالغربال».

قال الشوكاني في نيل الأوطار ج 6/ ص 188: (عن عامر بن سعد قال: دخلت على قرظة بن كعب وأبي مسعود الأنصاري في عرس «وإذا جوار يغنين فقلت: أي صاحبيْ رسول الله صلى الله عليه وسلم أهلَ بدر يُفْعَلُ هذا عندكم؟ فقالا: أجلس إن شئت فاستمع معنا وإن شئت فاذهب فإنه قد رخص لنا اللهو عند العرس» أخرجه النسائي والحاكم وصححه وأخرج الطبراني من حديث السائب بن يزيد: «أن النبي صلى الله عليه وسلم رخّص في ذلك» قوله الدُّف والصوت، أي ضرب الدف ورفع الصوت) وقال الشوكاني أيضاً ج 8/ ص 105: (باب ضرب النساء بالدف لقدوم الغائب وما في معناه وذكر ثلاث حالات: الأعراس، وقدوم الغائب والعيد. واستدل بالأحاديث المار ذكرها بالنسبة للأعراس وهناك أحاديث تنص على الضرب بالدف والغناء عند القدوم من السفر وأحاديث في العيد [أنظر نيل الأوطار ج 8/ ص 105 106].

وقد جاء في كتاب (الفقه على المذاهب الأربعة) للجزيري ج 4 / ص 9: (ولا يكره زفاف العروس إلى زوجها، وهو أن يجتمع النساء ويهدوا الزوج إلى زوجها. والمختار أن ضرب الدف والأغاني التي ليس فيها ما ينافي الآداب جائر بلا كراهة ما لم يشتمل كل ذلك على مفاسد كتبرّج الأجنبيات أمام الرجال).

ومن الحالات التي يجوز أن يجتمع الرجال والنساء فيها وقت الطعام في العرس أو غيره. ففي غير العرس أخرج النسائي عن عائشة قالت: «كنتُ آكل مع النبي صلى الله عليه وسلم حَيْساً في قعب فمرّ عمر فدعاه فأكل فأصاب أصبعه إصبعي فقال: حس أو اوه لو أُطاعُ فيكنّ ما رأتكنّ عين». أما الاجتماع للطعام في العرس فقد روى أصحاب الصحاح وأصحاب السنن أنه لما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينبَ بنت جحش أشبعَ الناسَ خبزاً ولحماً. وصنعت أم سليم حَيْساً وأرسلته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أنس بن مالك: «البيت والصُّفة والحجرة ملأى من الناس». روى البخاري عن أنس بن مالك قال: «لما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش دعا القوم فطعموا ثم جلسوا يتحدثون. فإذا هو يتهيأ للقيام فلم يقوموا. فلما رأى ذلك قام. فلما قام، قام من قام وقعد ثلاثة نفر. فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ليدخل فإذا القوم جلوس». وفي الرواية الأخرى عند مسلم وغيره: «وتخلف رجال يتحدثون في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم التي دخل بها معهم مولية وجهها إلى الحائط فأطالوا الحديث فشقوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أشد الناس حياءَ». وقد ذكر ابن حَجَر في فتح الباري ج 8/ ص 428: (وزينب جالسة في جانب البيت. قال: وكانت امرأة قد أعطيتْ جمالاً وبقي في البيت ثلاثة نفر)، وهذا واضح أن الوليمة كانت في البيت وأن العروس (زينب) كانت مع الرجال في البيت. والذي أزعج رسول الله صلى الله عليه وسلم وآذاه ليس حضور الرجال مع النساء، وقت الطعام في البيت، بل الذي آذاه هو مكوثهم في البيت بعد الطعام. وقد نزلت بسبب ذلك آية الحجاب، فنهت عن المكوث بعد الطعام ونهت عن انتظارهم وقت الطعام فلينتشروا، وأمرتهم أن لا يسألوا نساء النبي شيئاً إلا من وراء حجاب. وأمرت نساء النبي أن يحجبن أنفسهن عن غير محارمهن: يحجبن وجوههن وأيديهن (بلا خلاف حسب قول عياش)، وشكل أجسامهن (مع خلاف) إلا للضرورة كالخروج لقضاء الحاجة. وهذا النوع من الحجاب المشدد فُرض على نساء الرسول صلى الله عليه وسلم وحدهن وليس على جميع نساء المسلمين. وآية الحجاب هذه هي قوله تعالى من سورة الأحزاب.

]يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِ مِنْكُمْ وَاللَّهُ لاَ يَسْتَحْيِ مِنْ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ[ الآية.

وقد كان نزول هذه الآية في شهر ذي القعدة من السنة الخامسة للهجرة. وحين فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر في محرم من السنة السابعة للهجرة وأخذ صفية بنت حيي بن أخطب قال المسلمون: لننظر فإن حجبها فهي من نسائه وإن تركها دون حجاب فهي ملك يمينه. فأردفها صلى الله عليه وسلم خلفه وألقى عليها رداءه، أي حجبها، فعرفوا أنها صارت إحدى زوجاته رضي الله عنها. فنقهم من ذلك أن الحجاب هذا خاص بنساء النبي صلى الله عليه وسلم دون نساء المؤمنين.

أما الغناء الجائز فليس مقتصراً على ما قال الرسول صلى الله عليه وسلم لعائشة: «أتيناكم أتيناكم…» الحديث بل صيح أن يكون كلاماً مما يندرج تحت عبارة «العزل» أو عبارة «اللهو» لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ذكر الكلمتين لعائشة. ويصح أن يكون في الغناء ذكر الحبيب ووصف جمال الجسم وذكر الخمرة إذا كان ذلك لا يؤدي إلى الحرام، فإذا كان يؤدي إلى الحرام يصبح حراماً بموجب قاعدة «الوسيلة إلى الحرام حرام».

وإذا راجعنا قصيدة «بانتْ سعاد… » التي ألقاها الشاعر كعب بن زهير في المسجد أمام الرسول صلى الله عليه وسلم نجد فيها ذكر الحبيب ولوعة الحب، ونجد فيها وصف محاسن الجسم حين يقول:

بانتْ سعادُ فقلبي اليومَ متْبولُ             مثتيَّمٌ إِثْرَها، لَمْ يُفْدَ مكْبولُ

وما سعادُ غداةَ البيْن إذْ رَحَلوا             إلا أَغَنُّ غَضيضُ الطرْفِ مكْحولُ

هيفاءُ مُقْبلةً عَجْزاءُ مُدْبِرَةً                  لا يُشْتكى قِصَرٌ منها ولا طولُ

ثم هو يصف أسنان الحبيب وريقه الحلو بالخمرة حين يقول:

تجلوا عَوارِضَ ذي ظَلْمِ إذا ابتسمتْ                كأنه مُنْهَلٌ بالراح مَعْلولٌ

كل هذه الألفاظ ألقاها بحضرة الرسول صلى الله عليه وسلم في المسجد ولم يمنعه الرسول صلى الله عليه وسلم من ذلك ولم يؤنّبه، وكل ما قاله له حين انتهى من إلقاء قصيدته الطويلة: «لولا ذكرتَ الأنصارَ بخيرٍ فإنهم لذلك أهل».

إذاً فالألفاظ في الشعر والغناء من النوع المذكور أعلاه ليس قولها حراماً ولا سماعها حراماً ولا كتابتها وتناقلها حراماً. ولكن إذا قيلت في ظروف معينة وبشكل معين يوصل إلى الحرام تصبح عند ئذٍ حراماً¨

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *