العدد 53 - السنة الخامسة – العدد 53 – صفر 1412هـ الموافق أيلول 1991م

الدعوة إلى الإسلام (5)

بعد المقدمات السابقة نعود، إلى موضوع البحث وهو تحديد الأعمال المطلوبة شرعاً، والمراحل التي يجب السير بحسبها لإقامة دار الإسلام.

ولنقسم البحث قسمين:

قسم نتناول فيه منهج الرسول صلى الله عليه وسلم في التغيير.

وقسم نتناول فيه منهج الجماعة أو الحزب في العمل للتغيير وذلك بعد التأسي بمنهج الرسول صلى الله عليه وسلم.

القسم الأول:

حين بُعِث صلى الله عليه وسلم صار يدعو الناس، فآمن به من آمن، وكفر من كفر، حتى فشا ذكر الإسلام في مكة، وتحدث الناس به. وكان يطوف على الناس في أول أمره في منازلهم. ويدعو الناس للإسلام في مكة جهراً. امتثالاً لقوله تعالى: ]يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ @ قُمْ فَأَنذِرْ[[المدثر:1-2] ويكتلهم على أساس هذا الدين سراً. لذلك كان أصحابه يستخفون في صلاتهم في شعاب من قومهم. وكان يرسل لمن يدخل في الإسلام جديداً من يعلمه القرآن: فقد أرسل خباب بن الأرت ليعلم زينب بنت الخطاب وزوجها سعيداً القرآن في بيت سعيد. وهي الحَلْقة التي أسلم على يدها سيدنا عمر. واتخذ دار الأرقم مركزاً للكتلة المؤمنة، ومدرسة لهذه الدعوة الجديدة. حيث كان يقرئهم فيها القرآن ويأمرهم باستظهاره وفمهمه. وظل النبي صلى الله عليه وسلم مستخفياً هو والمسلمون في دار الأرقم بن أبي الأرقم حتى نزل قوله تعالى: ]فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ… [[الحجر:94].

وكان صلى الله عليه وسلم يدعو في أول أمره من آنس فيه الاستعداد لقبول هذه الدعوة. بغض النظر عن سنه ومكانته وبغض النظر عن جنسه وأصله. فتكتل معه على هذا الأمر نيّف وأربعون شخصاً، حتى أمر بإظهار دينه، ما بين رجل وامرأة من مختلف البيئات والأعمار. وأكثرهم من صغار الشباب. وكان فيهم الضعيف والقوي والغني والفقير.

ولما نضج هؤلاء الصحابة في ثقافتهم، وتكونت عقليتهم عقلية إسلامية، وأصبحت نفسيتهم نفسية إسلامية. واطمأن الرسول صلى الله عليه وسلم إلى كون كتلته صارت كتلة قوية قادرة على مجابهة المجتمع كله أظهرها حين أمره الله.

وكان أمر الدعوة الإسلامية ظاهراً من أول يوم بعث به. فكان الناس في مكة يعرفون أن محمداً يدعو لدين جديد ويعرفون أنه أسلم معه كثيرون، ويعرفون أن محمداً يكتل أصحابه ويسهر عليهم، ويعرفون أن المسلمين يستخفون عن الناس في تكتلهم وفي اعتناقهم الدين الجديد. وكانت هذه المعرفة تشعر أن الناس كانوا يحسون بالدعوة الجديدة، ويحسون بوجود المؤمنين بها وإن كانوا لا يعرفون أين يجتمعون. ومن هم هؤلاء الذين يجتمعون من المؤمنين… ولم يكن إعلان الرسول صلى الله عليه وسلم للإسلام شيئاً جديداً. إنما كان الشيء الجديد هو ظهور هذه الكتلة المؤمنة.

وعندما نزل على الرسول صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: ]فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنْ الْمُشْرِكِينَ @ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ @ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ[ [الحجر:94-96] أظهر الرسول صلى الله عليه وسلم الدعوة وجهر بها، وانتقل بذلك من دور الاستخفاء إلى دور الإعلان، ومن دور الاتصال بمن يأنس فيهم الاستعداد إلى دور مخاطبة الناس جميعاً. وبدأ الاصطدام بين الإيمان والكفر وبدأ الاحتكاك بين الأفكار الصحيحة وبين الأفكار الفاسدة. وبدأت المرحلة الثانية وهي مرحلة التفاعل والكفاح. وهي أشد ما عرف روعة في العصور جميعها. فقد كان منزل الرسول صلى الله عليه وسلم يرجم. وكانت أم جميل زوجة أبي لهب تلقي النجس أمام بيته، وكان يكتفي بأن يزيله. وكان أبو جهل يلقي عليه رحم الشاة مذبوحة ضحية للأصنام فيحتمل الأذى، ولا يزيده ذلك إلا إصراراً وصبراً على الدعوة. وكان المسلمون يُهدَّدون ويؤذَوْن. ووثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم. فهذا بلال وهذا عمار وأمه وأبوه وغيرهم الكثير يعطون أروع الأمثلة في الصبر والمعاناة والتحمل.

لم يُعْنَّ الكفار بدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم أول الأمر لظنهم أن حديثه لن يزيد عن حديث الرهبان والحكماء. وأن الناس سيرجعون إلى دين آبائهم، لذلك لم ينفروا منه ولم ينكروا عليه. وكانوا إذا مرَّ في مجالسهم يقولون: هذا ابن عبد المطلب يكلَّم من السماء. ولكن لما بادأهم الرسول صلى الله عليه وسلم وتصدى لهم بأن ذكر آلهتهم وعابهم، وسفّه أحلامهم، وضلل آباءهم ناصبوه العداوة وأجمعوا على خلافه وعداوته ومحاربته.

فأرادوا الحطَّ من شأنه بتكذيبه فيما يزعم من نبوته. فسألوه عن معجزاته بأسلوب تهكمي لاذع ويقولون ما بال محمد لا يحيل الصاف والمروة ذهباً، ولا ينـزل عليه كتاب مخطوط من السماء، ولماذا لا يظهر عليهم جبريل، ولماذا لا يحيي الموتى… ويطول بهم اللجاج ويبقى الرسول صلى الله عليه وسلم على دعوته الناسَ إلى أمر ربه. واستعملوا جميع الطرق لإرجاعه عن دعوته، فمن التعذيب لأتباعه إلى الإشاعات إلى المقاطعة إلى غيرها من الأساليب التي لم تزد الرسول صلى الله عليه وسلم إلا اعتصاماً بحبل الله وتمسكاً، وحماسة في الدعوة.

وبلغت أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم وتحمله القائل، فذاع أمر الدعوة، وصار ذكر الإسلام يفشو في الجزيرة وتتحدث به الركبان. ولم يكن يتاح للمسلمين أن يختلطوا بالناس ويتحدثوا إليهم إلا في الأشهر الحرم حيث كان ينزل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة ويدعو العرب إلى دين الله ويبشرهم بثوابه وينذرهم عذابه وعقابه.

تفاعل الدعوة:

كان اصطدام قريش بالدعوة أمراً طبيعياً لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أظهر الكتلة، وحمل الدعوة سافرة متحدية. فالدعوة تحمل بذاتها كفاح قريش والمجتمع في مكة. فقد كانت تدعو لتوحيد الله وعبادته وحده، وخلع ما دونه. والإقلاع عن النظام الفاسد الذي يعيشونه، فكيف لا وهو يعيب آلهتهم ويندد بحياتهم الرخيصة، وينعي على وسائل عيشهم الظالمة، فصار يهاجمهم بالحق ويهاجمونه بالدعايات والإشاعات الكاذبة. وكان يدعو بكل صراحة لا يكنّي ولا يلين ولا يستكين ولا يحابي الأذى والتكذيب والتشريد والإشاعة والمقاطعة. وقد استطاع الرسول صلى الله عليه وسلم أن يصل إلى الناس وأخذ الإسلام ينتشر.

ولما حدث أن توفي عمه وزوجه واشتد أذى قريش عليه خرج إلى الطائف يلتمس من ثقيف النصرة والمنعة ويرجو إسلامهم ولكنهم ردّوه شر رد. فصار لا يستطيع دخول مكة إلا بجوار. ودخل يومها بجوار مطعم بن عدي. فازدادت قريش أذىً لرسول الله. وشددت النكير عليه، وأخذت تمنع الناس من الاستماع إليه. فلم يصرفه ذلك عن الدعوة. وجعل يعرض نفسه في المواسم على القبائل يدعوهم إلى الإسلام ويخبرهم أنه نبي مرسل ويسألهم أن يصدقوه، وكان عمه أبو لهب يتعرض له بالتكذيب، ويحرض الناس حتى لا يستمعوا إليه. فأثر ذلك عليهم وانصرفوا عن سماعه. فأتى كِنْدة في منازلها، وكلباً وبني حنيفة وبني عامر بن صعصعة. فلم يسمع له أحد، وكان بعضهم يرده رداً قبيحاً. ومما زاد إعراض القبائل عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يرون أن قريشاً تجعل كل نصير له عدواً لها وعوْناً عليها، فزاد الإعراض عنه من الناس كأفراد ومن القبائل. وزادت عزلة الرسول صلى الله عليه وسلم وصارت الدعوة صعبة في مكة وما حولها، وظهر المجتمع المكي في جمود الكفر والعناد. وعندما اشتد إيذاء الصحابة جاء عبد الرحمن بن عوف مع بعض أصحابه يستأذن الرسول صلى الله عليه وسلم باستعمال السلاح فمنعهم الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله لهم: «لم يؤذن لنا بعد، وأمرت بالعفو».

وبهذا يكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد سار في مكة في دورين متتالين:

دور التعليم والتثقيف والإعداد الفكري والروحي وهو دور فهم الأفكار وتجسيدها في أشخاص وتكتلهم حولها.

ودور نشر الدعوة والكفاح، وهو دور نقل الأفكار إلى قوة دافعة في المجتمع تدفعه لأن يطبقها في معترك الحياة فتؤمن بها الجماهير وتفهمها وتحملها وتكافح في سبيل تطبيقها.

أما الدور الأول فهو دور دعوة الناس إلى الإسلام وتثقيفهم بأفكاره وتلقينهم أحكامه، وتكتيل من يستطيع التكتل على أساس العقيدة الإسلامية، وهو دور التكتل السري في الدعوة. حيث كان الرسول صلى الله عليه وسلم لا يفتر عن الدعوة ويدأب على تثقيف من يدخلون في الإسلام بالأفكار ويجمعهم في دار الأرقم ويتكتلون، ويزداد كل يوم إيمانهم، وتزداد كل يوم صلاتهم ببعضهم ويزداد إدراكهم لحقيقة المهمة التي يحملونها فيستعدون للتضحية في سبيلها، حتى غرست هذه الدعوة في نفوسهم، وسرى الإسلام فيهم سريان الدم في أجسامهم، فصاروا إسلاماً يمشي على الطريق. وبذلك لم تستطع الدعوة أن تبقى حبيسة في نفوسهم رغم استخفائهم ورغم سرية تكتلهم والحرص على إخفاء تجمعهم، فأخذوا يتحدثون إلى من يثقون بهم وإلى من يأنسون منهم استعداداً لقبول الدعوة. وبهذا أحس الناس على دعوتهم وعلى وجودهم فاجتازت الدعوة بذلك نقطة الابتداء وصار لا بد من أن تنطلق ووجدت المحاولات لانطلاقها ومخاطبة الناس جميعاً بها. وبذلك انتهى الدور الأول. وهو دور التكتل السري والتثقيف الذي يبني هذا التكتل. وصار لا بد من الانتقال إلى الدور الثانيq

(يتبع)

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *