العدد 53 - السنة الخامسة – العدد 53 – صفر 1412هـ الموافق أيلول 1991م

مؤتمر (الاستسلام) بين اليهود والعرب ر

فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ  محمد:35

ما بال حكام البلاد العربية ومنظمة التحرير يتهافتون على مفاوضات الصلح مع اليهود، وفي كل يوم يقدمون لهم تنازلاً جديداً. فعلى أي شيء سيتفاوضون مع اليهود؟ وعلى أي مكاسب سيحصلون؟!!

وها هو شامير يعلن ليل نهار أنه لا يقبل مبدأ مبادلة الأرض بالسلام، وأنه لن يتنازل عن شبر من الضفة والقطاع، ولا عن شبر من الجولان، وأن القدس ليست موضوع مفاوضات فهي بكاملها العاصمة الأبدية لدولة اليهود، وإنه لا يقبل أن يضم الوفد الفلسطيني أحداً من سكان القدس – حتى لا توضع القدس على طاولة المفاوضات – ولا أحد من الفلسطينيين في الشتات – لئلا يوضع بحث عودتهم إلى فلسطين على طاولة المفاوضات – كما لا يقبل أن تشارك المنظمة في الوفد الفلسطيني، أو أن تختار الوفد الفلسطيني، أو أن يكون لأي شخص في الوفد علاقة بها، أو يستشيرها أي شخص في الوفد أثناء انعقاد المفاوضات.كما أن شامير رفض مشاركة الأمم المتحدة مشاركة فعلية حتى لا يرجع إليها لتفسر القرار 242 عندما يحصل الاختلاف بين المتفاوضين في تفسيره، وشامير يعتبر أن اليهود نفذوا القرار في اتفاقية كمب دايفيد، وتنازلوا عن الأراضي التي يجب أن يتنازلوا عنها. وكل هذه الشروط يشترطها شامير ويطلب من أميركا ضمانات خطية عليها قبل أن يعلن موافقته على الاشتراك في المفاوضات التي تدعو إليها أميركا، كما يطلب من أميركا ضمانات خطية على أن لا تؤدي هذه المفاوضات إلى قيام دولة فلسطينية في الضفة والقطاع.

هذه شروط يشترطها شامير على أميركا قبل أن يعلن قبوله المشاركة في المفاوضات، وهو في كل يوم يشترط شرطاً جديداً، يطلب فيه من العرب مزيداً من التنازلات، وما على بيكر إلا أن يعمل على تلبية شروطه حتى يجعله يقبل بالمشاركة في المفاوضات. وكان قد طلب من بيكر أن تكون المفاوضات مع العرب ذات شقين: شق بين اليهود والفلسطينيين، وشق آخر بين اليهود والدول العربية. ليفصل العرب عن الفلسطينيين، وليحاول عقد صلح مع الدول العربية على غرار الصلح الذي عقد مع مصر، ولو لم يحصل اتفاق بينه وبين الفلسطينيين فإذا عقد صلحاً مع الدول العربية فلا يبقى أمام الفلسطينيين إلا الموافقة على ما يمليه عليهم شامير بعد تخلي العرب عنهم وتصالحهم مع اليهود.

كما أن شامير اشترط أن تعلّق البلاد العربية مقاطعة إسرائيل وإنهاء حالة الحرب معها، فما كان من بيكر إلا أن بادر بطلب ذلك من  السمسار الأكبر حسني مبارك – لا بارك الله فيه – بإعلان ذلك واعتبره عرضاً من الدول العربية على أن توقف الدولة اليهودية بناء مستوطنات جديدة في الضفة والقطاع، وما أن أعلن مبارك عرضه هذا حتى بادرت جميع الدول العربية بقبوله بعد زيارة بيكر لها. وغداً سيقول لهم بيكر لا داعي لربط إيقاف المقاطعة بإيقاف بناء المستوطنات فلا يسعهم إلا تلبية طلبه، لأنهم لا يردون له طلباً.

وشامير يعمل على استنزافهم، ويطلب منهم كل يوم تنازلاً جديداً فيبادرون إلى تقديمه له. ولم يبق إلا أن يقدموا له لحمهم. وكل ما يريده شامير هو مبادلة السلام بالسلام، أي أن تقبل الدول العربية بالواقع الإسرائيلي كما هو، وأن تطبّع علاقاتها الاقتصادية والسياسية والأمنية مع إسرائيل، وأن تفتح لها أسواقها، وأن تشاركها في مياهها مقابل أن تمّن عليها إسرائيل بالسلام، ولا تشن عليها حرباً تفرض به الصلح بالشكل الذي تريده. وهذا ما جعل شامير يطلب من بيكر مشاركة دول الخليج في المفاوضات – مع أنها لم تشترك في حرب مع إسرائيل – حتى تفتح أسواق السعودية ودول الخليج للمنتجات والصناعات الإسرائيلية. فبادر بيكر بالاستجابة وطلب من السعودية ودول الخليج أن تشارك في المفاوضات. فبادرت هذه إلى الاستجابة لطلب بيكر، وأعلنت استعدادها للمشاركة في هذه المفاوضات، كما أنها أعلنت أنها ستوقف مقاطعة إسرائيل استجابة لعرض مبارك إذا ما توقفت إسرائيل عن بناء مستوطنات جديدة.

وها هو شامير أراد أن يدخل دول المغرب في المفاوضات فقرر بيكر أن يزور هذه الدول في زيارته السادسة للمنطقة.

وهكذا فأميركا تسير مع شامير سير الأب مع الولد السفيه لا ترد له طلباً حتى تداريه ولا تستفزه، بينا تعامل الدول العربية كالقاصرين تصدر إليهم الأوامر فينصاعوا.

هذا بالنسبة للدول العربية، وأما بالنسبة للفلسطينيين فإن كل ما يريد شامير أن يعطيهم هو الإدارة الذاتية، أو الحكم الذاتي على أكثر تقدير في الضفة وقطاع غزة على أن تبقى السيادة والأمن والأرض والمياه والعلاقات الخارجية فيهما لإسرائيل. ومع كل التنازلات التي قدمها حكام الدول العربية لشامير وليهود فلم يحصل العرب مقابلها على شيء، وإنما زادت هذه التنازلات شامير واليهود غطرسة وعلواً وفساداً.

وما دام هذا هو واقع اليهود، وواقع ما يريدونه من الدول الغربية والفلسطينين فعلام هذا التهافت على قبول المفاوضات معهم دون قيد أو شرط، وتقديم كل ما يطلبون من تنازلات، فعلى أي شيء سيتفاوضون، وعلى أي مكاسب ستحصلون، إنكم ستفاوضون اليهود على التنازل عن لحمكم فلم يبق غيره لتنازلوا لهم عنه. أليس من العار والذلة هذا الخنوع الذليل أمام أذل خلق الله اليهود، ونحن خير أمة أخرجت للناس، وقد منّ الله عليها بأن جعلها منبت الرجال وبيت الأبطال والمال، وجعل خيرها وثرواتها لا تنقطع، فعلام تعطون الدنية، أما من وقفة إيمان تغلي فيها دماء العزة والكرامة في عروق المسلمين ليرفضوا وصاية أميركا، ويرفضوا بقاء هذا الكيان اليهودي المصطنع، الذي أقامته الدول الكافرة في بلاد المسلمين ليكون حربه في صدورهم، وليهيء المسلمون أنفسهم لما ليس منه بدّ، وهو الحرب الفاصلة بينهم وبين اليهود، وإعلان الجهاد على هذا الكيان المسخ حتى يستأصلوه من جذوره.

ولا تغرنكم أيها المسلمون غطرسة اليهود وتعاليهم وإفسادهم في الأرض فإنهم جبناء يحبون المال، ويخافون الموت، ويحرصون على الحياة، كما قال الله فيهم: ]وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ[[البقرة:96] فلا ينبغي أن تخافوهم، كما لا يجوز أن تسمحوا لحكامكم بهذا الاستسلام الذليل لهم. فالمسلمون أعزاء كرماء، واليهود هم أهل الذلة، وأهل المسكنة إلى يوم القيامة: قال تعالى: ]وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ[[البقرة:61] وقال: ]ضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنْ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنْ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الْمَسْكَنَةُ[[آل عمران:112] وما نراه اليوم من عتوهم وصلفهم وعلوهم في الأرض إنما هو بحبل من أميركا، ولا بد أن ينتهي تحقيقاً لقول الله سبحانه: ]وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ[[الأعراف:167] وستكون هزيمتهم بإذن الله على أيدي المسلمين، كما ورد في الأحاديث الصحيحة في البخاري ومسلم. فقد روى نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لتقاتلن اليهود فلتقتلنهم حتى يقول الحجر يا مسلم هذا يهودي فتعال فاقتله» وستكون هزيمتهم كهزيمة أسلافهم بني النضير عندما كانوا يظنون أن حصونهم مانعتهم من الله كما يظنون اليوم أن ترسانة أسلحتهم الضخمة وتأييد أميركا المطلق لهم ستمنع من هزيمتهم، بل ومن التفكير في محاربتهم، وسيأتيهم الله من حيث لم يحتسبوا، وعندها سوف لا تمنعهم أسلحتهم ولا سندهم أميركا من الله، وسيمكن المسلمين من هزيمتهم والقضاء عليهم. قال تعالى: ]هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنْ اللَّهِ فَأَتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ[[الحشر:2] فاعتبروا أيها المسلمون، وثقوا بالله بأن اليهود لن يبقوا هكذا مهما طال بهم الزمن، فالآيات والأحاديث تدل على ذلك دلالة واضحة، وقد توعدهم الله كذلك في سورة الإسراء أنهم إن عادوا إلى إفسادهم في الأرض وعلوهم فإنه سبحانه سيعود في إرسال عباد له ليدمروهم، كما دمروهم في المرتين السابقتين حيث قال: ]وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا[[الإسراء:8].

هذا هو واقع اليهود وما سيؤولون إليه أيها المسلمون كما ورد في كتاب الله وسنة رسوله. فعلام يريد الحكام في البلاد العربية أن يعطوا الدنية، وأن يستسلموا لليهود هذا الاستسلام المخزي، ويتهافتوا للصلح معهم، مع أنهم يرونهم لن يعطوهم شيئاً، وأن الصلح إنما هو لمصلحة اليهود فقط وتثبيتهم. والله سبحانه قد أمر المسلمين أن لا يهنوا، وأن لا يستسلموا، وأن لا يخزنوا، وأن لا يدعوا إلى السلم والصلح مع اليهود وهم الأعلون حيث قال: ]فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ[[محمد:35].

أيها المسلمون:

لا يجوز أن يكون أي لقاء بيننا وبين اليهود إلا في ساحات الجهاد، وأن المفاوضات مع اليهود لعقد الصلح معهم خيانة لله ولرسوله ولدينه وللمؤمنين، وتنازل عن الأرض المقدسة لليهود والكفار، وهو في نفس الوقت تمكين لهؤلاء الكفار المجرمين من فرض سيطرتهم الاقتصادية على البلاد العربية.

لذلك فإن أية مشاركة في المفاوضات هي خيانة وإثم، وكل من يدعو لها فهو خائن وآثم، إذ يحرم على أي مسلم أن يشارك فيها، أو أن يدعو لها، وأن يؤيدها، أو أن يقبل بها، فلا صلح مع اليهود ولو على شبر من الأرض، بل حرب وجهاد حتى تطهر البلاد الإسلامية من دنس اليهود ورجسهم، وحتى يهدم الكيان اليهودي كله ولا يبقى له أي أثر لا في فلسطين ولا في غيرها من البلدان المحيطة بها. لهذا فعليكم أيها المسلمون أن تحولوا دون حصول هذه المفاوضات، وأن تضغطوا على حكام البلاد العربية حتى لا يشاركوا فيها، وأن ترغموهم على ذلك، لأن الدخول في المفاوضات من أشد المنكرات التي يجب أن تقاوم. والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: « ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطراً أو تقصرنّه على الحق قصراً».

21 من محرم 1412هـ.

1 آب 1991م.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *