العدد 51 - السنة الخامسة – العدد 51 – ذو الحجة 1411هـ الموافق تموز 1991م

نصيحة لأهل الجزائر

في الجزائر الآن تيارات فكرية وسياسية تتصارع على السلطة أبرزها تياران: تيار إسلامي ينادي بإقامة الدولة الإسلامية وإعادة الحكم بالشرع الإسلامي، وتيار علماني يحاول الإبقاء على الأنظمة الوضعية.

ونريد أن نذكّر أولاً دعاة العلمانية: أنتم مسلمون وجزء من الأمة الإسلامية وتؤمنون بأن محمداً r رسولُ الله وتؤمنون بأن القرآن الكريم من عند الله، وتؤمنون بأن الشريعة التي أنزلها الله هي أحسن وأرحم وأصلح لوضع البشر من الشرائع التي يضعها البشر، فلماذا تناقضون عقيدتكم هذه وتتركون ما أنزل الله وتلهثون وراء قوانين البشر؟! لا شك أن هذه لوثة أصابتكم جرّاء تأثركم بأفكار الغرب وحضارة الغرب، فأفيقوا وعودوا إلى الحق المبين، واتعظوا بقول رب العالمين: ]اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ[.

ونعود الآن إلى دعاة الإسلام، وفقهم الله وسدد خطاهم، سواء كانوا في جبهة الإنقاذ الإسلامية أو في غيرها من الحركات الإسلامية، ونريد أن نذكّرهم بما يلي:

1- اعرفوا من هو خصمكم الحقيقي: أنتم كحركات إسلامية ليس بعضكم خصماً لبعض. ولا ضرر إذا كانت بينكم خلافات فقهية ما دامت مأخوذة من دليل شرعي بناء على اجتهاد شرعي، فالخلافات بين المذاهب أمر طبيعي، أنتم يجب أن تساعدوا بعضكم البعض الآخر. واحذروا من أن يوقع الكفار العداوات فيما بينكم.

وليست الحركات التي تدعو إلى العلمانية هي خصكم الحقيقي. عدوكم الحقيقي هو الدول الكافرة المستعمرة. عدوكم هو الكافر الذي يريد أن يسيطر عليكم ويبعدكم عن دينكم. دُعاة العلمانية من شعبكم هم جزء من المسلمين المضلّلين، فلا تعاملوهم معاملة العدو، بل معاملة الأخ الضال. حاولوا هدايتهم وإنقاذهم وإعادتهم إلى الحق ولا تحاولوا معاداتهم، لأنكم إن فعلتم تكونون قد دفعتموهم دفعاً إلى موقع العدو الكافر، وتكونون حققتم عرضاً من أغراض العدو الكافر وهو جعل الخصومات بين المسلمين أنفسهم وليس بينهم وبين الكفار.

ومن هذا المنطلق نقول: إياكم مقاتلة الجيش حتى لو أرادت السلطة أن تقاومكم بالجيش. جيش الجزائر هو أولادكم، هو قوتكم وساعدكم، هو منكم ولكم، ولا تقاتلوا قوى الأمن الداخلي فهي أيضاً من أولادكم ومنكم ولكم. ولا تقاتلوا أحزاباً أو مجموعات من أهل البلاد حتى لو دُفِعت للاصطدام معكم. وحذوا درساً مما عملته أميركا في لبنان، ومما عملته وتعمله في العراق الآن من مذابح بين الأكراد والعرب أو بين السنة والشيعة، أو بين السلطة والشعب. دول الغرب خبيثة جداً وماهرة جداً في إيقاد العداوات وإشعال الفتن.

2- احذروا من أن يسخروكم وأنتم لا تشعرون: نحن يغلب على ظننا أن أميركا تريد أن تعيد صياغة الوضع السياسي في الجزائر. ويبدوا أن أنجح الطرق، في نظرها، لهذه الصياغة هي إيقاع الصدامات المسلحة فيما بين أهل الجزائر، وتحريك الحزازات العرقية والحزبية والفكرية، حتى إذا أنهكت البلد جاءت لتصوغه حسب مصالحها ومخططها الاستعماري الذي يشمل المنطقة كلها. وستتصل أميركا (وغيرها من دول الاستعمار) عن طريق عملائها بقادة الحركات لتجعلهم يسيرون معها، فإن رفضوا فهي تحاول أن تفرض ظروفاً تجعلهم يسيرون في مخططها من حيث لا يعلمون. فعليكم يا قادة الرأي في الجزائر أن تكونوا على وعي تام على الأساليب الخبيثة لأميركا وبقية دول الغرب.

3- لا يكفي رفع شعار الدولة الإسلامية: أنتم على أبواب انتخابات نيابية ثم رئاسية، وأنتم تتوقعون أن يؤيدكم الشعب بغالبيته الساحقة كما فعل في 12/06/90 في انتخابات البلدية والولايات. ولنفرض أن ما تتوقعونه حصل، أي صارت غالبية المجلس معكم وصارت رئاسة الدولة بيدكم، وأصبحتم السلطة في البدل. فهل عندكم برنامج عملي واضح لتسيير دفة الحكم، وأين هو هذا البرنامج؟ مثلاً في الحقل الدولي: هل ستبقون عضواً في هيئة الأمم المتحدة أو ستنسحبون منها، وهو ستبقون جزءاً من النظام الدولي: مجلس الأمن الدولي، محكمة العدل الدولية، البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، والمنظمات الدولية. وماذا ستفعلون بالاتفاقات الدولية والإقليمية المعقودة بين الجزائر وغيرها؟ وهل ستبقون في الجامعة العربية. وهل ستبقى السفارات والعلاقات بين الجزائر وغيرها كما هي؟ وفي الحقل الاقتصادي: هل ستتابعون الاقتراض من الدول الغربية بالشروط الحالية، وإذا فرضت الدول الغربية عليكم حصاراً كما فرضت على العراق مثلاً كيف ستتصرفون؟ وفي الحقل الداخلي: هل ستتركون الأحزاب العلمانية أو ستمنعونها، وأي مذهب ستطبقون في الفقه الدستوري أو فقه المعاملات؟ وهل ستكون دولتكم الإسلامية هي دولة للجزائر فقط أو هي دولة لجميع المسلمين (دولة خلافة)، وهل ستعترفون بالحكومات القائمة في البلاد الإسلامية. وهل سيكون لمجلس النواب دور في التشريع أو أن التشريع سيكون عن طريق أهل الاجتهاد وتبني رئيس الدولة فقط؟

لا يكفي أن نقول: نريد إقامة الدولة الإسلامية. إن رسم صورة واضحة للدولة الإسلامية الآن ليس أمراً سهلاً. لقد هُدمت الدولة الإسلامية قبل نحو سبعين عاماً. وكانت قبل نحو قرن من هدمها شبح دولة إسلامية ولم تكن دولة إسلامية بكل معنى الكلمة. فالذي يريد إقامة دولة إسلامية الآن سيجد السبيل وعراً جداً. وهذا يتطلب إعداداً دقيقاً قبل إقامتها. إنه يتطلب إعداداً دقيقاً ليس للقيادات (الكوادر) فقط، بل للناس في المجتمع بالإضافة إلى القيادات. فأين هو مشروع الدستور، وأين هي مشاريع القوانين التي أعددتموها وطرحتموها على الناس كي يناقشوها ويفهموها ويروا أدلتها وأنها من الشريعة الإسلامية؟ أرسلوا لنا شيئاً من ذلك إذا كان عندكم كي نساعدكم، ونأمل أن تسارعوا في الإعداد إذا لم تكونوا أعددتم بعد.

لا يكفي أن تكون برامج الحكم في ذهن القائد وأذهان مساعديه فقط، بل يجب أن تكون مجسدة في الحركة كلها التي تدعو لإقامة الدولة الإسلامية، لأن طاعة القائد في الإسلام هي طاعة واعية، فإذا أمر بمعصية فلا طاعة له. وطاعة الأمير هي طاعة لله، فيجب على الأمير أن يبسط الأفكار والبرامج التي يعمل لها ويأمر أتباعه بها كي يتأكدوا أنها شريعة حتى تصبح طاعته طاعة لله ومعصيته معصية لله. وكذلك يجب عليه أن يبسط ذلك للشعب كله، فالمسألة مسألة أحكام شرعية وليس مجرد زعامة شخصية.

4- لا تركنوا إلى الانتخابات: نحن نشك أن تسمح الدول الغربية بإقامة الدولة الإسلامية عن طريق الانتخابات. الدول الغربية أجهدت نفسها قروناً من أجل هدم الخلافة وإزالة الدولة الإسلامية، ولا يستطيع عاقل أن يصدق أن هذه الدول تسكت الآن على عودة الدولة الإسلامية فكبّروا عقولكم أيها المسلمون، سواء كنتم في الجزائر أو في غير الجزائر. ورحم الله شوقي: «… حتى أخذنا إمْرةَ الأرض اغتصاباً»، «… ولكن تؤخذ الدنيا غِلابا». إذا كانت دول الغرب تعترف بالديمقراطية فهي تعترف بها لشعوبها في بلادها، ولا تعترف بها لبقية الشعوب، وإذا زعمتْ ذلك فهي كاذبة. إنهم مخادعون حين يتحدثون عن حقوق الإنسان وحرية الشعوب. دول الغرب تتبع فلسفة ميكيافلي، تتظاهر بالإنسانية والرحمة وهي أوحش من الوحوش. وقد رأينا كيف أن أميركا قد دمرت العراق والخليج وجمعت أموال العالم وساقت الأمم المتحدة وسخّرت القوانين الدولية بحجة الدفاع عن الكويت. ووالله إنها لكاذبة، والدول الكبرى التي شاركتها تعلم أنها كاذبة. هذه الدول تعاونت على ضرب العراق حين رأت أن قوته تجاوزت حداً معيناً مسموحاً به، مع أنه دولة علمانية من جنس دول الغرب. فهل تسمح أميركا (وبقية دول الغرب) عن طيب خاطر منها بقيام دولة إسلامية تعيد مجد الإسلام وتحرر البلاد الإسلامية من استعمار الغرب، وتحمل رسالة الإسلام من جديد لهدم وثنية الغرب الحديثة: وثنية الإيدز والخمر والربا والقمار. وثنية الاستعمار ومص دماء الشعوب، وثنية الزنا والهيروين… هذه الوثنية التي يسمونها الحضارة الغربية؟

5- الاشتراك في الحكم الحاضر: هناك  إغراء قد تتعرضون إليه هو أن يعرضوا عليكم عدداً من الوزارات. فإذا شاركتم في النظام العلماني، وهو نظام كفر، تكونون قد ارتكبتم الحرام. وعند النجاح تتعاونون في اقتسام السلطة. مثلاً لنفرض أن أحمد بن بله (علماني) عرض على عباس مدني رئيساً للحكومة وتكون الوزارات الأساسية لجماعة مدني، على أن يكون تطبيق الإسلام بالتدريج. إذا حصل مثل ذلك فإنه سيكون ضربة قاصمة للعمل الإسلامي، إذ سيتم تنفيس الاندفاع الإسلامي في بضع وزارات وبضع مناصب. فإياكم، يا دعاة الإسلام، والسقوط في مثل هذه المهالك.

6- إياكم والفتاوي التي تتبع الهوى: حين يشاهد المسلمون قوة عدوهم وضعف حالهم يصيبهم اليأس، ولا تعود هممهم ترتفع نحو المعالي. ويَقنَعون بأقل من القليل. فإذا سألتَ أحد علماء المسلمين عن الاشتراك في الوزارة بقصد تسخيرها لخدمة الإسلام والمسلمين، فإنه، غالباً، لا يقول لك: هذا اشتراك في حكم كفر وهو حرام، بل يقول لك: لا بأس، ما دامت غايتك حسنة. غالبية علماء المسلمين اليوم هم جنس المسلمين في اليأس، ولذلك لا تصدر فتاويهم عن علمهم وحده، بل تصدر عن يأسهم وتأثرهم بالواقع السيئ ويسخّرون العمل لتبرير الفتوى الخاطئة.

فلا تأخذوا بفتاوي الاشتراك في أنظمة الحكم غير الإسلامية.

ولا تقبلوا بالتطبيق التدريجي للشرع الإسلامي إذا أخذتم الحكم كله.

ولا تعتمدوا على القروض المالية الرأسمالية إذا صار الحكم بأيديكم.

ولا تسمحوا ببقاء أفكار الكفر في المجتمع بحجة الديمقراطية.

ولا تظلوا جزءاً من النظام الدولي أو الإقليمي.

ولا تنخدعوا ببهارج المجتمعات الغربية ولا بإعلام الدول الغربية أو غير الغربية.

] يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ[ ¨

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *